"شاهي" و"كأس طرابلسي"... كيف دخل الشاي إلى تونس ومتى؟

الخميس 22 سبتمبر 202202:56 م

في المسلسل التونسي "تاج الحاضرة"، الذي يصور فترة أربعينيات القرن التاسع عشر، وتحديداً فترة حكم المشير أحمد باي، تُصور لقطة في منازل أحد "عامة الشعب"، بنات العائلة في جلسة منزلية وهُن يطبخن الشاي بالطريقة التقليدية المتعارفة حالياً في تونس، باستعمال "الكانون" (الموقد). في الحقيقة، تبدو تلك اللقطة التي تظهر في الحلقة الثانية، خارجةً تماماً عن سياقها التاريخي، وهو خطأ درامي فظيع. إذ لم يكن الشاي أبداً في القرن التاسع عشر جزءاً من الثقافة الاستهلاكية التونسية الشعبية، ولا في متناول الناس ولا حتى معروفاً عندهم.

هذا ما تُؤكده المؤرخة والباحثة في الأنثروبولوجيا التونسية، الراحلة لوسات فالنسي، في كتابها المرجعي "الفلاحون التونسيون"، حين تشير إلى أن الشاي كان "ما يزال غير معروف لدى التجار، خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر"، مشيرةً إلى وجوده فقط "في قائمة المواد المستهلكة بدار الباي، ضمن المواد الصيدلية وليس ضمن مواد المطبخ" (ص346). وتؤكد في هذا السياق على أن وفرة الشاي في تونس تُعد "متأخرةً ومباغتةً". على خلاف الشاي كانت القهوة مشروباً معروفاً يشربه الجميع في البلاط وفي أوساط "العامة".

وهو ما يوضحه الباحث الفرنسي آلان هويتز دي لامبس Alain Huetz de Lemps، في كتابه بالفرنسية "مشروبات وحضارات في إفريقيا"، بقوله إن "استهلاك الشاي (في تونس) بقي محدوداً عند بعض الأثرياء الحضريين خلال كامل القرن التاسع"، مؤكدًا أنه حتى "بداية القرن العشرين، كانت تونس ما تزال بلاد القهوة" (ص 538). إذاً، كيف دخل الشاي إلى تونس ومتى؟

الطريق الليبية

في كتابها "الإبداع الثقافي في بيئة مستعمرة: القيروان والكاف نموذجاً (1881-1956)"، تشير المؤرخة إشراق عوي، في حديثها عن أرياف مدينة الكاف، في عشرينيات القرن الماضي، إلى أن "الشيء الوحيد الذي اقتحم هذه الأرياف ولقي رواجاً منقطع النظير هو الشاي الأحمر، الذي أدخلهُ المُهاجرون الليبيون الذين توافدوا على مختلف جهات البلاد التونسية بعد عام 1911، الذي يوافق تاريخ احتلال إيطاليا لإيالة طرابلس. وقد انتشر شرب الشاي في المناجم أولاً حيث لقي الكثير من الطرابلسيين مواطن شغل، ثم انتقل إلى الكاف والقرى وخاصةً إلى الأرياف" (ص 91).

دخول الشاي إلى تونس بعد العام 1911، تاريخ الهجرة الكبيرة للقبائل الطرابلسية نحو تونس بسبب الغزو الإيطالي، فرضية تُشير إليها أيضاً لوسات فالنسي، في كتابها المذكور، بقولها: "يبدو أن هذا الشغف المفاجئ بالشاي كان نتيجةً مباشرةً لحروب الغزو الاستعماري. ففي 1911، خلال الحرب الإيطالية التركية، استقبلت البلاد التونسية لاجئين من طرابلس فروا من أمام الجيش الإيطالي وجلبوا معهم موضة الشاي الأخضر" (ص 347).

دخول الشاي إلى تونس أتى وفق كثيرين بعد العام 1911، تاريخ الهجرة الكبيرة للقبائل الطرابلسية نحو تونس بسبب الغزو الإيطالي. وكان هؤلاء يعرفون الشاي ويحبونه فنشروه بين سكان البلاد

ولئن تحفظت فالنسي على هذه الفرضية بالقول في تعليق في الهامش إن "هذا التفسير شائعٌ في البلاد التونسية. لم نتمكن من التحقق من مدى تزامن ارتفاع واردات الشاي فعلاً مع وصول الليبيين"، فإن دي لامبس ينسف تنسيبها هذا في كتابه المشار إليه، من خلال عودته إلى جداول استيراد الشاي بعد دخول الطرابلسيين إلى تونس، إذ يشير إلى أن توريد الشاي ارتفع من 100 طن في العام 1917، إلى 1،100 طن في العام 1926، وصولاً إلى 1،900 طن في العام 1937 (ص 539).

وهو ما يؤكده أيضا المؤرخ الهادي جلاب، في كتابه "النخب الاقتصادية التونسية (1920-1956)"، حين يشير في جدول مفصل إلى تزايد واردات الشاي من 405 آلاف كلغ سنة 1912، إلى مليون و400 ألف كلغ في العام 1929 (ص 84).

فرضية دخول الشاي مع المهاجرين الطرابلسيين في بداية العقد الثاني في القرن الماضي، يؤكدها أيضاً، وبشكل مستفيض، المؤرخ عبد الواحد المكني، في دراسة له بعنوان "من الظواهر الاستهلاكية الجديدة في المجتمعات المغاربية في الفترة الاستعمارية: الشاي والتكروري بالبلاد التونسية"، إذ يؤكد على أن كل الإجابات حول جذور دخول الشاي إلى تونس اتفقت على أن "انتشار شربه عند عامة الفئات الشعبية كان بواسطة المهاجرين الليبيين أو أهل طرابلس كما كانوا يسمونهم في تونس، وكان ذلك بداية من سنة 1911، أي إبان الغزو الإيطالي لليبيا ووفود فلول الهجرات الجماعية التي توزعت على مختلف جهات البلاد".

هكذا يبدو جلياً أن دخول الشاي إلى البلاد التونسية وانتشاره في الثقافة الاستهلاكية الشعبية، قد بدأ مع دخول المهاجرين الطرابلسيين إلى تونس بعد الغزو الإيطالي لليبيا في العام 1911. ويؤكد لنا المؤرخ إبراهيم أحمد أبو القاسم، في كتابه "المُهاجرون الليبيون بالبلاد التونسية (1911-1957)"، هذا المعطى بالقول: "من البصمات التي تزال شاهد عيان على التأثيرات التي أحدثتها الهجرة الليبية في أوساط المجتمع التونسي عادة شُرب الشاي" (ص 147).

"التاي" هو الشاي كما يُنطقُ في اللهجة التونسية، وقد يكون ذلك "تعريباً مباشراً لنطقه الإفرنجي عند مُوَرّديه والمتاجرين به في العالم وفي تونس سواء من الفرنسيين thé، أم الإنجليز tea"، بحسب ما يشرح عبد الواحد المكني في دراسته المذكورة.

ويضيف: "كما يُنطق عند العامة التونسية في بعض الجهات الداخلية بـ"التاهي"، و أيضاً "الشاهي"، تأثراً بالاستعمال الرائج عند أهل طرابلس وعند المهاجرين الليبيين المنتشرين بأنحاء البلاد التونسية"، ونحن -فعلاً- هنا في الجنوب الشرقي التونسي على الحدود الليبية، نطلق في بعض القرى لفظ "الشاهي" حين نتحدث عن الشاي.

ومن معاني ذلك التثاقف أيضاً، الذي حدث في انتقال ثقافة الشاي من الليبيين إلى التونسيين، أن الكأس الصغيرة التي يُشربُ فيها الشاي تُسمى في تونس "كأس طرابلسي"، نسبةً إلى الطرابلسيين الذين أدخلوه إلى تونس.

"آفة الشاي"... جدل الأطباء وهجاء الشعراء وصمت الفقهاء

على خلاف الشكولاتة (مثلاً) التي أثارت جدلاً فقهياً في تونس في القرن التاسع عشر، كما بيّن ذلك المؤرخ الهادي التيمومي في كتابه "تاريخ تونس الاجتماعي (1881-1956)"، بقوله إنه قد "وصل الأمر ببعض رجال الدين إلى حد إصدار فتاوى مُضحكة مثل فتوى شيخ الإسلام الحنفي محمد بن الخوجة، بتاريخ  16 كانون الثاني/ يناير 1895، التي تنزّه 'الشكولاتة'، التي كانت تُصدّرها شركة مينيايMenier  الفرنسية إلى تونس، من تهمة مزجها بشحوم الخنازير، وتبيح أكلها للتونسيين المسلمين. وقد طبعت الشركة هذه الفتوى في كتيّب يضم 11 صفحةً ووزعتها على نقاط البيع التابعة لها بتونس" (ص 92). هذه القصة يشير إليها أيضاً شكري المبخوت، في كتابه "تاريخ التكفير في تونس"، بتفاصيل أكثر دقةً (ص90)، وعلى خلاف الشكولاتة، فإن المصادر التاريخية لا تكشف لنا عن جدل فقهي أثاره الشاي في تونس أو تحريم  صريح أو واسع لاستهلاك هذه المادة، وهو ما يؤكده أيضاً عبد الواحد المكني، بقوله: "لم نعثر على فتاوى أو مساجلات دينية حول تحريمه ولم يستطع المنادون بمقاومته إلى وضعه تحت طائلة التحريم بل حتى الجدل الذي حفّ باستهلاك الشكلاطة أو الخل أو الدخان لم يشمل الشاي لذلك كانت 'معركة' مقاومة الشاي خاسرةً" (المرجع السابق ذكره).

"خْلى طرابلس وكمَّل تونس". لماذا اعتبر التونسيون أن الشاي آفة ومصدر شرور عند انتشار استهلاكه في البلاد مع الهجرة الليبية؟

على عكس تونس، فإن المغرب الذي دخل إليه الشاي مبكراً وانتشر فيه منذ القرن التاسع عشر، قد شهد جدلاً فقهياً كبيراً حول هذا المشروب. والحضور القديم نسبياً للشاي في المغرب مقارنةً بتونس، يؤكده دي لامبس في كتابه المذكور بالقول: "الشاي (في المغرب) كان في البداية مشروب الحضريين، لكن في النصف الثاني من القرن التاسع عشر بدأ يخترق البوادي شيئاً فشيئاً، ونجده في الأسواق" (535). وهو ما تشير له أيضاً لوسات فالنسي في كتابها السابق ذكره حين تقول: "في المغرب الأقصى، يُستهلك الشاي بصورة شائعة لدى الأغنياء منذ القرن الـ18. وقبل نهاية القرن الـ19، أصبح معروفاً في كامل البلاد، وصار استهلاكه شائعاً حتى في الأوساط الشعبية في فجر القرن الـ20" (ص 348).

في تونس، لم يكن الجدل فقهياً، بل كان صحياً واقتصادياً في الأساس، وتعلّق خاصةً بتأثيرات الشاي واستهلاكه المكثف والعشوائي على الصحة، وبتأثيراته على ميزانية العائلات التونسية وأوضاعها الاجتماعية

في كتابهما الأنتروبولوجي/ التاريخي الممتع، والمعنون: "من الشاي إلى الأتاي: العادة والتاريخ "، يتتبع المؤرخان عبد الأحد السبتي وعبد الرحمان لخصاصي، تاريخ الشاي في المغرب وكل ما يتعلق به من عادات وتواريخ وطقوس وثقافة، ويرصدان بشكل دقيق جدالات فقهيةً تراوحت بين التحريم والإباحة، إلى حد أن قاضي مكناس كان "لا يقبل شهادة من يشربه" (ص86).

في تونس، لم يكن الجدل فقهياً، بل كان صحياً واقتصادياً في الأساس، وتعلّق خاصةً بتأثيرات الشاي واستهلاكه المكثف والعشوائي على الصحة، وبتأثيراته على ميزانية العائلات التونسية وأوضاعها الاجتماعية المتردية بطبعها في تلك الفترة، إلى حد عدّ تلك ظاهرة التي وصفتها فالنسي بالـ"المباغتة والمتأخرة"، بأنها "آفة بأتمّ معنى الكلمة"، كما يقول المؤرخ الهادي التيمومي في كتابه المذكور: "سقط الفلاحون -رغم تضاؤل موارد أغلبهم- ضحية الإدمان على استهلاك بعض المشروبات كالشاي الذي أصبح آفةً بأتمّ معنى الكلمة بين الحربين العالميتين" (ص 190).

هذا ما يرصده بشكلٍ موسع عبد الواحد المكني، في دراسته المذكورة، إذ ينقل مثلاً شعبياً تواتر في تلك الفترة حول الشاي "خْلى طرابلس وكمَّل تونس"، ويعني أن الشاي قد جعل طرابلس خلاءً وألحق بها تونس! في هذا السياق، ينقلُ المُكني في دراسته تقارير القُياد (وهم ممثلو السلطة في الجهات)، أنها كانت تركز كثيراً على الأخطار المالية لتلك "الآفة" عند انتشارها في تلك الفترة، إذ "اعتبرت شرب الشاي عبئاً على كاهل الفلاح".

كما ركز الأطباء -وفق المُكني- على "دراسة الأخطار الصحية والجسمانية وقد كان الطبيب التونسي البشير الدنقزلي أول من أثار القضية سنة 1927، إذ عدّد المضار الجسدية والعقلية لهذه الآفة الجديدة، وقد برزت بحوث طبية عديدة أغلبها في فضاء معهد باستور وأكدت على مخاطر الشاي". 

أمام انتشار هذه "الآفة" وخطرها الصحي والاقتصادي، وحتى الاجتماعي، بحسب أهل الحقبة، لما فجّرته من سلوكيات جديدة أغلبها يدور حول السهر والكسل وتراجع مردودية العمل، فإن "صيحات الفزع أُطلقت منذ البداية من الأطراف الوطنية والإصلاحية، شعبيةً كانت أو نخبويةً، إذ نبّهت إلى أخطار الشاي ومضارّه"، بحسب المُكني.

يشير الأخير في دراسته، إلى الشاعر عبد الرحمان الكافي مثلاً، ويؤكد أنه "لم يترك معيوبةً إلا ونسبها إلى الشاي في ملزومة (قصيدة) كتبها سنة 1926، وقد كان يروّجها في المجالس والأسواق وعلى أعمدة الصحف، بل تم توزيعها على طلبة الجامع الزيتوني وأُلصقت على الجدران".

كان انتشار الطرابلسيين في هجرتهم في العام 1911، واسعاً داخل البلاد التونسية، وهو ما نعثر عليه مفصّلاً في خريطة أنجزها إبراهيم أحمد أبو القاسم، في كتابه المذكور "المهاجرون الليبيون في البلاد التونسية" (ص 12)، لذلك كان انتشار الشاي أيضاً شاملاً في تونس، وما زال إلى اليوم يحضر بكثافة في الثقافة التونسية، في العادات والطقوس والمناسبات وحتى في الفنون والشعر.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard