"لم يبق إلا أن تصبحي (جنكية)"... فدوى طوقان ورحلتها الصعبة (1 من 2)

الأحد 18 سبتمبر 202202:20 م

بمحاذاة التاريخ الفلسطيني المفعم بالثورات والتراجيديا، تشكلت السيرة الحياتية للشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان (1917- 2003)، فكانت بمثابة مرآة عاكسة لذلك التاريخ المرير، بل فاعلة في مسيرته عبر قصائدها الثورية المناهضة للاحتلال الصهيوني، وقد بدأت هذه القصائد خافتة الصوت، قبل أن تتأجج بعد نكسة الخامس من حظيران/يونيو عام 1967.

هذه السيرة الحياتية، المقترنة بوقائع التاريخ السياسي والاجتماعي لفلسطين، وثقتها الشاعرة في كتاب من جزئين: "رحلة جبلية... رحلة صعبة"، و"الرحلة الأصعب". في الجزء الأول التي نشرت أجزاء منه على صفحات مجلة "الجديد" (تولى نشرها الشاعران محمود درويش وسميح القاسم)، قضت الشاعرة فترتي الطفولة والصبا، سجينةً بين جدران بيتها الأثري بنابلس، وكان هذا البيت، مُدججاً بالأعراف والتقاليد الساحقة للمرأة، مُحكماً بمتاريس السلطة الذكورية، تُمثلها عائلة كبيرة من أخواتها الشباب وأبناء العم، وكذلك العمة المُلقبة بـ"الشيخة"، والتي كانت بمثابة البوليس السرّي في هذه العائلة النابلسية العريقة، تراقب النساء والبنات، توشي بهن لدى الذكور الذين لا يرحمون، حفاظاً على صورة العائلة العريقة كيلا يخدشها صوتُ امرأة.

تحكي فدوى أن الشيخة دخلت في إحدى المرات كالزوبعة حين سمعتْ صوتها يرتفع بالغناء: "اخرسي، اغلقي فمك، لم يبق إلا أن تصبحي (جنكية) في تخت هند وسارينا -كانتا مغنيتين محترفتين في نابلس- وفجأة ينكسر صوتي وتتعلق الأغنية في الهواء مبتورة ناقصة". وتتابع فدوى: "لو اخترقت الشيخة أعماقي في تلك الأيام لوقع بصرُها على أمنية قابعة هناك، تحمل كلَّ تطلّعي إلى أن أصبح يوماً جنكية أو راقصة. فقد كان اسم جنكية وراقصة يرتبط بالنسبة لي بأحبّ الأشياء إلي، وهو الحرية".

"لو اخترقت الشيخة أعماقي في تلك الأيام لوقع بصرها على أمنية قابعة هناك، تحمل كل تطلعي إلى أن أصبح يوماً جنكية أو راقصة. فقد كان اسم جنكية وراقصة يرتبط بالنسبة لي بأحب الأشياء إلي، وهو الحرية"... فدوى طوقان

تحت وطأة هذه السلطة، عاشت فدوى، الطفلةُ المرهفة، صديقةُ الشجر والعشب والأزهار، منسحقةً، منعزلةً عن الجميع، متوحدةً مع ذاتها، حدَّ الفناء، هي التي خرجت من ظلمات المجهول إلى عالم لم يكن مستعداً لتقبلها؛ فهي الطفلة السابعة، في عائلة مكونة من عشرة أبناء وبنات، خاضت أمُّها محاولاتٍ كثيرة لإجهاضها، لكنها كانت متشبثةً برحمِها كالشجرة في تشبثِّها بالأرض، فجاءت الطفلة، التي اسودّ وجهُ أبيها عند رؤيتها، فكان يريد ابناً خامساً، حيث كان يؤمن إيماناً كبيراً بأن "المال والبنون هما زينة الحياة".

النبذ والتهميش

وكانت أولى صور النبذ والتهميش التي ترسخت في ذاكرتها، هي تلك الواقعة المتعلقة بتاريخ ميلادها، فحتى عامها الثالث والثلاثين، لم تكن صاحبة "وحدي مع الأيام"، تعرف ذلك العام "الصعب الحزين" التي وُلدت فيه: "تاريخ ميلادي ضاع في ضباب السنين. كما ضاع في ذاكرة أبي وأمي. أسأل أمي-لكن يا أمي على الأقل في أي فصل؟ في أي عام؟ وتجيب ضاحكة -وكنت يومها أطهو (عكوب)-: هذه شهادة ميلادك الوحيدة التي أحملها. لقد نسيت الشهر والسنة ولا أذكر إلا أنني بدأت أشعر بآلام المخاض وأنا أنظف أكواز العكوب من أشواكهما".

في عام 1950 كان على الشاعرة أن تستخرج أول جواز سفر لها، وهنا لم يكن أمام الأمّ سوى أن تعتصر ذاكرتها. قالت لها: "أنا أدلّك على مصدر موثوق حيث يُمكنك التيقن من عام ميلادك؛ فحين استشهد ابن عمي كامل عسقلان كنت في الشهر السابع من الحمل. رحت أصرخ مع أمّه وأخته وكان وحيدهما. وكنت أنتِ تتخبطين في أحشائي من جانب إلى آخر"، تملك "الشابة" شعور بالشفقة على الذات، وفي الصباح ذهبت برفقة أمها إلى المقبرة الشرقية، لكي تتعرف من قبر الشهيد "كامل عسقلان" على عام ميلادها "لم يبق أمامي إلا أن أستخرج شهادة ميلادي من شاهدة قبر ابن عمك يا أمي".


وهكذا جاءت فدوى طوقان إلى الدنيا بين عالم يموت وعالم على أعتاب الولادة؛ ففي ذلك العام 1917، كانت الإمبراطورية العثمانية تلفظ أنفاسها الأخيرة، وجيوش الحلفاء تواصل فتح الطريق لاستعمارٍ غربي جديد. وفي أيلول/سبتمبر من ذلك العام تم احتلال باقي فلسطين، وفي نابلس ألقى الإنكليز القبض على أبيها، وتم نفيه إلى مصر مع رجال آخرين، فقد كان أبوها ينتمي إلى التيار القومي الواعي لأخطار الزحف الاستعماري الغربي، وكانت عملية نفيِه، أولَ عمل قمعي قامت به حكومة الانتداب البريطاني. والأعتى من كل هذه الأحداث، أن هذا العام كان بمثابة عام اللعنة لدى الفلسطينيين والعرب، حيث صدر فيه وعد بلفور.

كل هذه الأحداث المأسوية جعلت "الشاعرة" تُبرر جفاء وقسوة أمِّها تجاهها باللعنات التي حلت على العائلة والوطن في عام ولادتها: "تُرى هل ربطت أمّي مقدمي إلى العائلة بالنحس الذي طرأ عليها وعلى الوطن؟ ربما حدث هذا لاشعورياً".

لملمة أشلاء الذات

مع التحاقها بمدرستي الفاطمية والعائشية بنابلس، بدأت الصبية الصغيرة، تُلملم أشلاء ذاتها الضائعة وسط عائلتها التي لا تُخفي كرهَها لها على مدار صفحات سيرتها الذاتية، ففي المدرسة الفاطمية التي قضت بها ثلاث سنوات، بدأت فدوى تتلمس العالم من حولها. في طريقها إلى المدرسة كانت تعقد صداقات حميمية مع الأشجار، والأزهار، والبيوت العتيقة، تتحدث مع الجبال، وتفتح صدرها لهواء الحرية. كانت كمن يُريد أن يعب في صدره من هذا العالم الذي يكسوه الجمال، ليزول قبح العائلة وزيفها عن روحها الحرّة. وبعذوبة وحبّ جارف، تحكي عن صديقتها عناية النابلسي، ومُعلمتها سِت زهوة العمد، تقول:

تجسدت سعادة فدوى طوقان في أخيها الشاعر إبراهيم، الذي راح يُعلمها الشعر، ويمدّها بكتبِ النحو والصرف والعروض، ودواوين الشعر العربي، وكان ذلك بمثابة الميلاد الأول للشاعرة، الذي لم يغب تاريخه أبداً عن روحها، كعام ميلادها الذي غاب في ضباب السنين

"في المدرسة تمكّنت من العثور على بعض أجزاء من نفسي الضائعة، فقد أثبت هناك وجودي الذي لم أستطع أن أثبته في البيت. أذكر كيف كان يشتدّ خفقان قلبي كلما تحدّثت معي معلمتي المفضلة (ست زهوة العمد) التي أحببتها كما لم أحبّ واحدة من أهلي. وكانت عناية النابلسي رفيقتي في المدرسة وأقرب صديقاتي إلى قلبي، ولتأكيد صداقتنا لجأنا ذات يوم إلى وخز إبهامينا، ولعقت هي قطرة الدم التي نفرت من اصبعي، كما لعقتُ قطرة الدم على اصبعها، تأكيداً لأخوة الدم".

فجأة انهار هذا العالم الذي بالكاد بدأ يتشكل، ويُخفف من وطأة القيود المفروضة على الفتاة الصغيرة، وكان ذلك مقترناً بالحبّ الأول في حياة فدوى طوقان. ذلك الحبّ الذي ألهب قلب الشاعرة، وفجر القصائد من أعماقها، وكان بمثابة حبّها الأبدي.

تصيغ فدوى حكايةَ حبِّها الأول في جمل قصيرة، متكتمة، هي التي أشارت في بداية سيرتها أن ثمة أشياء تظلّ عزيزةً على النفس، كامنةً في الروح، لا تُحب أن تبتذلها. ربما كانت علاقة الحب الأول، هي إحدى تلك الأشياء التي تتحدث عنها، فطوال حياتها لم تُفصح عن اسم ذلك الحبيب، الذي توفي وهو في مقتبل شبابه: "كان غلاماً في السادسة عشرة من عمره. ولم تتعدّ الحكاية حدود المتابعة اليومية في ذهابي وإيابي. كان التواصل الوحيد الذي جرى لي مع الغلام هو زهرة فلٍّ ركضَ إليّ بها ذات يوم صبيٌّ صغير في (حارة العقبة) وأنا في طريقي إلى بيت خالتي". صدر الحكم الجائر من أخيها يوسف عليها، بعدما أوشى له أحدهم بما حدث، بالإقامة الجبرية في البيت حتى موتها، محذِّرها بالقتل إذا تخطّت عتبة البيت.

تملكت الكآبة من روح الشابة الصغيرة، فتكثفت وحدتها وعزلتها عن العائلة، بل عزلتها عن ذاتها. كانت تستلقي تحت إحدى الأشجار، وتركز بصرَها على إبهام يدها اليسرى، حتى تبدو لها يدها غريبة عنها، وتتمادى في التركيز حتى تبدو هي ذاتها غريبة عن نفسها وتسأل: من أنا؟ من أكون؟ وتظلّ تردد اسمها عدّة مرات، حتى يبدو هذا الاسم غريباً عنها. هذه المكابدات الروحية والحوارات الذاتية، كانتا مصدراً أساسياً للقصيدة لدى فدوى طوقان، قبل أن تتحرر من الذات، وتنغمس في ما يشهده وطنُها من أحداث وانتفاضات. لكن كيف خرجت فدوى طوقان من براثن هذا الواقع الشرس إلى عالم الشعر؟

السعادة متجسدة في أخ

كان العالم، قد اسودّ تماما في عيني فدوى، حتى أنها لم تجد حلاً للحصول على حريتها المستلبة سوى الانتحار، فكثيراً ما فكرت في إشعال جسدها، أو تجرّع السم، لكنها لم تقوَ على ذلك حتى لا تكون سبباَ في حزن والديها، غير أن القدر كان يُخبئ لصاحبة "الليل والفرسان" مفتاحاَ لعالمٍ آخر سعيد وحزين في آن. أما السعادة فتجسدت في أخيها الشاعر إبراهيم طوقان، الذي راح يُعلمها نظم الشعر، ويمدها بكتب النحو والصرف والعروض، ودواوين الشعر العربي، وكان ذلك بمثابة الميلاد الأول للشاعرة، الذي لم يغب تاريخه أبداً عن روحها، كعام ميلادها الذي غاب في ضباب السنين.

الشعر هو الملاذ والحلم لفدوى، بواسطته هدمت العالم القاسي الذي عانت منه على مدار سنوات طويلة  

كان إبراهيم هو المعلم والأب بالنسبة إليها، فتحكي عنه في مذكراتها بعذوبة بالغة. عكفت فدوى على تعليم نفسها، وكانت سرعتها في التعلم قد أذهلت أخاها الشاعر. وبدأت في نظم الشعر، ومراسلة المجلات الأدبية والثقافية في مصر وبغداد وبيروت، وحققت حضوراً متميزاً في سن صغيرة. كان الشعر هو الملاذ والحلم لفدوى، بواسطته تهدم العالم القاسي الذي عانت منه على مدار سنوات طويلة.

منحها الشعر قوة عارمة أعانتها على تحطيم القيود المجتمعية. لكن هذه السعادة الغامرة سُرعان ما تحولت إلى حزن مستعر، بعد وفاة أخيها إبراهيم في عام 1941. كسر هذا الموت قلب الشاعرة، وأصبح جرحاً عميقاً ينزف مرارة وسوداوية في عمق قصيدتها، قبل أن تتحول إلى الشعر الثوري المقاوم، الذي يُعادل في قوته جبال فلسطين، هذه الجبال التي تمنت يوماً أن تموت فوق إحدى قممها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard