شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
عصب التنوير الأول في مواجهة الفكر الإسلامي الرسمي

عصب التنوير الأول في مواجهة الفكر الإسلامي الرسمي

ثقافة

الجمعة 18 نوفمبر 202204:38 م

التحولات المُجتمعية، تفرضُ على المُنتسبين لهذا المُجتمع أن يُكيفوا العُقول والأفكار مع هذا التحول. هذا ما أدركه العَربُ، بداية القرنِ الأول للهِجرة، مع الاستقرار المُجتمعي، وإرساء معالم الدولة الإسلامية، والتخفيف من وتيرة الفتوحات، وانفتاح الدولة على أمم وشُعوب مختلفة، وقد برزت إلى السَطح مسائِل داخلية، ترتبط بشكل أساسي بالمشكلات الدينية والسياسية والثقافية التي أفرزها الواقع الإسلامي في تطوره، وكذا الردّ على المُشككين في العقيدة. وأُجمع على أن الدفاع عن العقيدة، لا يكون بسلّ السيوف، بقدر ما يكون بالإقناع العقلي والمنطقي. من هذه الزاوية نشأ علمُ الكلام.

النشأة

لم تكُن نشأة علم الكلام، نشأة اعتباطية، بقدر ما حكمتها تغيرات عرفها المجتمع الإسلامي. في هذا الصدد يقول محمد صالح السيد في كتابه "مدخل إلى علم الكلام": "ارتبط علم الكلام في نشأته الأولى بتلك المُشكلات التي تفرجت في صدر الإسلام، وفرضت نفسها على الواقع الإسلامي –آنذاك– وهي في مُعظمها مشكلات تفجرت لأسباب، اجتهد المتكلمون الأوائل ما وسعهم الاجتهاد في تقديم حلول لهذه المُشكلات، معتمدين في ذلك على فهم النصوص الدينية، والاستناد إليها في تدعيم اجتهاداتهم، ومن طبيعة الاجتهاد التعدد في ما يطرح من حلول، فبمقدار التنوع في الفهم، تتنوع الاجتهادات".

عرف صدرُ الإسلام -خصوصاً في مَرحلة الخلافة– مُشكلات سياسة، ارتبطت بمقتل عُثمان، مع ما أثاره ذلك من انقسامات. ومع استيلاء بني أمية على الحكم، تفجرت فلسفة للسياسة في المُجتمع الإسلامي، ركزت أنظارها نحو مفهوم الحُكم والإمامة.

من جهته يربط حسين مروة بين ظهور عِلم الكَلام وبين الاضطهاد الاجتماعي الذي عرفه العصرُ الأموي، وتحولات الدولة نحو نَهج سياسي إقطاعي، فقد تَحول هذا الاضطهاد إلى انتفاضات مُسلحة في مناطق من الإمبراطورية، في حين اتخذ شكلاً فِكرياً مُعارضاً. قاد زعامتها حسن البصري، وواصل بن عطاء، وغيلان الدمشقي، وغيرهم.

نشأة علم الكلام تشكلت ضمن صراع سياسي على الشرعية الدينية، بوصفها الرأسمال الذي يُضفي على المطالبة بالحكم الشرعية

وفق هذا السياق، وارتباطاً بفِكر المُعارضة، طفت إلى السطح مسائلَ جديدة تمخضت عن تطور حركة المُجتمع الجديد. في ذلك يقول حسين مروة، في كتابه "النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية" في ظل حديثه عن هذه المسائل: "على أساس مسألة القدر، من حيثُ علاقتها بقضية حرية الإنسان في اختيار أفعاله، وعلاقة هذه القضية بالموقف من السلطة السياسية القائمية حينذاك، تحركت قضايا الصراع الاجتماعي–السياسي كلها، ولكن بأشكالها الفكرية ذات الطابع التركيبي الجديد القائم على النظر العقلي التأملي المجرد، ومن أهم هذه القضايا: حكم مرتكب الكبيرة، العلاقة بين العقل والإيمان، مفهوم العدل في الإسلام، الموقف من الحاكم الجائر، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومفهوم تنزيه الله والتوحيد، إلخ".

بين علم الكلام والتنوير

بدءاً، لا بدّ من تحديد التيارات التي حكمت مرجعية التفكير في النصوص الدينية:

- التيار التقليدي الذي يقول بأولوية النقل، وقدسية النص.

- التيار العقلاني، الذي يقول بأولوية العقل.

- ثم الفكر التصوفي الذي يقوم على التجربة الروحية، والتأويل الرمزي للنصوص.

مثل التيار الثاني حركة التنوير العربية الإسلامية، مُخرجاً العقل من طابعه التجريبي، إلى طابع تأملي، استدلالي برهاني، تحليل النصوص من زاوية التحليل المفاهيمي أو المنطقي. ولعل أول ما يوجب التفكير في علم الكلام، نزوعه نحو التفكير العقلاني. فالنزوع نحو العقلانية، يُوجب الشك، في المُسلمات. والشكُّ يقود نَحو التأويل.

لقد شكل هذا المُنطلق رحى الصراع بين المتكلمين والسنيين، بل وقوبلت نزعة المتكلمين العقلانية بالعداء المستحكم من قبل رجال الدين الرافضين للعقل والتأويل، حُجة أن النص الديني مُقدس، مُطلق لا يخضع لأهواء التأويل. واتخذت العقلانية شَكلها الأسمى في التفكير الإسلامي مع المُعتزلة، التي وضعت العقل البشري في المكانة الأولى من قضية المعرفة.

ضمن هذا السياق يقول حسين مروة في كتابه سالف الذكر: "هذا الاتجاه كان ينطلقُ أساساً من قضية، لعلها في ظروفها التاريخية كانت أكثر ارتباطاً بالواقع الاجتماعي، هي قضية حُرية العقل في التفكير دون أن يقيده قدر سابق. وذلك لتوكيد حرية إرادة الإنسان في التنفيذ دون أن تقيدها إرادة سابقة".

المعتزلة وضعوا النص المُقدس تحت مجهر التأويل وامتحان عقل الإنسان، فكان يُقرأ فلسفياً، عن طريق التوفيق بين الفكر اليوناني الأرسطي والدين الإسلامي.

شرارة التنوير انطلقت مع المعتزلة، لتصبح منهجاً فكرياً قائماً بذاته، وردّاً مباشراً على الذهنية التقليدية التي تنفي عن الإنسان بلوغ الحق بعقله وقدرته الإنسانية وحدها

مرحلةُ التنوير الأوروبي، مرحلة مفصلية في تاريخية التحول البشري، جعلت الإنسان مركز الاهتمام، بيد أن مَرحلة التنوير الإسلامي مع المُعتزلة، لم تكُن أكثر اختلافاً مع نظيرتها الأوروبية إلا باختلاف السياقي التاريخي.

لقد أرسى المُعتزلة معالم الأنسة، بالإعلاء من شأن الفرد، مدشنين العقل سبيلاً نحو للإبداع. وهو ما يؤكده حسين مروة في كتابه السابق قائلاً: "ما كان شيء أن يخفي الطابع الآخر للفكر المعتزلي، وهو طابع المعارضة للنظر الإيماني الغيبي المُطلق ولفكرة تقديم الإيمان على العقل ولفكرة سيطرة الحتمية القدرية المُطلقة على حركة الفرد والمُجتمع وخيارات الفعل البشري".

فأول ما يرنو نحو الأنسة في الفكر المُعتزلي حديثهم عن "القدر"، خلافاً للفكر الجبري الذي حَكم التفكير الإسلامي قبل ظهورهم. فمفادّ نظرتهم كان مبدأ "الاختيار". وبرهانُ المعتزلة في مسألة الحرية يقوم على أساس واقعي، في الربط بين الدوافع الذاتية للإنسان واختياراته التي قد تحثه على فعل أمر أو الإعراض عنه وفق إرادته، لا وفق تدخلات فوق ميتافيزيقية.

خلاصة القولِ في التنوير المُعتزلي ما أورده محمود إسماعيل في كتابه الحركات السرية في الإسلام: "يعزى الفضلُ إلى المعتزلة في اعتبار العقل مصدرَ المعرفة، ومن ثم حاربوا الخرافات والسِّحر والشعوذة وغيرها من الظواهر التي لا تخضع لمنطق العقل كرؤية الجن، وانشقاق القمر... ولم يتورعوا عن نقد الروايات الأسطورية في هذا الصدد حتى ما كان منسوباً إلى كبار الصحابة. وفي ذلك ما ينمّ عن وضع المعتزلة لأول أصول النهج العلمي في التفكير".

شرارة التنوير انطلقت مع المعتزلة، لتُصبح منهجاً فِكرياً قائمَ الذات، ورداً مباشراً على الذهنية التقليدية التي تنفي عن الإنسان بلوغ الحقّ بعقله وقدرته الإنسانية وحدها.

علم الكلام في ميزان السياسة

نشأة عِلم الكلام، نشأة سياسية بالأساس، تشكلت ضمن صراع سياسي على الشرعية الدينية، بوصفها الرأسمالَ الذي يُضفي الشرعيةَ على المطالبة بالحكم.

في مقال له بعنوان "رهانات علم الكلام بين اللاهوت والسياسية" يوضح عامر عبد زيد الوائلي هذه الشرعية قائلاً: "لا شك أن العامل السياسي كان عاملاً فاعلاً إذ كان يُحاول أن يستثمر البنية الذهنية والموروث اللاهوتي في إسباغ الشرعية على الذات في صراعها مع خصومها على السلطة، والعامل الديني عامل فاعل، بل مهيمن في تسويغ الشرعية السياسية وإسباغ البعد العقائدي على المتصارعين". فقد بدأ علمُ الكلام شكلاً من أشكال التحول الكيفي، فرضتْه سياسة الأمويين.

مسألة "القدر" كانت أولى المسائل التي طرحت عند أهل الكلام؛ مسألة كانت ورقة سياسية، تمنحُ شرعية الاستبداد والظلم الاجتماعي. في ذلك يقول حسين مروة: "كانت مدرسة حسن البصري ومن تفرع عنها من مثقفين ومفكرين ومن علماء بارزين في علوم العربية والشريعة، يتخذون شكلاً آخر لمعارضة السيطرة السياسية المطلقة الأموية ولمعارضة إيديولوجيتها الجبرية المطلقة أيضاً".

يضيف مروة: "لقد كان صوت حسن البصري وواصل بن عطاء ومعبد الجهني وغيلان الدمشقي وأمثالهم، أول صوت للفكر العربي الإسلامي يرتفع ليتحدى الفكر الرسمي، ويتحدى جبرية الفئية المسيطرة اقتصادياً وسياسياً".

مُعارضة فكرية، ستتوج بقمع فكري ومادي من طرف الأمويين، وضياع للعديد من مؤلفات المُعتزلة، بالرغم من خصوبة الإنتاج. قمعٌ سببه اجتذاب علم الكلام لفئات المُجتمع المُضطهدة، فقد كان فكراً أكثر تحدياً للفكر الرسمي، جعل السلطة السياسية والموالين لها، تتعاون على طمس هذا النتاج.

علم الكلام، سيدخل مرحلة جديدة مع الدولة العباسية، هذه الأخيرة التي نشأت على أنقاض سابقتها، بعد حروب دموية، كانت أكثر عقلانية في استمالة المُجتمع، ولعل ذلك تجلى بشكل واضح في عصر المأمون الذي جعل من الفكر الاعتزالي مذهباً رسمياً للبلاد

علمُ الكلام، سيدخُل مرحلة جديدة مع الدولة العباسية، هذه الأخيرة التي نشأت على أنقاض سابقتها، بعد حروب دموية، كانت أكثر عقلانية في استمالة المُجتمع، ولعل ذلك تجلى بشكل واضح في عصر المأمون الذي جعل من الفكر الاعتزالي مذهباً رسمياً للبلاد.

ولم يكن هذا الانعطاف ناتجاً عن أسباب ذاتية للمأمون بقدر ما حكمته سياقات سياسية ومُجتمعية. في ذلك يقول حسين مروة في نفس الكتاب السابق: "إن الموقع الطبقي في مجتمع القرن الثالث الهجري كان يستطيع أن يحدد إلى قدر ما، بعض المواقف السياسية في ذلك المجتمع. وقد ظهر ذلك في مساندة مختلف تلك الفئات الاجتماعية في المدينة لفكرة إيصال المأمون إلى عرش الخلافة العباسية، اعتماداً على ما ظهر من مساندة الأمراء وأصحاب الإقطاعات لأخيه الأمين، لأن هؤلاء الأمراء والزعماء كانوا يأملون أن يستفيدوا من ضعف شخصيته ومن نزوعه إلى التفرغ لحياة اللهو".

يضيف حسين مروة: "لقد جاء المأمون إلى السلطة العليا مؤيَّداً من الفئات الاجتماعية، وعلى هذا الأساس ارتفعت في عهد المأمون راية الفكر الحرّ المتمثل لعلم الكلام المعتزلي".

إلى أن وقع الانعطاف في عصر المتوكل، معيداً المدَّ السني إلى الواجهة. ومن هنا بدأت مجنة العقلانية. غير أن هذا الانعطاف لم يكن بمجابهة فكرية، بقدر ما كان سياسياً يكسب قوته من السلطة ومحيط الخلافة.

Website by WhiteBeard