هل تآمر الصفويين هو السبب؟... أسباب فشل التوسع العثماني في أوروبا

الأربعاء 21 سبتمبر 202209:07 ص

سيطر ربط الشيعة بالمؤامرات على الوعي الإسلامي السنّي الجمعي لقرون طويلة. يتضح ذلك من خلال التفاسير والتأويلات الأكثر شهرة للكثير من الهزائم والانتكاسات التي تعرّض لها المسلمون عبر تاريخهم، بدايةً من اندلاع ثورة الأمصار واشتعال الحرب الأهلية بين المسلمين في القرن السابع الميلادي، ونهايةً بسقوط بغداد في يد المغول في القرن الثالث عشر، مروراً بنجاح الحملات الصليبية الأولى في السيطرة على بيت المقدس في القرن الحادي عشر.

ولعلّ ابن تيمية (ت. 728هـ) لخّص هذا الاعتقاد التآمري في كتابه "منهاج السنّة النبوية في الرد على الشيعة القدرية" عندما قال: "أمّا الفتنة فإنّما ظهرت في الإسلام من الشيعة، فإنهم أساس كل فتنة وشرّ، وهم قطب رحى الفتن".

في جميع المواقف المذكورة، لجأ العقل السنّي إلى تعليق فشله على شماعة "الخيانة الشيعية". كثيرون من المؤرخين تحدّثوا عن دور الخيانة الصفوية الشيعية في إفشال الجهود العثمانية (السنّية) الرامية إلى غزو القارة الأوروبية وتحويل أهلها لاعتناق الدين الإسلامي.

وهنا يظهر سؤال مهم: هل كان الصفويون وحدهم السبب الذي أفشل الاجتياح العثماني للقارة الأوروبية؟ أم أن هناك أسباباً أخرى؟ ولماذا التشديد على الدور الصفوي تحديداً، بينما يتم التغافل عن باقي العوامل؟

التحالف الصفوي الأوروبي

في كتابه "الحروب العثمانية الفارسية"، يتحدث الدكتور محمد عبد اللطيف هريدي عن العوامل التي تسببت في إفشال التوسع العثماني في أوروبا المسيحية، فيقول: "أما أهم العوامل قاطبة فهو الحروب العثمانية الإيرانية، إذ كانت هذه الحروب من الضراوة وطول الأمد ما يكفي لإنهاك العثمانيين وضعفهم ومن ثَمّ عدم قدرتهم على الصمود في الجبهة الأوروبية، مما يعني انحسار المد الإسلامي عن أوروبا".

ويُكمل هريدي رامياً باللائمة على كاهل الدولة الصفوية: "وهكذا، بدلاً من أن يضع الصفويون يدهم في يد العثمانيين لحماية الحرمين الشريفين من التهديد البرتغالي ولتطهير البحار الإسلامية منهم وضعوا أنفسهم في خدمة الأسطول البرتغالي، لطعن الدولة العثمانية من الخلف، ورغم انتصار العثمانيين عليهم فإن الحروب معهم كانت استنزافاً لجهود العثمانيين على الساحة الأوروبية وعرقلةً للفتوح الإسلامية".

وبحسب ما يذكره عبد العزيز صالح في كتابه "عودة الصفويين"، بدأ العمل على عقد التحالف بين الصفويين والقوى الأوروبية بعد هزيمة إسماعيل الصفوي في معركة جالديران، سنة 1514م. في تلك الفترة، أرسل القائد البرتغالي ألفونسو دي ألبوكيرك إلى الشاه عارضاً عليه التحالف ضد العثمانيين. وجاء في رسالته: "إني أقدّر لك احترامك للمسيحيين في بلادك، وأعرض عليك الأسطول والجند والأسلحة لاستخدامها ضد قلاع الترك في الهند، وإذا أردت أن تنقضّ على بلاد العرب أو تهاجم مكة فستجدني بجانبك في البحر الأحمر، أمام جدة أو في عدن أو في البحرين أو القطيف أو البصرة، وسيجدني الشاه بجانبه على امتداد الساحل الفارسي وسأنفّذ له كل ما يريد".

في الفترة نفسها، أرسل إمبراطور النمسا شارل الخامس عارضاً التحالف على الصفويين. وفي عهد الشاه طهماسب، ابن إسماعيل الصفوي، تبادل الصفويون العديد من السفارات مع البابا والإمبراطور وملك البرتغال. واعتاد الصفويون على غزو الأراضي العثمانية المتاخمة لحدودهم بالتزامن مع خروج الحملات العثمانية الكبرى باتجاه أوروبا.

في المقابل، عقد العثمانيون تحالفاً مهماً مع فرنسا، سنة 1536م. بدأ ذلك التحالف بين ملك فرنسا فرانسوا الأول والسلطان العثماني سليمان القانوني وكان هدفه الأول هو الحد من نفوذ أسرة هابسبرغ التي تسيطر على الحكم في أغلبية الدول الأوروبية.

هكذا كانت الصورة إذن: تحالف صفوي أوروبي ضد تحالف عثماني فرنسي. كانت المصالح السياسية البراغماتية هي المسيطرة على المشهد، واستخدم الطرفان الدين والمذهب للحشد والتعبئة. أعلن العثمانيون الجهاد ضد الصفويين الذين أعدّوا العدة لفرض السيطرة على الأراضي المقدسة في الحجاز، فيما رفع الصفويون سيوفهم لنجدة مراقد الأئمة في العراق الواقعة تحت الحكم العثماني.

وإذا لم يكن فشل العثمانيين في أوروبا قد وقع بسبب الصفويين، فما هي أهم العوامل التي تسببت فيه؟

تسلط الإنكشارية

ظهرت طلائع الجيش الإنكشاري لأول مرة في القرن الرابع عشر الميلادي، في زمن السلطان مراد الأول، ويعني اسمهم الجيش الجديد. تألفت قوات الجيش الإنكشاري في المقام الأول من مقاتلين أوروبيين مسيحيين وقعوا في صغرهم في أسر العثمانيين، واعتنقوا الإسلام وتمت تربيتهم بطريقة عسكرية صارمة، حتى أصبحوا أهم فيالق الجيوش العثمانية المحارِبة لقرون.

لعب الجيش الإنكشاري دوراً محورياً في تحقيق الانتصارات العسكرية الكبرى التي صنعت مجد الدولة العثمانية في القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين. على سبيل المثال، أسفرت جهود الإنكشاريين القتالية عن فتح القسطنطينية وإسقاط الإمبراطورية البيزنطية، سنة 1453م، وعن تدمير القوات الصفوية في معركة جالديران سنة 1514م، وعن القضاء على الدولة المملوكية في مصر والشام في معركة مرج دابق سنة 1516م. هذا فضلاً عن تحقيق بعض الانتصارات المدوية في أوروبا مثل اجتياح الأراضي المجرية بعد الانتصار في موقعة موهاج/ موهاكس سنة 1526م، والوصول إلى أعتاب فيينا، عاصمة النمسا، وضرب الحصار عليها مرتين، سنة 1529م، و1532م.

كانت الصورة: تحالف صفوي أوروبي ضد تحالف عثماني فرنسي. كانت المصالح السياسية البراغماتية هي المسيطرة على المشهد، واستخدم الطرفان الدين والمذهب للحشد والتعبئة...

رغم كل تلك الأمجاد العسكرية، تسبب الإنكشارية في زعزعة استقرار الدولة العثمانية في الكثير من الأوقات. مثلت فيالقهم المدرَّبة تهديداً مستمراً لمركز السلطان العثماني. تذكر المصادر التاريخية إن الإنكشارية أعلنوا التمرد مراراً على كل من محمد الفاتح وبايزيد الثاني وسليم الأول وسليمان القانوني. تمكن هؤلاء السلاطين الأقوياء من القضاء على حركات التمرد بواسطة الشدة والعنف في بعض الأحيان، واللين والتهدئة في أحيان أخرى.

ولكن الأمور تغيّرت في المرحلة التي بدأت بعد وفاة سليمان القانوني. صار السلطان ألعوبة بيد الإنكشارية، واستحوذ زعماء تلك الفيالق على السلطة الحقيقية في الإمبراطورية. على سبيل المثال، قام الإنكشارية بعزل عدد من السلاطين ومنهم كل من مصطفى الأول، سنة 1617م، وسليم الثالث، سنة 1807م، فيما وصل بهم الأمر إلى قتل بعضهم، ومنهم كل من عثمان الثاني، سنة 1622م، ومصطفى الرابع، سنة 1808م. وبقي تهديد الإنكشارية قائماً حتى تمكن السلطان محمود الثاني من القضاء عليهم بشكل كامل، سنة 1826م.

في كتابها "دور الإنكشارية في إضعاف الدولة العثمانية"، توضح الباحثة أماني بنت جعفر بن صالح الغازي الدور السلبي الذي لعبته الفيالق الإنكشارية في تشتيت القوة العثمانية، فتقول: "لا شك أن ضعف شخصية السلاطين ساعد على ظهورهم بشكل كبير على مسرح الأحداث السياسية، وبلغوا من القوة أنهم قضوا على أي سلطان قوي، أو محاولة إصلاح جادة، وهم بذلك وقفوا موقفاً عدائياً من الإصلاح والنظم الحديثة ورفضوا أي استخدام للأسلحة الحديثة، مما عطل من تطويرهم ومن ثم خسرانهم أغلب المعارك التي دخلوها... ومما لا شك فيه أن تدخلهم في المسائل السياسية العليا كان له أبلغ الأثر في إرهاق الدولة داخلياً، وجعْلها دائماً في حالة ترقب لهم ولأعمالهم مما جعلها مشغولة في أمورها الداخلية، مما أدى إلى انقضاض الأعداء عليها من كل الجهات".

الصراع الداخلي على السلطة

عرفت الدولة العثمانية صراعاً داخلياً مستمراً على السلطة. كان الكثير من أفراد البيت الحاكم يمنون أنفسهم بالوصول إلى منصب السلطنة، الأمر الذي أسهم في ضعف الدولة شيئاً فشيئاً عبر القرون. وأثرت الأصول القبلية التركية كثيراً في شكل هذا الصراع. فقد اعتادت القبائل التركمانية في العصور الوسطى على الحكم الأسري، ولم تتقبل فكرة الخضوع المطلق لفرد واحد، ونتج عن ذلك اندلاع الصراع المستمر بين الإخوة الذكور للاستحواذ على السيادة المطلقة في الدولة.

من هنا، سنجد أن الكثير من السلاطين وضعوا قانوناً يسمح بقتل الإخوة بوصفهم منافسين محتملين على السيادة. يذكر كل من المستشرق النمساوي جوزيف فان هامر، في كتابه "تاريخ الدولة العثمانية"، والمؤرخ التركي المعاصر خليل إينالجيك، في كتابه "تاريخ الدولة العثمانية من النشوء إلى الانحدار"، أن السلطان محمد الفاتح أكد صراحةً على حق السلطان الجديد في التخلص من أعدائه المحتملين، حتى ولو كانوا من إخوته، ونص على ذلك في مجموعة قوانين أصدرها تحت اسم "قانون نامة". ورد في تلك المجموعة: "أيّ شخصٍ يتولّى السُّلطة من أولادي فمن المناسب أن يقتل الإخوة من أجل نظام العالم".

سنة 1571م، وقع التغير الأهم في معادلة القوة بين العثمانيين وأوروبا. في تلك السنة تكبّد العثمانيون هزيمة مدوّية في معركة ليبانتو التي شهدت صدام السفن الأوروبية الحديثة المزودة بالمدافع الضخمة، مع سفن العثمانيين الشراعية التي يحركها المجدفون

هذا القانون طُبّق بشكل عملي في عهد أبناء الفاتح. وصل بايزيد الثاني إلى الحكم ودخل في حروب عنيفة مع أخيه الأمير جم سلطان، وكاد أن يفتك به لولا أن هرب الأخير إلى مصر، وعاش فيها لفترة تحت حماية سلاطين المماليك.

وتكرر الأمر مع وصول السلطان سليم الأول بن بايزيد الثاني للحكم. يذكر المؤرخ أحمد بن يوسف القرماني (ت. 1019هـ)، في كتابه "أخبار الدول وآثار الأول"، أن سليم قام بقتل 17 من إخوته وأبناء إخوته بهدف إحكام قبضته على الدولة.

لم تنتهِ حوادث قتل الإخوة مع سليم الأول، بل تتابعت في عهود خلفائه وأحفاده. على سبيل المثال، قتل الأمير سليم بن السلطان سليمان القانوني بن سليم الأول أخاه بايزيد مع جميع أبنائه قبل أن يرتقي عرش السلطنة، فيما قتل ابنه مراد الثالث خمسة من إخوته ساعة تنصيبه، أما محمد الثالث بن مراد الثالث فقد قتل 19 من إخوته قبل أن يدفن جثمان والده. بمرور الوقت، ضعفت السلالة العثمانية الحاكمة وعاش أكثر أبنائها تحت تهديد القتل ونسوا حلم أسلافهم العظام في فتح أوروبا.

الأمر الآخر الذي زاد من حدة التنافس الداخلي على السلطة تمثل في تدخل نساء القصر في أعمال السياسة والحكم. عرف التاريخ العثماني العديد من النساء اللواتي حاولن المشاركة في أمور السلطنة حتى لو تطلب ذلك اللجوء إلى طرق غير مشروعة مثل الاغتيالات أو تدبير المؤامرات. ومن أهم النماذج على ذلك السلطانة خرم زوجة السلطان سليمان القانوني، وأم السلطان سليم الثاني. مارست خرم نفوذاً واسعاً في دولة القانوني، وتمكنت من تغيير شخص ولي العهد وتنحية الصدر الأعظم. أيضاً عُرفت السلطانة كوسم زوجة السلطان أحمد الأول بنفوذها الواسع في الدولة، فقد تولّت الوصاية على ولديها مراد الرابع وإبراهيم الأول، كما حكمت الإمبراطورية بشكل فعلي في الفترة الأولى من سلطنة حفيدها محمد الرابع.

التفوق التقني لأوروبا

أثبتت الآلة العسكرية العثمانية تفوقها على مثيلتها الأوروبية لمرات متعاقبة في القرن الخامس عشر والنصف الأول من القرن السادس عشر. تمكن العثمانيون من حشد عشرات الآلاف من العناصر القتالية المدربة، والتي تؤمن بضرورة مواصلة الجهاد في الأراضي الأوروبية لرفع راية الإسلام والدولة العليّة. بموجب ذلك التفوق البشري، تمكن العثمانيون من فرض سيطرتهم على البلقان وتراقيا والمجر، واخترقوا أوروبا حتى دقوا أبواب فيينا.

سنة 1571م، وقع التغير الأهم في معادلة القوة بين العثمانيين وأوروبا. في تلك السنة اندلعت معركة ليبانتو في خليج باتراس في اليونان بين الأسطول العثماني من جهة، والأساطيل المسيحية للبابوية وإسبانيا والبندقية ومالطة من جهة أخرى. انتهت المعركة بهزيمة مدوية للعثمانيين بعدما دُمرت الأغلبية الغالبة من سفنهم، وقُتل الآلاف من بحارتهم. لم تكن هزيمة ليبانتو مجرد هزيمة عسكرية فحسب، بل مثلت ما هو أكبر من ذلك بكثير. يقول المؤرخ هيو بيشينو، في كتابه "الهلال والصليب: معركة ليبانتو عام 1571"، إن هزيمة العثمانيين في تلك المعركة مثّلت "منعطفاً مهماً في تاريخ الاستراتيجيات الحربية البحرية، والسبب في ذلك أنها شهدت للمرة الأولى صدام السفن الأوروبية الحديثة المزودة بالمدافع الضخمة، مع سفن العثمانيين الشراعية التي يحركها المجدفون، وهو ما يعني أن العوامل التقنية والعلمية وجدت لنفسها دوراً مهماً على ساحة المعارك، وحلت محل عوامل أخرى قديمة مثل الشجاعة والإقدام والمهارة".

واستمر التفوق الأوروبي التقني بعد ليبانتو. طور الأوروبيون الكثير من التقنيات العلمية عبر السنين، وتمكنوا من تجاوز حالة الاقتتال المذهبي الكاثوليكي- البروتستانتي بعد توقيع صلح وستفاليا، سنة 1648م.

أسهم ذلك في وقوع الثورة الصناعية بالتزامن مع اختراع الآلة البخارية على يد الإسكتلندي جيمس واط، سنة 1784م، وأتيحت الفرصة للدول الأوروبية لتجاوز الأنماط الاقتصادية القديمة لتتوسع في إنتاج الأسلحة الثقيلة والذخيرة والحديد والصلب، الأمر الذي انعكس بالإيجاب على قوة الجيوش الأوروبية.

على الجهة المقابلة، استمرت الإمبراطورية العثمانية في اعتمادها على الاقتصاد الزراعي التقليدي، وعانت من استشراء الفساد الضارب في ولاياتها. ولم يحلّ منتصف القرن التاسع عشر حتى تعرضت للعديد من الهزائم العسكرية المتوالية على الجبهتين الأوروبية والروسية، لتستحق لقبها الأشهر في تلك الفترة "رجل أوروبا المريض".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard