قصر آل طوقان في نابلس... بيت الشعراء والأمراء يأكله الإهمال

الأربعاء 24 مارس 202103:49 م

ينتشر في أرجاء محافظات الضفة الغربية وغزة ما يربو على 12,000 معلم أثري لم تكشف الحفريات عن معظمها بعد. إذ تعكس تنوعاً كبيراً وتعاقباً في الحضارات التي قامت على أرض فلسطين. كما تشير خرائط توزيع المواقع والمعالم الأثرية في الضفة الغربية إلى وجود 1,084 موقعاً أثرياً رئيساً، وحوالي 9,499 معلماً آخر مثل الأبراج، وعيون المياه، ومصانع الشيد ومقالع الحجارة والمقامات الدينية.

أجريت مسوحات عديدة للمناطق الأثرية على مر التاريخ أولها كانت في الفترة ما بين 1871 إلى 1878 على يد الضابط البريطاني كلود كوندر، نيابةً عن صندوق استكشاف فلسطين مع تشارلز وارين، بحسب دراسةٍ قامت بها إكرام وهبي حول المواقع الأثرية في الضفة الغربية.

وإذا قرَّبنا العدسة أكثر وحصرناها في مدينة نابلس، لاكتشفنا أنها مدينة كانت وما زالت مرتعاً للمعالم الأثرية والتاريخية التي تشهد على قدمها وعراقتها، وغنى الحضارات المتعاقبة عليها. ففي المدينة أكثر من 17 معلماً إسلامياً، و11 مسجداً في مدينتها القديمة، منها 9 مساجد تعود إلى القرن الخامس عشر. وبحسب الإحصائيات الحديثة المدوَّنة في صحيفة البيان، فقد وصل عدد المساجد فيها إلى 49 مسجداً، أقدمها جامع الخضراء، الذي يعود إلى بداية العهد الإسلامي، وجامع التينة وجامع البيك والجامع الإصلاحي الكبير الذي كان كاتدرائية وجامع الساطون وغيره. بالإضافة إلى بعض الكنائس أهمها كنيسة القديس جوستين الشهيد، وكنيسة السامريين. وفيها العديد من الأديرة أبرزها دير فنشر ودير اللاتين معظمها يعود إلى الوجود الروماني في المنطقة، وهناك 13 أثراً رومانياً وأكثر من 65 أثراً لمعالم التراث الحضاري الإسلامي منها قصور شُيدت إبان وجود العثمانيين في المنطقة مثل قصر آل طوقان وقصر عبد الهادي.

يعتبر قصر آل طوقان من أقدم المعالم الأثرية في مدينة نابلس، بُني في العهد العثماني، وفيه عاش الأديبان إبراهيم طوقان وفدوى طوقان

يعتبر قصر آل طوقان من أقدم المعالم الأثرية في مدينة نابلس، بُني في العهد العثماني، وفيه عاش الأديبان إبراهيم طوقان وفدوى طوقان. ومن بين حجارته العريقة خرجت أشعار فدوى، وسكنته 18 عائلة حتى اليوم، فما قصّة قصر آل طوقان، ولماذا يُعتبر من أهم المعالم الأثرية، وهل من خطوات جادة قامت بها الجهات المعنية لحماية ما تبقى من القصر إثر اعتداءات الاحتلال ومرور الزمن؟

الأصول التاريخية لعائلة آل طوقان

اتفقت معظم الروايات على أن أصل عائلة طوقان من حماة في شمال سوريا، وأنَّ عبد الله طوقان ترك المدينة في أوائل القرن السابع عشر الميلادي. ثم انتقل إلى البلقاء شرقي الأردن وخيَّم فيها. انتقل بعدها إلى مدينة نابلس رفقة عائلته واستقرّوا فيها. كانت التجارة الهدف الذي نشدته عائلة طوقان عند مجيئها إلى نابلس، والحاج طوقان جاء للاتجار بالإبل تحديداً. قدَّم هذا هدايا للأمير عساف آل فروخ الذي كان أمير لواء نابلس، والحج الشامي، الذي أدخل ولده في جردة الحج فحصل على وظيفة بلقب آغا جوريجي، مما أدى إلى ارتفاع شأن ومكانة عائلة آل طوقان في المدينة واللواء عامة، كما يظهر من الألقاب التي أُطلقت على أفرادها ومن العقارات التي تملَّكوها والمناصب التي تولّوها. فكان لأسمائهم نصيب من هذه الشهرة والمكانة. منهم: فخر الأماجد إبراهيم طوقان زادة، ومفخر الأكابر أحمد آغا طوقان زادة، فيما وصف بعضهم الآخر بمفخر الأقران ومفخر الأعيان، مثل: فخر أقرانه محمد بشه ابن طوقان، وفخر الأعيان إبراهيم جوريجي.

لم تقتصر أملاك آل طوقان على القصر فحسب، بل تملَّكوا الدكاكين والمصابن والطواحين والكروم والبساتين والحوانيت والبدود.

عمل بعض آل طوقان في جباية الضرائب من قرى اللواء. كما مارس أمراء لواء نابلس من آل طوقان التجارة والبيع والشراء، واستئجار العقارات وبيعها في نابلس والتجارة في الصابون. أما أحد أفرادهم، وهو محمد بن علي بك طوقان، فكان أميراً للواء نابلس بين سنتي 1800 حتى 1802.

هكذا انتقلت عائلة طوقان من حماة إلى البلقاء إلى نابلس وتملّكوا فيها ونالوا مناصب عليا، وتحوّلوا من تجار إلى أعيان وأمراء. ورغم هجرتهم من سوريا، إلا أنهم حملوها معهم وزينوا بتراثها قصرهم الذي بناه رئيس علماء نابلس إبراهيم بك صالح، فجعلوه من أجمل القصور في العهد العثماني وما بعده.  

يرجع قصر آل طوقان في نمطه المعماري إلى النمط المعماري السوري الحلبي، وذلك ارتباطاً بأصول العائلة وجذورها التاريخية في سوريا

شُيّد بحجارة سورية

للأبنية الأثرية عامة في مدينة نابلس أعمار وأزمنة مختلفة، مثلها مثل البشر الذين سكنوا مدينة نابلس على مر العصور، منذ الحقبة الكنعانية والبيزنطية والرومانية وغيرها. فجزء من أبنية البلدة القديمة الإسلامية لا تخلو من جذور رومانية. ويرجع قصر آل طوقان في نمطه المعماري إلى النمط المعماري السوري الحلبي، وذلك ارتباطاً بأصول العائلة وجذورها التاريخية في سوريا. اهتموا عند تشييده بأدق التفاصيل رغم ارتفاع أجرة البنائين والحرفيين المهرة في تلك الفترة، إذ كانت تصل أجورهم إلى ألف بارة، ولقبوا بالألفية أو الألفي.

كان قصر طوقان بمثابة اعتراف صامت بالمكانة الدينية والسياسية والاجتماعية والعسكرية لهم في أواخر الحكم العثماني، وإظهار لقدراتهم المالية الكبيرة، فضلاً عن عنايتهم بالسلاح والبارود والخيل. واهتموا ببناء الإسطبلات وغرف الحراسة الملحقة بالقصر. وكان موقع القصر قريباً من السرايا التركية القديمة في منطقة باب الساحة، لظروف أمنية ودفاعية، ويقع في حارة القريون المتوسطة لحارات نابلس القديمة، إلى الجانب الغربي من جامع البيك، بحسب ما قاله المهندس سامح عبده لرصيف22. "فور دخول الزائر يجد غرفة لاستقبال الضيوف. وفي الطابق العلوي غرفة الحاكم. وفي الطابق الثاني قسم فيه غرف النساء "الحرملك" وقسم آخر فيه غرف الرجال "السرملك". وفي الطوابق السفلى الإسطبلات".

أما المواد الأولية التي بني منها القصر فهي مأخوذة من البيئة المحيطة، باستثناء حجارته التي تميزه عن غيره من القصور، فهي مبنيّة على طراز المداميك. كما بُني القصر على أسس هندسية "نظام القباب والأقواس والكالين السميك والحجرات المتداخلة". وحُصنت حجرات النساء والأطفال بمداخل متنوعة تبعاً للعادات والتقاليد. ونقشت حجارة القصر وأعمدته بمدائح دينية، وأهازيج، وأمثال شعبية مختارة من منطقة نابلس. يزيد عمر قصر آل طوقان عن 300 عام، ويعتبر المعلم التراثي الأقدم في مدينة نابلس، المختزل لحقبة تاريخية كاملة من بقايا الذاكرة العثمانية في المنطقة.

الاحتلال الإسرائيلي من جهة وسارقو التراث من جهة أخرى

يُعتبر القصر مقصداً للزوار والسياح من فلسطين وخارجها، لا لكونه تحفة معمارية فحسب، بل لارتباطه بأسماء أدباء فلسطينيين كتبوا أزهى الأشعار وأجملها، كإبراهيم وفدوى طوقان. يقول أبو الوليد، أحد سكان البلدة القديمة: "والد والدي شهد الفترة التي بُني فيها هذا القصر. أنا لا أذكر إلا مجيئي إلى الدنيا ووجوده في هذه المنطقة. تعاقبت عليه عائلات كثيرة، وكانت العائلة تؤجِّره، فهو مزار لجميع الفلسطينيين، يبحثون فيه عن روح إبراهيم وفدوى. إذ من الجميل والمُلهم لبعضهم أن يشاهدوا المكان الذي احتضن هذين الشاعرين، وما سلفهما من تاريخ الدولة العثمانية. للأسف لم يعد القصر كما كان سابقاً لأسباب عدة منها اعتداءات الاحتلال الإسرائيلي. فالقصر تعرَّض للقصف عدة مرات خاصة في الانتفاضتين الأولى والثانية، فضلاً عن اعتداءات أبناء المدينة ممن ينبشون عن آثار داخل المباني الأثرية، فيفسدونها بآلاتهم. لم يلفت عبث هؤلاء وزارة السياحة ولا الجهات المعنية، فالمكان الأقدم والأكثر أهمية في نابلس مهمش حالياً، مليء بالنفايات والحجارة المبعثرة، وقد خسر الكثير من رونقه وهيبته".

لم يعد القصر كما كان سابقاً لأسباب عدة منها اعتداءات الاحتلال الإسرائيلي. فالقصر تعرَّض للقصف عدة مرات خاصة في الانتفاضتين الأولى والثانية

قسَّم عبده العوامل المؤدية إلى فقدان القصر لجزء كبير من جماليته إلى ثلاثة أقسام: العوامل السياسية، العوامل الطبيعية والسرقات الأثرية. فيقول: "ثمة إهمال وعدم ترميم ونبش بعض الأصول المعمارية والتراثية الخاصة به وسرقتها، مثل البلاط السلطاني وبعض النوافذ والأبواب، بالإضافة إلى استخدامه الخاطئ من قبل الورثة والزائرين، خاصة فترة الاجتياحات التي حوّلته إلى مكان يبيت فيه المناضلين، وإشعال بعض المتطفلين للنيران، حرق بعض أشجار الواجهات المميزة نظراً لدمشقيّة أصولها. أما العوامل الطبيعية، فأشهرها الزلزال الذي حدث عام 1927، وعدم ملاحقة وترميم أجزاء القصر بشكل دائم فكان الورثة يتجاهلون الأعطاب والمشاكل التي تحدث في القصر ولا يصلحونها، مما أدى إلى تراكمها وزيادة الأضرار الموجودة أساساً، مثل "الدلس"، ووجود أشجار بجذور ممتدة طالت الواجهات وساعدت على تمزقها وتصدعها، حتى الواجهات كانت عُرضة للسرقة. وبعض الزوار من أبناء مدينة نابلس أو غيرها من المدن يلقون القمامة في فناء القصر فصارت ساحته بؤرة من الردم والقمامة والأوساخ".

يعتبر عبده مشكلة القصر الأساسية هي صعوبة بيعه أو إعطائه لأي مؤسسة بسبب صعوبة عملية البيع والشراء عقارياً؛ لأن ملكية المبنى تعود للورثة وورثة الورثة بعد وفاة السكان الأصليين. كل هذه العوامل مجتمعة أدت إلى تلف قصر طوقان، علماً بأن جميع قصور البلدة القديمة تعاني من الإهمال وقصر طوقان ليس الوحيد.

المكان الأقدم والأكثر أهمية في نابلس مهمش حالياً، مليء بالنفايات والحجارة المبعثرة، وقد خسر الكثير من رونقه وهيبته

هل نحتاج مالاً خارجياً لنحافظ على تراثنا؟

تمتلك بلدية نابلس نصف القصر والنصف الآخر لا يزال تحت ملكية آل طوقان تعمل البلدية على استملاكه بشكل كامل ورفعه إلى مؤسسة أجنبية أو مموِّلة لإقامة مشروع داخل القصر يعود بالفائدة على القصر وزواره، وسكان البلدة القديمة بالدرجة الأولى الذين يعانون من مشاكل في بيوتهم أيضاً، كون البلدة القديمة مليئة بالمعالم التراثية التي تستحق الترميم والإصلاح، بحسب عبده.

وهذا ما أكد عليه أبو الوليد حين عبّر عن استيائه من الإهمال الذي تتعرض له البلدة القديمة ببيوتها وقصورها ومعالمها الأثرية. فمعظم البيوت هناك متهالكة، بحاجةٍ إلى الترميم، إلا أن الجهات المعينة تُدرّ أموالها بسخاءٍ على المباني والمناطق التي تعود عليها بالأرباح، وتنسى أو تتناسى الأماكن الأثرية التي تعتبر واجهة المدينة التاريخية والجمالية.

لمدينة نابلس تاريخ حافل لا يمكن اختزاله ولا حصره. إذ تعد نابلس من أقدم مدن العالم، ويعود تاريخها إلى عام 3600 قبل الميلاد. وسُميت بمرور الحقب بأسماء عدَّة، منها: "شكيم" وهو اسم أطلقه العرب الحويون والفرزيون، ومعناه "المكان المرتفع". حوّلته الدولة البيزنطية إلى "نابليوس" وحين فتح المسلمون المنطقة سُمّيت باسمها الحاليّ "نابلس". ولها أسماء أخرى منها: "دمشق الصغرى"، "عش العلماء"، "مملكة فلسطين غير المتوَّجة" و"جبل النار".

يعزّ على الرائي والعابر من بين طرقات وأزقة هذه المدينة العريقة، أن يرى الإهمال والقذارة تؤطران باحات المباني الأثرية وساحاتها. فيراها تلفظ الأنفاس الأخيرة لجمالها المهدور لا على أيدي الغرباء، إنما على أيدي أبناء مدينتها، فهل ستظلّ أحلام الترميم متوقفة على سخاء الدول الأوربية المانحة والمشاريع الثقافية المموَّلة من الخارج؟ وإلى متى ستظل ثقافة العناية بالأماكن الأثرية وتنظيفها ثقافة ميتة بين أبناء الشعب الفلسطيني؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard