SYRIEN N'EST FAIT ...مهرجان سوري بنكهة فرنسية

الخميس 22 سبتمبر 202204:23 م

تشهد باريس نشاطاً ثقافياً وفنياً ملحوظاً للجالية السورية والعربية. حيث يتلاقى ناطقو اللغة العربية محاولين سرد الحكاية على طريقتهم، وتغيير صورة نمطية طبعت على جبين السوري رواية تهجير وقتل وتعذيب وشتات. وصلت أركان تلك الرواية أرجاء المعمورة لينسى العالم الحكاية الأصلية.

لكن هناك جسوراً تنشأ لإيصال دفء الثقافة السورية، وكشف ما حدث في بلد يبعد آلاف الكيلومترات عن ملاجئنا في أوروبا العجوز.

ومن هذه الجسور مهرجان (SYRIEN N'EST FAIT) الذي بدأ قبل سبع سنوات بفتح آفاق جديدة في فرنسا على عالم الثقافة والتراث العربي والسوري تحديداً، لتقديم الفن الملتزم وإتاحة فرص للفنانين والفنانات لينشروا إبداعاتهم في شتى مجالات الفنون، كجلسات عروض الأفلام ونقاشها ومعارض الرسم والنحت وغيرها. 

 

من فعاليات مهرجان SYRIEN N'EST FAIT في باريس 2022

تمّام العُمر  هو فنان تشكيلي ومصور فوتوغرافي يعيش في باريس. بعد أن ترك سوريا إبّان الثورة والحرب، انضم إلى منظمة فرنسية تعنى بتطوير الإعلام السوري البديل، وعملت على النسخ الخمس الأولى للمهرجان ثم توالت السنوات ليصل تمام سنته السابعة مع المهرجان، الذي بدأ كمتطوع حتى بات أحد منظمي المهرجان الأساسيين.

"عمل المهرجان هذه السنة على ثيمة الذاكرة الجمعية والفردية تحت اسم، ذاكرة وذواكر". الفنان تمّام العمر، أحد منظمي المهرجان

تحدث تمام لرصيف 22 عن المهرجان: "يتضمن المهرجان كل الأنشطة الفنية تقريباً، وهو منفتح على شتى أنواع الفنون والثقافة والرقص المعاصر ، بحيث يضم شريحة واسعة من المواهب. هذه السنة توجد عروض أداء مع فنانتين سورية وتونسية، وموسيقى لمهند نصر عازف العود، وتجهيز فني مع سارة قنطار وبيسان الشريف، بالإضافة للخط والطباعة الحريرية والفوتوغراف وعرض لفيلم المخرج المغربي كمال رضواني بحضوره. المهرجان عربي. في البداية كان للسوريين الفرنسيين، ثم انفتحنا على كل الفن الملتزم والمهتم بالقضية السورية. عمل المهرجان هذه السنة على ثيمة الذاكرة الجمعية والفردية تحت اسم، ذاكرة وذواكر".

ثقافة شرقية بلغة فرنسية

لم تعرقل منظمي المهرجان عقبةُ اللغة، إذ عملوا على ترجمة الأفلام المشاركة إلى اللغة الفرنسية أو العربية بحسب الحاجة، ويفتتح المهرجان أبوابه خمسة أيام كل عام، مع معارض لفنانين سوريين، منهم محمد عمران وبيسان الشريف وريم يسوف ورندة مداح، وغيرهم ممن يعملون على موضوع الذاكرة السورية والعربية.

من فعاليات مهرجان SYRIEN N'EST FAIT في باريس 2022

مع تلاحق السنوات انضم للمهرجان العديد من المتطوعين الذين باتوا منظمين رئيسيين لنشاطاته، ومنهم جاد كحالة (28 سنة)، سورية فرنسية.

اعتادت جاد زيارة دمشق كل سنة مع أهلها قبل عام 2010، لتنقل لاحقاً ذاكرتها الدمشقية إلى باريس، حيث تنقلت في العمل مع العديد من المنظمات الفرنسية ومنظمات المجتمع المدني السوري، وهي مهتمة بالثقافة والفنون السورية مما أوصلها إلى مهرجان (SYRIEN N'EST FAIT).

 "لا نبحث عن فرص لأننا لاجئون فقط، فما يتمناه أي فنان سوري هو الندية والفرص الحقيقية، ومن هنا ولدت فكرة المهرجان". جاد كحالة، إحدى مُنظمات المهرجان.

تقول جاد عن تجربتها في المهرجان: "لدي إحساس بالمسؤولية تجاه الفنانين السوريين الواصلين حديثاً إلى فرنسا، كي يجدوا فرصاً لإكمال حياتهم الفنية وصقل خبراتهم. أنا لست فنانة، ولكن هناك صعوبة واضحة لي في هذا المكان، حيث يجب على الفنان أن يتبنى شيفرات معينة بعيدة عن ثقافته، وأن يواجه صعوبات أخرى متعلقة باللغة الجديدة والثقافة والفن المختلفين. توجد أيضاً صعوبات في العلاقات والتعرف على الناس والفرص، يمكن أن تجد في فرنسا فرصة للفنانين اللاجئين، ولكن نحن لا نبحث عن فرص لأننا لاجئون فقط، فما يتمناه أي فنان سوري بعيداً عن التعاطف هو الندية والفرص الحقيقية. هي معادلة معقدة الأركان ومن هنا تماماً ولدت فكرة المهرجان".

من فعاليات مهرجان SYRIEN N'EST FAIT في باريس 2022

استقطب المهرجان هذه السنة العديد من الأسماء المعروفة بالفن الملتزم بقضايا الشعب السوري والعربي عموماً كمساحة حرة لتقديم ذاكرتهم عن بلادهم الأم، عن طريق خلق فضاءات جديدة لنشر أعمالهم في المجتمعات المضيفة، ومما ميّز المهرجان قدرته على الاستمرار على الرغم من كل الصعوبات.

حرص منظموه على دعوة العديد من الفنانين/ات من جنسيات مختلفة، وتجدر الإشارة إلى أن غالبية المنظمين هم متطوعون بشكل كامل.

وصلت الفنانة والمصورة سارة قنطار فرنسا قبل ست سنوات. وهي تدرس الماجستير في المدرسة العليا للفنون في باريس ومتطوعة مع المهرجان منذ عام 2018. شاركت بنسخته السابعة ضمن نشاط التصوير الفوتوغرافي، تحت عنوان "بيوت يتعذر الوصول إليها"، وعرضت صوراً مطبوعة على أقمشة ومعلقة أثناء فترة المهرجان.

من فعاليات مهرجان SYRIEN N'EST FAIT في باريس 2022

تقول سارة: "لست جديدة على (SYRIEN N'EST FAIT) وأراه يكبر وينتشر وتزداد نشاطاته مع توالي السنوات، ما أراه في تلك النشاطات عموماً هو الحاجة للتعريف بالثقافة العربية، وواقع المهاجرين المحملين بثقافتهم كنوع جديد على العالم الأوربي، هم يخلقون فناً مختلفاً يمزج بين تاريخهم والثقافة الفرنسية، يجب أن نخلق هذه المساحات لعرض نتاجنا الثقافي أينما حللنا، ما من مهاجر أو لاجئ إلا يحمل قصته في قلبه، وينتظر الفرصة لسردها على طريقته، فكيف بالفنان القادر على رؤية العالم بعين مختلفة".

الفن السوري يتحرر من قيود السلطة القمعية

جاء السوريون من بلاد تلاحق الهاربين منها بترهيبهم وعرقلة أوراقهم والاستيلاء على ممتلكات من اغترب عن بلاده التي نهشتها الحرب، كأنها ضريبة يدفعها السوري أينما حلّ. يرى تمام العمر أن الثقافة في سوريا مقسّمة على قياس القمع وبما يخدم مصالح الحكومة وترهيبها للسوريين وبالتالي كان من شبه المستحيل المغامرة بإنتاج هذا النوع من المهرجانات الحرة دون سقف وتوصيات وأدلجة تصب في مصلحة النظام السوري.

يرى تمّام العُمر أنه كان من شبه المستحيل المغامرة بإنتاج هذا النوع من المهرجانات الحرة في سوريا دون سقف وتوصيات وأدلجة تصب في مصلحة النظام السوري

"يجب أن تفهم الدول القمعية تلك الرسائل الحرة لمفكرين وفنانين سوريين، والتي تشرح أن الحرية لا ترتبط بالخوف كما يحاولون وسمها، وإنما الإبداع كفيل بعلاج ندوب خلّفها القمع. هذا ما نجده كل سنة في المشاركات الجديدة في المهرجان من الفنانين/ات وحتى من الحضور الذين هم فرنسيون وعرب". يسكت تمام العمر للحظات كأنه يستذكر تاريخاً مرّ أمامه بسرعة البرق ليقطع نقاشنا ونعود إلى المهرجان ثانية: "العمل على تنظيم المهرجان مرهق جداً، وصعوبته تكمن في تأمين التمويل اللازم وتأمين أماكن العروض لكني أثق أنه عمل تراكمي. متطلبات الممولين شديدة الخصوصية، وتلائم المعايير الأوروبية وبالتالي الحصول على التمويل مهمة شاقة، ولكن بلديات باريس تموّل المهرجان بالإضافة إلى مكاتب ومؤسسات عاملة في الثقافة. لدينا خبرات جيدة نسبياً كسوريين في تنظيم هذا النوع من الفعاليات. لا أريد أن نتحول إلى جالية ولا أريد أن أجاري الثقافة الفرنسية، إنما نحن أشخاص ننتمي للعالم كله، يكفي تصدير السوريين كإرهابيين وضحايا. أريد للسوري أن يكون في المتن".

من فعاليات مهرجان SYRIEN N'EST FAIT في باريس 2022

تمّام وغيره من السوريين الذين وصلوا الى دول اللجوء ممن نشطوا في رواية السردية السورية، يشعرون بمسؤولية نقل الحقيقة الى العالم.

يزداد اليأس مع طول مدة انتظار الخلاص السوري، وتظهر على السطح مشاكل نفسية نتيجة قمع قديم واعتقالات وممارسات لا إنسانية، ليبدأ جيل من الشباب هنا في باريس ودول أوروبية أخرى بإزالة العفن القديم عن حياة نمت وكبرت تحت براثن الخوف من السلطة القمعية.

افتتح المهرجان أبوابه خمسة أيام، من 31 آب/أغسطس إلى 4 أيلول/سبتمبر 2022، مع ثيمة "ذاكرة وذواكر" لنجد أحد الفنانين يشارك ذاكرته عن الأسطحة واللواقط الهوائية، وآخر يرى سماء سوريا مسقوفة بالإسمنت، فأينما وجدت الحرية يكبر الفن.

أكثر من عشر سنوات عاشها السوريون باحثين عن خلاصهم، ليصطدموا بخيبات تقوّض أحلامهم عند كلّ محاولة. آن للطيور المهاجرة أن ترى خلاصها ضمن سياق جماعي يحقق لنا خلاصنا جميعاً. وعلى الضفة الأخرى تزداد القضية السورية ثقلاً في ذاكرتنا وأحلامنا وحتى في كوابيسنا، نهرب بها بين الزوايا لنتحايل على سرد الحكاية في أقطاب العالم أينما حللنا. فتنبت بذور السوريين حيث يحلّون. لتثمر فناً وحياة بعيداً عن بلاد لفظتهم ونعتتهم بالإرهاب لمجرد اختلاف الرأي. ويبدو الفن فعل مقاومة، وهو سيبقى شاهداً ممتداً إلى الأجيال القادمة عن كيفية حفظنا للذاكرة وسعينا للتشافي منها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard