معتقلون خارج الأسوار... مصريون محرومون من الحياة بعد "العفو"

الأربعاء 21 سبتمبر 202212:49 م


وضع ملابس البحر في حقيبته، واتجه إلى موقف السيارات لاستقلال عربة تاخذه إلى شاطئ المدينة التي افتقدها بعد سنوات الحبس الاحتياطي الطويلة من دون محاكمة، وكله أمل في أن يرى مدى متسعاً بين البحر والجبل والسماء يبدد خنقة القضبان التي حاصرته ولا تزال تحاصر روحه منذ خرج من السجن الطويل بعد حملة تدوينية لفتت أنظار "لجنة العفو الرئاسي" المنشأة بقرار من الرئيس عبدالفتاح السيسي.

لكن على باب أحد الكمائن المنتشرة على طول الطريق الواصل بين مدن شبه جزيرة سيناء وباقي الأراضي المصرية، أبلغه الضابط المسؤول بعد وقفة طويلة تحت لهيب الشمس الحارقة: "أنت ممنوع من دخول سيناء".

عبد الرحمن طارق، الشهير بموكا، هو واحد من النشطاء السياسيين الذين قضوا سنوات عدة في الحبس، كونه محسوباً على صفوف المعارضة لمشاركته في تظاهرات ضدالمحاكمات العسكرية للمدنيين، تلت تغيير نظام الحكم في 3 يوليو/ تموز 2013.

ألقت السلطات القبض على الروبي بسبب منشورات كتبها، يشكو فيها من "حصار" يعانيه سجناء الرأي السابقون، بعد أن باتوا محرومين من العودة للحياة الطبيعية بالحصول على فرص للعمل أو التمتع بحرية الحركة والانتقال التي يكفلها الدستور المصري

تعرض موكا للسجن على إثر مشاركته في مظاهرة الشورى الشهيرة، وبعد قضاء محكوميته، أعيد إلى السجن قسراً من دون أي نشاط سياسي، عندما احتجز اثناء قضاء عقوبة "المراقبة"، وظل قيد الاحتجاز من دون محاكمة لخمس سنوات، ولكن صدر قرار قبل ما يقرب من شهرين بإخلاء سبيله، ليسعى مجدداً للاستمتاع بالحياة ومحاولة تعويض ما فاته، وتوجه من القاهرة إلى مدينة دهب الساحلية في جنوب سيناء، ليفاجأ برفض ضابط في إحدى نقاط التفتيش العديدة في الطريق من القاهرة إلى دهب، دخوله المدينة.

معتقل خارج الأسوار

ما تعرض له حلم موكا بالاستمتاع بالصيف قبل أن يولِّي، هو جانب مما يتعرض له السجناء أو المعتقلون السابقون على ذمة قضايا سياسية تلبس ثوباً جنائياً، وهو ما أوضحه الناشط شريف الروبي عضو حركة 6 أبريل، الذي أعادت السلطات اعتقاله مطلع الأسبوع الجاري، بعد أربعة أشهر فقط من إعفائه من تجديد حبسه احتياطياً من دون محاكمة، بموجب تدخلات لجنة العفو الرئاسي، على هامش "الحوار الوطني".

وألقت السلطات القبض على الروبي بسبب منشورات كتبها عبر حساباته الشخصية في تويتر وفيسبوك، يشكو فيها من "حصار" يعانيه سجناء الرأي السابقون، بعد أن باتوا محرومين من العودة للحياة الطبيعية بالحصول على فرص للعمل أو التمتع بحرية الحركة والانتقال التي يكفلها الدستور المصري، ويكفلها العهد الدولي لحقوق الإنسان الذي تلتزم به مصر.

ورداً على ما تعرض له الروبي بسبب كتاباته الشخصية، وتعليقاته في مداخلة تلفزيونية عن أوضاع السجناء على ذمة قضايا سياسية في مصر، أصدر حزب رسمي وحيد هو حزب الدستور بياناً يستنكر فيه إعادة القبض على الناشط السياسي بسبب آرائه، معلناً عن تشكيل لجنة لمتابعة أوضاع المخلى سبيلهم ودعمهم.

ليس شرطاً أن يكون الشخص سبق اتهامه في قضية سياسية، ولكن يكفي أن يكون صاحب رأي معارض، أو نشط في التعبير عن "آراء غير مريحة" عبر شبكات التواصل الاجتماعي، فيصبح أمام أمرين، إما عودته من نقطة التفتيش، أو الأسوأ: القبض عليه

هناك، لا هنا دهب

دهب، مدينة مصرية سياحيه تتبع محافظة جنوب سيناء، وتبعد نحو 100 كم عن مدينة شرم الشيخ و87 كم عن مدينة نويبع، وسُميت بهذا الاسم تيمناً بلون رمالها الذهبي. المسافة ما بين القاهرة ودهب تستغرق نحو 10 ساعات، تحملها عبد الرحمن أملاً في تنسُّم هواء البحر، إلا أنه فوجئ عند آخر نقطة تفتيش في الطريق، وهي النقطة التي سيدخل منها إلى المدينة، بمنعه كما قال في حديثه لرصيف22: "بعدما استوقف الكمين السيارة، واطلع على بطاقات الهوية لكل الركاب، طلب مني الانتظار، وسمح الضابط للسيارة بدخول المدينة وانتظرت أنا معه، فوجدته يسألني كيف يمكنني الذهاب لدهب وقد أخلى سبيلي قبل شهرين، فأجبته بأنه طالما أخلى سبيلي فقد أصبحت حراً يمكنني التنقل، فطلب مني الانتظار، وبعد مكالمة تليفونية أجراها أخبرني أنه لا يمكنني الدخول للمدينة".

لم يوفر الضابط لعبد الرحمن سيارة تمكنه من العودة للقاهرة، ولكنه تركه عند نقطة التفتيش، وكأنه على حدود دولة أخرى لا يمكنه العبور إليها "انتظرت ساعات في الشمس حتى جاءت سيارة في طريقها للعودة لمدينة السويس، وبها كرسي خالِ، وعدت رغماً عني إلى مدينة السويس، ومنها للقاهرة، في رحلة استمرت ما يقرب من 24 ساعة، من دون نوم، أو حتى مبرر لمنعي من دخول منطقة في نفس البلد التي أقيم بها وأحمل جنسيتها مواطناً أصيلاً".

ما حدث مع عبد الرحمن يتكرر مع آخرين مروا بظروف تشبه ظروفه، سواء كانوا سجناء سياسيين سابقين، أو "من أصحاب الرأي"، مثلما حدث مع الفنان التشكيلي محمود النحاس في 2018، أثناء توجهه لزيارة أحد عملائه بمدينة دهب.

في الطريق طلب ممثلو الأمن من ركاب السيارة بطاقات الهوية، وأوقفوا عدداً منهم بينهم النحاس، وبدأ الضابط في الكشف مجدداً على البطاقات وهم ينتظرون الرد منه بدخول المدينة أو المغادرة، وبعد أكثر من ساعة عاد الضابط وقال له "إنت كنت من المحبوسين في عام ؟1989"، ليرد عليه "بالفعل ومر على هذا الحدث 28 عاماً"، ليرد عليه الضابط بأنه لا يمكنه الدخول.

قال النحاس لرصيف22 "سألت الضابط: حتى لو كنت قاتلاً في 89، وقضيت فترة عقوبة، فلماذا يمنعني من الدخول؟ لكني كنت أعرف أنها لو كانت قضية قتل لما تم منعي. ما حدث هو أني قضيت ستة أشهر حين كان عمري 20 عاماً على ذمة قضية سياسية".

كان حظ النحاس أفضل كثيراً من عبد الرحمن، لأنه أجرى اتصالات بأحد عملائه وهو واحدٌ - بحسب قوله- "من رجال الأعمال الكبار"، ليتوسط له، ويسمح له بدخول المدينة، وبالفعل نجح في هذا الأمر بعد انتظار استمر ست ساعات، ومفاوضات مع رجال الكمين، الذين كانوا يقابلون تلك المفاوضات باتصالات هاتفية لجهة لا يعلمها النحاس، لتنتهي تلك المفاوضات بالسماح له بدخول المدينة.

لا يقتصر الأمر على من صدرت ضدهم أحكام فقط، ولكنه أيضاً يمتد لمن وضعوا في حبس احتياطي من دون صدور أحكام، كما حدث مع منال أحمد*، التي قضت ثلاثة أشهر حبساً احتياطياً بنفس التهم المعتادة "نشر أخبار كاذبة والانضمام لجماعة إرهابية"، وعلى الرغم من إخلاء سبيلها من دون إحالتها للمحاكمة، فقد تكرر معها الأمر حين توجهت إلى دهب في زيارة عام 2020، بعد ما يقرب من أربعة أشهر من إخلاء سبيلها، لتواجه نفس الرد من المسؤول عن الكمين بعد التحري عنها "إنت ممنوعة من الدخول"، لكن حظها كان أفضل كثيراً من موكا، لتجد بنفس التوقيت سيارة في طريقها للعودة للقاهرة، تستقلها وتعود دون أن تعرف سبب منعها من دخول المدينة.

خارج القانون... ولا مفاجأة في ذلك

يقول المحامي ناصر أمين إن تلك الممارسات من قبل الأجهزة الأمنية لا تتم تحت غطاء قانوني، مشيراً في حديثه لرصيف22 إلى أنه لا يوجد نص قانوني يمنع مواطناً من دخول منطقة معينة في بلده، لأن الحق في السفر من الحقوق الدستورية، وما يمكن أن يتم تحت ستار القانون - في هذا الشأن- هو صدور قرار بإخلاء سبيل الشخص مقيداً بأحد التدابير الاحترازية، وأن يتم تحديد تلك التدابير بمنعه من دخول مناطق معينة وفقا للمادة 201 من قانون الإجراءات الجنائية، وهو ما لم يتم في كل حالات الحبس الاحتياطي السابقة بحسب قوله، فعادة ما تصدر القرارات بإخلاء السبيل إما بضمان محل الإقامة كما حدث مع موكا ومنال، أو تكون التدابير بالتوجه لقسم الشرطة التابع للشخص في أوقات معينة تُحدد عند خروجه ويكون على علم بها، وفي حالات قليلة تكون تلك التدابير الاحترازية هي عدم مغادرة الشخص المنزل، كما حدث مع الدكتور حازم حسني مؤخراً، ومن قبله الناشطة أمل فتحي (حُبست بعد اعتراضها على التحرش بها جنسياص وبث اعتراضها الغاضب على وسائل الاتصال الاجتماعي).

المحامون أيضاً ممنوعون

ومثلما حدث مع عبد الرحمن والنحاس ومنال، تكرر الأمر مع المحامي مدحت عمارة، في 2018، وذلك على الرغم من أنه لم يسجن من قبل، إلا أنه يدافع عن عدد من أصحاب الرأي المحبوسين في قضايا سياسية مختلفة، إلى جانب القضايا الجنائية أيضاً، وكان متجهاً للمدينة الساحلية في جنوب سيناء للترافع في واحدة من القضايا الجنائية، ومع نفس الإجراءات التي تتم في نقطة التفتيش مع كافة السيارات، انتظر عمارة دوره، وسأله الضابط عن سبب توجهه للمدينة فأخبره أنه متجها لعمله، وبالفعل تأكد من القضية ورقمها، ولكنه أخبره أنه لا يمكنه الدخول، والسبب "معرفش... تعليمات"، كما قال عمارة لرصيف 22.

يفسر عمارة المحامي الذي مر بنفس تجربة موكليه، أن دخول المدن التابعة لسيناء يتم من خلال الاستعلام أولاً عن الركاب من خلال قاعدة بيانات مودعة في الكمين، مدون أمامها من يسمح له بالدخول ومن يمنع، أو من يعود من خلاله للضابط الأعلى في الرتبة، وهو من يحدد دخول الشخص أو عدم دخوله.

ويضيف عمارة أنه ليس شرطاً أن يكون الشخص متهماً في قضية سياسية سابقاً، ولكن يكفي أن يكون الشخص صاحب رأي معارض، أو نشط في التعبير عن آراء غير مريحة" عبر شبكات التواصل الاجتماعي، فيصبح أمام أمرين، إما عودته من نقطة التفتيش، أو الحالة الأسوأ وهي القبض عليه، وهي التي شهدها عمارة في المرة التي تم توقيفه خلالها، وفي مرات أخرى من خلال موكلين يتصلون به للترافع عنهم في قضايا وضعوا بها، لمجرد محاولتهم دخول سيناء، فيتم إلقاء القبض عليهم.

وبالعودة للمحامي ناصر أمين، فإن الشخص الممنوع من دون سند قانوني يمكنه في تلك الحالة التوجه لقسم الشرطة التابع للمنطقة وتحرير محضر بالواقعة، ثم التوجه بهذا المحضر للنيابة العامة والتقدم ببلاغ، والبدء من خلال النيابة في مساءلة الشخص الذي منع المواطنين من دخول المنطقة، والتحقيق في تلك الواقعة التي لا تستند لأي قرار نشر في الجريدة الرسمية مثلاً، أو نص قانوني. ولكن عادة ما يخشى الممنوعون من اللجوء للتحرك القانوني، خوفاً من التعرض للملاحقة مرة أخرى، كما أكدوا جميعهم في حديثهم لرصيف22، فيكون الرد على منعهم من حقهم الدستوري في الانتقال والحركة، هو العودة من دون التفكير في تحرير محضر أو التقدم ببلاغ.

لا توجد أسباب معلنة، أو نص قانوني لمنع دخول الأشخاص سيناء، وهو ما يؤكده المحامي ممدوح عمارة، ويتفق معه المحامي الحقوقي ناصر أمين، وأيضاً المحامي الحقوقي جمال عيد الذي يقول لرصيف22: "منع بعض المواطنين وكثير منهم شباب من دخول سيناء، هو ممارسة بوليسية غير قانونية، لأن منع مواطن من دخول مدينة أو مكان يجب أن يكون قانونياً أو قضاء ولمدة محددة، وغياب هذا المبرر القانوني يجعل كل منع بوليسي فجاً، اعتماداً على مناخ الخوف الذي تبرع فيه أجهزة البوليس من جانب، وغياب آليات المحاسبة لمن يمارس هذا الإجراء من جانب أخر، وهو الأمر الذي يشبه النكتة الشهيرة، بدلاً من بذل جهد لمعرفة الجاني بين 20 متهماً، عذب الـ20 وأكيد أحدهم سيعترف، وللأسف لا أجد ولا أعطي لدهس القانون أي مبرر".

ويأتي منع الثلاثة الذين التقاهم رصيف22، وآخرين تزامناً مع تقرير نشرته يورو نيوز بعنوان "سيناء المصرية قبلة السياح الإسرائيليين الباحثين عن التأمل والسلام الداخلي"، الذي رصد حرص عدد كبير من السياح الإسرائيليين على قضاء عطلاتهم في شبه جزيرة سيناء المصرية، والحديث حول اهتماماتهم التي تدور حول التأمل واليوجا وإيجاد السلام الداخلي، وبعيداً عن الحرب التي خاضتها بلادهم مع مصر على هذه القطعة من الأرض، وفقاً لما ذكره التقرير والتقى أيضاً بعدد من السياح ونقل عنهم.

وتواصل رصيف22 مع جهاز العلاقات العامة والإعلام في وزارة الداخلية للحصول على توضيح بشأن الأسانيد القانونية التي يستند إليها ضباط الكمائن المرورية التابعين للوزارة في منع مواطنين من دخول شبه جزيرة سيناء أو الوصول إلى مجنها السياحية، لكن حتى لحظة نشر هذا التقرير (بعد يومين كاملين من التواصل مع الوزارة) لم نتلق أي رد.

بعد منعه من دخول المدينة التي كان يحلم بلمس مياهها ورؤية سمائها الصافية، يبحث عبدالرحمن الآن عن مكان ساحلي جديد ليحقق أمنيته التي حرم منها لسنوات، بينما يبحث النحاس وعمارة عن وساطات توفر لهما تأمين الدخول قبل اللجوء للسفر للعمل في سيناء.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard