"الخلاف على شخصه لن ينتهي"... ما الذي يريده العراقيون من كاظم الساهر؟

الثلاثاء 20 سبتمبر 202205:00 م

في العام 1987، عُرض على شاشة التلفزيون العراقي المسلسل الدرامي نادية. كانت مقدمة المسلسل بصوت مغنٍّ مغمور لم يكن الناس يعرفونه بعد، على الرغم من أنه بدأ مشواره قبل ذلك التاريخ بسنوات. بعد سنتين، صدر للمغني نفسه ألبوم تحت عنوان "غزال"، حققت أغانيه نجاحاً باهراً. عرف العراقيون حينها أن ثمة مطرباً جديداً، لديه توليفة مغايرة لما هو سائد عن الأغنية العراقية.

هذا الفنان، هو كاظم الساهر الذي ألبس الأغنية العراقية حُلَّةً جديدةً، ساحراً الناس بأغانيه، متمرساً معبّراً عن أغنياته بإحساس عالٍ وبطرقٍ خلاقة وفريدة، بالإضافة إلى اعتماده في بعض أغانيه اللغة العربية الفصحى، التي يصعب الغناء بها، لكن الساهر روّض اللغة بصوته وجعلها طوع ألحانه وأحياها من جديد، كما استطاع أن يزيح سلفه سفير الأغنية العراقية آنذاك الفنان سعدون جابر، عن عرشه ليتربع مكانه، حتى وصلت موسيقاه إلى مشارق الأرض ومغاربها، وراحت الجموع منتشيةً تردد أغانيه.

الحرب على الساهر

لم ترق أغاني الساهر لذائقة بعض العراقيين، تحديداً أولئك "السمّيعة" لأغنيات حقبة سبعينيات القرن الماضي وثمانينياته الذهبية، فواجه نقداً لاذعاً، وكان مثار جدل، وشُنّت عليه حملات شرسة من قبل حراس الأغنية العراقية ومن قبل النخب والمثقفين والفنانين، وعُدّ الساهر خارجاً عن النص.

يُعدّ الموسيقي العراقي الراحل عادل الهاشمي، من أشرس منتقدي الساهر إذ قال: "في حنجرة الساهر ضمور للرقة العاطفية، وهو من الأصوات اليابسة، الجافة، لذلك يلجأ إلى الصراخ ليوفر نوعاً من الالتفات إلى صوته".

وهذا، بحسب رأي الناقد الهاشمي، نوع من الخداع السمعي، كما هو خداع البصر بالسراب. ويشدد على "أنه ليس ضد الساهر، كونه كان أحد تلامذته، وهو الذي غيّر اسمه من كاظم جبار إلى كاظم الساهر، لكنها مسألة أكاديمية؛ الصوت في حنجرته جافّ، لذا يلجأ إلى الصراخ".

في حنجرة كاظم الساهر ضمور للرقة العاطفية، وهو من الأصوات اليابسة، الجافة، لذلك يلجأ إلى الصراخ ليوفر نوعاً من الالتفات إلى صوته

ويعزو الهاشمي شغف الناس والجمهور العربي بالساهر إلى ما يطلَق عليه "زمن الشفقة العربية" على العراق، حينما كان محاصراً، فأي شيء كان يخرج من العراق كان الوطن العربي يتلقفه، وكان من حظ الساهر أن تلقفوه.

حالة الجدل حول الساهر لم تتوقف يوماً، فبين الحين والآخر وفي كل مناسبة يطلّ من خلالها، يعود ذلك الجدل إلى الواجهة وذلك ما حصل في الظهور الأخير له، إذ تصدرت مقابلته مع الإعلامية منى الشاذلي، وما أعقبها من سجال، منصات التواصل الاجتماعي، ووُضع الساهر من جديد بين النقد والتقييم والإشادة والتفخيم، فهناك من هاجمه بشراسة ومن دافع عنه بتفانٍ.

زمن الصعود و"النظام"

يذهب المصور الفوتوغرافي محمد عباس، إلى أن "الأحداث السياسية التي طرأت على المشهد العراقي في التسعينيات وما رافقها من حصار اقتصادي، ساهمت بشكلٍ كبير في صعود نجم الساهر، لأنه كان من القلائل الذين أتيح لهم التواصل مع المحيط العربي، لذا استخدمه نظام البعث كأداة ناعمة لتلميع صورته وفك عزلته آنذاك".

ويقول عباس في حديثه إلى رصيف22، أن "الساهر مطرب الأنظمة الحاكمة ويدور ضمن دوائرها، فهو لا يعاديها ولا يتخذ حيالها موقفاً، وهو يضمر ولاءه للنظام السابق، حتى وإن حاول إخفاء ذلك، فعقب زوال حكومة البعث لم ينتقدها ولم يُشِر إلى جرائمها كما فعل البعض من أقرانه، لا بل دافع عنها بشكل ضمني حين قال: "النظام لم يجبر أحداً على الغناء للرئيس آنذاك"، ويفسر عباس تصريح الساهر بأنه محاولة لكسب ود الشارع العربي الذي يعدّ صدام حسين رمزاً له، لكنه غفل عن العراقيين الذين طالهم الأذى والظلم من ذلك النظام الديكتاتوري.

"لم لا يكون الساهر كنصير شمّة حين انتقد الرئيس الراحل صدام حسين وعرّف الجمهور المصري والجمهور العربي الذي يهيم به ويعدّه رمزاً، وأخبرهم بأن هذا الرجل دكتاتور، فضلاً عن الأعمال الخيرية والمشاريع والمبادرات التي يقوم بها شمّة. ما الفرق بينهما؟"، يتساءل عباس.

عقب زوال حكومة البعث لم ينتقدها كاظم الساهر ولم يُشِر إلى جرائمها كما فعل البعض من أقرانه، لا بل دافع عنها بشكل ضمني حين قال: "النظام لم يجبر أحداً على الغناء للرئيس آنذاك"

أما الصحافي أميل ناجي، فيأخذ على الساهر تكراره الدائم الحديث عن فقره، وكلامه المتناقض في مقابلاته، كتلك التي ظهر فيها مع الدكتور مجيد السامرائي، وينبّه في حديث مع رصيف22، إلى أنه ربما عانى الساهر من فقره لفترة وجيزة، لكن بعدها كانت الأبواب مشرعةً أمامه، فهو كان "فتى السلطة المدلل"، ويردف ناجي قائلاً: "من كان يحظى برعاية ودعم عدي نجل الرئيس صدام حسين، تخدمه المنظومة بأكملها"، ويشير إلى خلاف الساهر مع الشاعر عزيز الرسام الذي كان مساهماً في نجوميته، والذي صرّح ذات مناسبة بأنه غادر العراق طالباً اللجوء على إثر شكوى تقدّم بها الساهر لعدي صدام حسين.

القضايا لا تعنيه

تلوم الدكتورة منار رمزي، وهي مقيمة في السويد وناشطة في الشأن العراقي، الساهر على عدم تبنّيه قضايا الأمة العراقية، لأنه واجهة مهمة، وصوت كبير، وله رمزية عالية، ويحظى باحترام الجميع، وكلمته مسموعة ولها تأثير واسع، ولربما يستطيع التغيير على أرض الواقع، لكنه، حسب ما تقول، يركز على قضايا هامشية متجاهلاً القضايا الجوهرية.

وتوضح لرصيف22: "نحن العراقيين ننتقد الساهر لأننا نعتقد أنه نتاج عراقي، لذلك نخضِعه لذائقتنا ومزاجنا العام، ونحمّله أكثر من فكرة الفن التي ينطلق منها، فتنصّله من الحديث باللهجة العراقية نراه تنكّر لعراقيته، وتهرّبه من الشأن السياسي نراه إخفاقاً لنا كعراقيين. نريده عراقياً خالصاً بلهجته وبفنه، ونريده أن يتبنى قضايانا المصيرية، لذلك نُشرّح لقاءاته، ونحللها، وننتقده، وهذا لا ينبع من كراهية بقدر ما هو حب واعتزاز بعراقيتنا وبهويتنا".

يرى الشاعر باسم الحجار، أن أغاني الساهر سلّعت المرأة وحجّمت دورها ووضعتها في مفهوم رومانسي حالم، ويتابع أن الساهر لا يتحدث في أغانيه عن المرأة ككيان مستقل، بل بوصفها وجوداً تابعاً ومكملاً للرجل "الفارس المخلص"، وبرأيه لا يغنّي الساهر لامرأة عراقية أو عربية ولا حتى أجنبية، لأنه يتحدث عن امرأة موجودة فقط في خيال الشاعر وأغانيه، ويعزو عدم الانتباه لذلك الطرح، إلى غياب وجود مؤسسات تصنع الرأي العام للمرأة وتطالب بحقوقها.

اختلف كاظم الساهر مع الشاعر عزيز الرسام الذي كان مساهماً في نجوميته، والذي صرّح ذات مناسبة بأنه غادر العراق طالباً اللجوء على إثر شكوى تقدّم بها الساهر لعدي صدام حسين

برأي الحجار، "الساهر مصطنع وغير حقيقي، ويتنكر للهجته العراقية، ويتمنطق بمفردات هجينة لا أصل لها في قواميس اللهجة العراقية"، ويتساءل في حديثه إلى رصيف22: "لماذا صار المشرق والمغرب يتغنيان بالأغاني العراقية السريعة التي يطرحها بعض الفنانين الشباب، والتي يرى أنها لا تمثل الوجه الحقيقي للأغنية العراقية، لكن مع ذلك فهم نجحوا في جعل المفردات العراقية تصل إلى المشرق والمغرب، بينما عجز الساهر عن ذلك؟ كنا نتمنى أن يقوم هو بذلك الدور".

المتخصص في علم نفس الاجتماع الدكتور قاسم صالح، يذهب إلى أن الساهر يمثّل على المشاهدين، ويتصّنع انفعالات يستدرّ بها عطفهم، ويؤكد أن العراقيين لديهم مقدرة على كشف حبّ الشخص المقابل لهم وصدقه، بل ونوع هذا الحب ومقداره وأهدافه، ويدعوه للكف عن الطريقة التي يتحدث بها عن حبه للعراق والعراقيين، قائلاً: "ليس منّةً أن يحب العراقي بغداد وأهلها، أو أن يتباهى أو يحرّك عضلات وجهه حزناً على العراق، فقط في اللقاءات التلفزيونية".

تحطيم الرمزية المقدسة

الفنان مرتضى حنيص، يذكر لرصيف22، أنه يشنّ بين الحين والآخر، هو ومجموعة من رفاقه، حملات سخرية على مواقع التواصل الاجتماعي ضد الساهر، ليس بداعي مهاجمته، لكنهم يحاولون في إطار ساخر هدم رمزية الأشخاص، وتحطيم ما يصفونه بالأصنام الذهنية، فالساهر ليس المستهدف بالنسبة لهم، بل الذهنية والعقلية التي تقدّس أبسط الأشياء من عتبة البناء، والخرق، وصولاً إلى الساهر، ويستغرب حنيص، إحاطة الفنان بهالة من القدسية، ووضعه فوق النقد والآراء، ويقول: "إذا كانت هناك محاذير من انتقاد فنان، فما بالكم بالمقدسات التي هي أصلاً مقدسة بأمر الدين؟".

لا يتنكر حنيص لفن الساهر وموسيقاه، بل يؤكد أنه يحترمهما ويقدرهما ويسمعهما أحياناً، ويقول إن الساهر فنان كبير ومهم وستظل أغانيه خالدةً، لكن ذلك لم يمنعه من مهاجمة ما يصفها بـ"الخطوط الحمراء"، ويضيف: "نحن لدينا في العراق خطوط حمراء كثيرة لا يمكن المساس بها، لذا لا نريدها أن تزداد. حاول أن تنتقد الساهر، حينها ستنال كماً هائلاً من الطعن والتخوين، وسيلاً من الإهانات والشتائم". ويتحدث ممازحاً: "صار بالإمكان أن تنتقد زعيم ميليشيا على ألّا تنتقد الساهر".

أكثر من رسالة فنية

يرى الكاتب عماد رسن، في حديثه إلى رصيف22، أن "الساهر غير معنيّ بالأمور السياسية، بل معنيّ بفنه، وفنه لا غبار عليه، وكونه قدّم عدداً من الأغاني الوطنية، بالإضافة إلى أنه يعتزّ ببلده، ويحمل اسمه أينما ذهب، ويتحدث بشكل دائم عن العراق ومظلوميته، لذلك لا يمكن المساومة على وطنيته، والأمور التي ينتقدها ليست معياراً لعراقيته"، ويعلل نأي الساهر بنفسه عن السياسة، "بكونها متقلبةً وحادة المزاج، وليس من شأنه أن يقوم بالنشاطات والمبادرات والأعمال الخيرية فهذا ليس تخصصه".

نحن لدينا في العراق خطوط حمراء كثيرة لا يمكن المساس بها، لذا لا نريدها أن تزداد. وصار بالإمكان أن تنتقد زعيم ميليشيا على ألّا تنتقد الساهر

ولا يجد رسن مبرراً للّغط المستمر حول عدم تحدث الساهر باللهجة العراقية، ويقول: "هو حر في التحدث بالطريقة التي تناسبه، فضلاً عن أنه لا يخاطب العراقيين فحسب، بل لديه جمهور واسع يشمل لهجات مختلفةً"، ويعزو تكرار حديث الساهر عن الفقر، ربما إلى محاولة منه لإلهام الناس، والقول لهم إن الفقر ليس النهاية، ويشدد على ضرورة "الاهتمام بنتاج الساهر الفني الثري، كونه حالةً متفردةً وظاهرةً موسيقيةً جديدةً".

من جهته، يتساءل حيدر رشيد، عن ضرورة إخضاع الذائقة للمبادئ والقيم والرسائل الموجهة، وبرأيه أن "الفنان لا يتحمل تلك المبادئ، فكل فرد لديه بيئة، ومعايير، ومنظومة فكرية مختلفة عن الآخر، وينبّه إلى أهمية الالتفات إلى دلالات الفن وقيمه الجمالية، والذائقة يجب أن تخضع للجمال فقط، وهذا ما ينطبق على فن الساهر، الذي يمتلك قيمةً جماليةً وإبداعيةً عاليةً"، لذا ينظر رشيد إلى فن الساهر بتجرّد عن كل ما يثار من حوله، ويجد السياقات التي يوضع فيها الساهر من قبل العراقيين غير عادلة ومجحفة، وتبخسه حقه.

لا يُشبه العراقيين

تقول الكاتبة حوراء النداوي، إن "عدداً من العراقيين لا يحبون الساهر لأنه لا يشبههم، ولا يمثل ما تقترحه الافتراضات السائدة عن طبيعة الرجل العراقي، وهو لا يشبه الصورة النمطية ولا يعكس التوجه العام للكائن العراقي، فأسلوب حياته وأدبياته يختلفان كلياً عن السائد". وتضيف: "بينما عززت نسخة الساهر المتفردة من مكانته لدى الجمهور العربي، فإنها في المقابل كانت تثير حفيظة بعض العراقيين على نحو مستمر ومتزايد".

‎‎ومن وجهة نظرها، نجاح الساهر يذكّر حاسديه على الدوام بالفشل، وفنّه الراقي يذكرهم بالرثاثة، وتتابع: "أسهل ما يستثير العقول الشعبوية والغوغائية، هو المساس بمشاعرها الوطنية الزائفة، ولذلك كان لا بد من تهمة مقاربة لكي يوصم الساهر بها، كأن يكون أقل وطنيةً مما هو مطلوب، فيخفف بذلك الناقمون عليه بعض امتعاضهم، والحقيقة هي أنهم مهما فعلوا أو قالوا، فستبقى ظاهرة كاظم الساهر استثنائيةً".

أما الموسيقي سعيد هلال، فيقول لرصيف22: "موسيقى الساهر حداثوية، وفيها بناء رصين جداً، وتوزيع احترافي، والألحان متنوعة وليست "كوبليه" متكررةً أي أن المقطوعة الأولى في ألحان الساهر ليست كالثانية، كما أن مساحته الصوتية تتكون من طبقتين ونصف الطبقة، ويجيد الغناء الأوبرالي الذي يصعب على المغنين إتقانه، وعلى الرغم من وجود أصوات كثيرة في العراق أفضل وأقوى من صوت الساهر، لكنه استطاع أن يسخّر موسيقاه لخدمة صوته، وقدّم أغانيه بإحساس عالٍ، وأحدث نقلةً نوعيةً في الأغنية العراقية".

أسهل ما يستثير العقول الشعبوية، هو المساس بمشاعرها الوطنية الزائفة، ولذلك كان لا بد من تهمة مقاربة لكي يوصم الساهر بها، كأن يكون أقل وطنيةً مما هو مطلوب، والحقيقة هي أنهم مهما فعلوا أو قالوا، فستبقى ظاهرة كاظم الساهر استثنائيةً

هذا الرأي يتوافق مع طرح الكاتب أحمد السعداوي، الذي نشر في وقت سابق "أن الساهر ذهب إلى منطقة تخصّه وحده، ‘منطقة ساهرية’ ليست عراقيةً صرفةً ولا عربية، وتلك الخصوصية خلقت الكثير من سوء الفهم، تحديداً حين تتم مقارنة فن الساهر مع معايير التطريب العراقي، فهو بالتأكيد لا يخضع لها، وإنما يجب أن تفهم تجربته في سياق خلّاقين كبار مثل محمد عبد الوهاب، وتجربته في التثاقف مع الموسيقى الغربية". ويختم السعداوي بأن تجربة الساهر هي لحظة فاصلة في الموسيقى والميلودي العراقيين، بغض النظر عن الأحكام الذوقية المتنوّعة، فالذائقة شخصية في نهاية المطاف، وليس فيها خطأ أو صواب.

وبعد كل ما تقدم، يبدو أن هنالك حالةً من المبالغة في ما يخص الجدل الدائر حول الفنان كاظم الساهر، والآراء متطرفة من محبيه ومن منتقديه؛ تفخيم وتعظيم يقابلهما تجريح وتَقْريع، وربما يؤخذ على منتقديه توجههم نحو شخص الساهر أكثر من فنه، وعلى مؤيديه إغفالهم التاريخ الذهبي للأغنية العراقية بهويتها المحلية، لتبقى مساحة الانتقاد إذا ما ابتعدت عن الشخصنة والاستمزاج حالةً صحيةً للفنان وللمتذوقين على حدٍ سواء.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard