"قهوة عم صالح قفلت خلاص"... هنا بدأت حكايات الشعر والثورة

الخميس 22 سبتمبر 202201:43 م

إذا نظرنا إلى شارع (شامبليون) في وسط القاهرة، بعيون صقر استقر في كبد السماء، لوجدناه نائماً مثل ثعبان طويل، تستقر رأسه ناحية ميدان التحرير، تحديداً عند المتحف المصري، الذي يضم آلاف القطع الأثرية النادرة، بينما يتعرج جسمه يميناً ويساراً، وصولاً إلى الذيل، حيث نهايته عند دار القضاء العالي.

في المنتصف، ثمة قصر مهجور مبني على الطراز الإيطالي، أسماه الناس "قصر شامبليون" نسبة إلى الشارع، وهو قصر للأمير سعيد باشا حليم، صممه له الإيطالي أنطونيو لاشياك على مساحة 445 متراً، كهدية لزوجته.

إذا ما ركّز الصقر نظرته، حتماً سيلحظ أمام القصر مقهى صغير، يقف على أعتابه رجل بجلباب يبين عن أصوله الجنوبية. يعرفه الناس، وكما أطلقوا اسم العالم الفرنسي على قصر ليس يملكه، أيضاً نسبوا المقهى إليه، رغم كونه مجردَ عامل.

الحارة مظلمة، والشارع ميت، وقهوة عم صالح التي شهدت حكاياتنا وأصدقاءنا مع الشعر وثورة يناير وبدايات تعرفنا على القاهرة أغلقت، ومشى الرجل الصعيدي، حاملاً معه النور والأنس، وذكريات سنوات السهر والصعلكة 

ربما كانت تلك هي نظرة الطائر إلى "شامبليون" قبل سنوات.

الآن، سيجد شارعاً ميتاً، شبه خال من الناس، لا سيما بعدما أُغلقت أغلب المقاهي، لأسباب اختلفت من مقهى إلى آخر.

أيضاً، سيجد القصر منزوياً في حارة مظلمة، ذلك لأن "قهوة صالح" أغلقت هي الأخرى، ومشى الرجل الصعيدي حاملاً معه النور والأنس، وسنوات من الذكريات والسهر والصعلكة.

موت "قهوة"

لم تمت "قهوة صالح" فجأة، لم يصبها دخان الشيشة واحتساء البن بأزمة قلبية، بل تكالبت عليها الحوادث حتى ضعفت.

مرة أخذت منها السياسة أمانها، ومرة اقتطعت احتياطات مواجهة كورونا قسطاً من روحها، ومن ثم، كان بديهياً أن تأتي رصاصة الرحمة من مالك قديم، رأى غلقها بعدما استردها بحكم قضائي.

لم أشهد لحظات احتضارها، كنت قد انقطعت عن زيارة المقهى منذ 5 سنوات، لكن كلما مررت أمامها ألقيت التحية على "عم صالح" إكراماً للعشرة، ثم أمشي متحججاً بانشغالي.

قبل أيام ساقني الحنين إليها، فعرفتُ ما جرى. قال لي رجل يملك كشك سجائر مجاور للمقهى، وكان حزيناً لأن زبائنه ذهبوا مع من ذهب: "القهوة خلاص قفلت. وعم صالح وكل الصنايعية مشيوا".

أحياناً تأخذنا الأبواب المغلقة إلى دروب أكثر رحابة، فما إن نظرت إلى باب المقهى، حتى تكشفت أمامي سنوات قضيتها بصحبة أصدقائي من الشعراء، والكتاب، والفنانين الشباب.

جئنا من الأقاليم بحثاً عن موطئ قدم في القاهرة. كلٌّ منا عرف المقهى بطريقة ما، وكلّ واحد أصبح فرداً في "قعدة صالح" على طريقته، وينضم إلينا أحياناً شاب غريب، وسرعان ما يصبح واحداً منا، حتى إننا قد نقضي ليلتنا في بيته.

"القهوة خلاص قفلت"، ردتني كلمات صاحب الكشك إلى بداية معرفتي بالقهوة وبـعم صالح، كان ذلك عام 2010، أي قبل ثورة يناير بسنة.

سيزيف وعم صالح

كان يوماً ماطراً، سمعت فيه من أصدقائي شعراء جامعة حلوان، حيث دراستي في كلية التجارة آنذاك، أنهم ذاهبون إلى ملتقى الأدباء بساقية الصاوي، وكانت المرة الأولى التي أسمع فيها بـ"الساقية"، والأولى التي أحضر فيها تجمعاً يُلقى فيه القصائد، بينما يتناوب الحضور على نقدها.

بعد الندوة، اقترح أحدنا أن نذهب إلى "قهوة صالح"، ولم أكن أعرفها أيضاً. مشينا من الزمالك إلى وسط البلد، مروراً بـ"كوبري 15 مايو".

كانت الأمطار تنهمر، ونحن نغني في وحدة تحمل النشاز، كلمات "شتا" لكوثر مصطفى، ونقلد حركات المغني محمد منير، كأننا نحن مَن "قضّى العمر هزار". كنا وقتها نقابل الشتاء بصدور عارية، ولم تكن ثمة "شمّاعة" نعلق أحلامنا عليها.

جئنا من الأقاليم بحثاً عن موطئ قدم في القاهرة، كلٌّ منا عرف المقهى بطريقة ما، وكلٌّ أصبح فرداً في (قعدة صالح) على طريقته، وينضم إلينا أحياناً شاب غريب، وسرعان ما يصبح واحداً منا، حتى إننا قد نقضي ليلتنا في بيته.

ولم نكن نعرف أننا من سنسقط، بعد مرور عام واحد فقط، النظام في ثورة شتوية، بنفس الصدور المفتوحة، وبذات الأحلام الطازجة.

هناك، رأيت "عم صالح" لأول مرة. ولولا سمرته التي تفضح جيناته الفرعونية، لقلتُ إنه حفيد سيزيف، وربما لا يعرف عم صالح قصة الرجل الأكثر مكراً في الميثولوجيا الإغريقية، الرجل الذي خدع إله الموت، فعاقبه كبير الآلهة بأن جعله يحمل صخرة من أسفل الجبل إلى أعلاه، فإذا ما وصل القمة تدحرجت إلى الوادي، فعاود رفعها إلى القمة.

ثمة عذاب أبدي يقتسمه عم صالح وسيزيف، كلاهما يحملانه، أحدهما فوق كتفه، والآخر على يده. سيزيف يحمل حجراً صلداً، بينما عامل المقهى يحمل "صينية المشاريب"، الساخن منها والبارد.

يحمل الماكر الإغريقي صخرته من أسفل الجبل إلى قمته، ويحمل القهوجي الصينية من أعلى النصبة إلى الزبائن، غير أن العجوز السوهاجي ينام سويعات قليلة بين الوردية والأخرى، وبينما المعذب سيزيف لا يستريح سوى لحظات، ما بين سقوط الصخرة وحملها.

قال صديقي بصوت عال:

- كباية شاي ياعم صالح!

- بالراحة شوية. أنت مش طالب ربع ريش.

ضحكنا لردّ عم صالح. وربما كانت سخريته تلك هي تذكرة العبور إلى قلوب الزبائن، لم نكن نعرفه بأكثر من كونه عامل المقهى البشوش، أو مجازاً قصيدتنا التي تجمعنا في آخر الليل، ونفحة الصعيد إذا ما ضاقت بنا القاهرة.

شاركته كثيراً الجلوس على المقهى ليال طوال، اقتسمنا صوت ياسين التهامي، والحنين إلى البلاد، ولكن أبداً لم أسمعه شعراً، وأيضاً لم يطلعني على سيرته.

بعدما عرفت بغلق المقهى، تفجر داخلي سؤال بشأن سيرته، متى ولد؟ وكيف استبدل قصب السكر المزروع في تراب سوهاج بعواميد الكهرباء المغروزة في لحم القاهرة؟ أنا أعرف كيف انتهت علاقته بالمقهى، لكن كيف بدأت صحبتهما؟

بحثت عن الإجابة لدى أحد ملاك المقهى، هو شاب ثلاثيني يدعى "سامي"، قابلته صدفة على مقهى في شارع فيصل، فحاول جاهداً أن يرسم لي صورة سمع بها عن الشاب السوهاجي الذي جاء ليعمل لديهم قبل عقود.

رئيس وثورة وقهوجي

حضر عم صالح إلى القاهرة مع مجيء حسني مبارك إلى سدة الحكم. كان ذلك في أوائل الثمانينيات. ولم يكن في أيهما شيئاً ملفتاً، كلاهما يفتقر إلى الوسامة والثقافة.

وكما لم يأت الشاب السوهاجي طامحاً، بل ساعياً إلى عمل يضمن قوت يومه، أيضاً عرف الرئيس السادات أن مبارك لا يملك طموحاً سياسياً، فأتى به نائباً.

لكن يبقى الفارق بين عم صالح ومبارك، أن الأول ملك حيزاً في قلوب الزبائن، أما الثاني فبقي حاكماً غير مرضٍ عنه، حتى أطاحت به الجماهير في كانون الثاني/يناير 2011.

أول ما صاحب عم صالح في المدينة، كانت الأرصفة التي جالسها طويلاً. وجدها قاسية في الشتاء، تخشب برودتها العظام، وفي الصيف جمرة يسيح لهيبها الشحم واللحم. كما عرف الناس من أسفل نقطة فيهم، من أحذيتهم.

حكى لي "سامي" أن صالح لما جاء إلى المدينة، وجد أقاربه يعملون ماسحي أحذية، ومن ثم، كان منطقياً أن يخرج إلى الشارع حاملاً صندوقاً خشبياً، ومتسلحاً بفرشاة وعلبتي ورنيش، وقطعة قماش لزوم تلميع الحذاء.

جلس بالقرب من تمثال طلعت حرب، منتظراً أن يضع أحد قدمه على الصندوق، ليبدأ هو في أرجحة الفرشاة يميناً ويساراً، منسجماً كأنه عازف ربابة.

عمل في مسح الأحذية لسنوات. رأى من يلبس حذاءً بمئات الجنيهات، وأيضاً ينفق على تلميعه عشرات آخر، كما عرف من يرتدي حذاءً رخيص الثمن، لكن حرصه على تلميعه أبقاه جميلاً.

وإن تطلع العلم إلى معرفة طباع الإنسان من شكل قدمه وحجم الأصابع، وقسمها ما بين القدم المصرية واليونانية والرومانية، وحدّد سمات صاحب كلٍّ منها، أيضاً قد يكتسب ماسح الأحذية فراسةً جراء مهنته، فليست الوجوه وحدها يمكن تفرسها، أيضاً يبين اهتمام الرجل بحذائه بعض السمات.

بكم يشتري الرجل حذائه، وكم ينفق عليه؟ هل يضع قدمه على صندوق اللميع في خيلاء، أم أنه يتباسط رافضاً تلميعه وهو مرتدياً إياه؟ أيضاً المسافة ما بين الأجرة والإكرامية (البقشيش) تعكس جانباً آخر. كل تلك الأمور علمت عم صالح كيف يعامل زبائنه، يقرأ طباعهم من مشيتهم، قبل أن يطالع الوجوه.

متى عرف ماسح الأحذية المقهى؟

لكن متى رفع عم صالح وجهه إلى الناس؟ حدث ذلك في أحد أيام عام 1991، كان جالساً على مقهى لا يحمل اسماً. مقهى لقيط يبحث عن أب ينسب له.

أحياناً تنسب المقاهي إلى شيء مجاور، كشجرة، فيقول الرجل لأخيه: انتظرك عند مقهى الشجرة، وأحياناً أخرى تستلب اسم أصحابها. لكن ذلك المقهى تحديداً، اختار نسبه من بين العمل. ترك كلّ رموزه وملاكه، وحمل اسم "قهوة صالح".

في يوم شح فيه الرزق، وندر من يلمع حذائه، رآه رجل كان قد استأجر المقهى (بعقد باطن) من مستأجر قديم، فدعاه إلى العمل معه.

كانت وظيفته تسمى في عرف عمال المقاهي "جرار"، هو المسؤول عن تبديل حجارة الشيشة وتزويد الزبائن بالنار.

ربما لم يكن عمله أكثر راحة من مسح الأحذية، لكن ما تحصل عليه من بقشيش هون نار الفحم. ثم ترقى صالح، وأصبح المسؤول عن المشاريب، ومحاسبة الزبائن.

تكونت أسطورة عم صالح من لا شيء، لم يكن أميناً في الحساب، بل عرف عنه المغالاة، لا سيما إن تعددت المشاريب، وتعسّر على الزبون حصرها.

وكثيراً ما رأيناه يفضّ شجاراً بين فتاتين، ويباعد بينهما قدر ما تحسست يده، لذلك كثيراً ما انتهت المشاجرة، والفتيات يقبضن على عنقه.

عرف المقهى باسمه رغم تعدد الصنايعية، ورغم تواجد الملاك الأصليين حوله، حتى إنهم صنعوا لافتة كبيرة كتب عليها بخط عريض "مقهى حسن" وعلقوها على الباب، لكن الناس أبقوا على الاسم الذي اختاروه، فكان دليل أن الشهرة رزق يعرف أصحابه، حتى وإن توافرت لغيره السبل.

ندوة ثقافية مفتوحة

تشكل على المقهى حراكاً ثقافياً لجيل أدباء الشباب. سبقنا إليه جيل يكبرنا سناً، بينهم الشاعر محمد صبري نجم، الذي عرفناه مثقفاً موسوعياً، حكي لي مرة أن ساقه التأمل في اسمه إلى القراءة في الفلك، ومحاولة معرفة إلى أي النجوم ينتمي، لكن في النهاية -ولا أظنه يحب ذلك الوصف- هزم كما هزمنا، بل ونزل إلى الأرض، عائداً إلى مسقط رأسه بمحافظة كفر الشيخ، تاركاً القاهرة بمثقفيها ومقاهيها.

اعتدنا نحن الجيل الأصغر، أن نلقي أشعارنا على المقهى. كان بيننا كاتب القصص القصيرة ياسين محمود، صاحبنا المفتون بيحيى الطاهر عبد الله، والذي نال جائزته في دورتها الأخيرة. كان ياسين مثل صاحب "الطوق والأسورة" يحفظ قصصه ويلقيها على أسماعنا، وكنا نسميه "كاتب القصة القصيدة".

كان كل منا يذهب إلى الندوة التي اعتادها، أحدنا يمشي إلى دار الأدباء بشارع القصر العيني، وآخر إلى نادي القصة بجاردن سيتي، بينما يذهب من بقي إلى ملتقى الأدباء بساقية الصاوي. وفي آخر الليل نجتمع على المقهى، نتندر على القصائد الركيكة، وطريقة إلقاء أصحابها.

على المقهى، أسس مجموعة من الشعراء الشباب والكتاب وممثلي المسرح ما عرف بحركة "صعاليك"، التي قدمت عروضها على مسرح ساقية الصاوي ومكتبة مصر العامة وغيرها. كانت العروض مزيجاً ما بين الشعر والغناء والموسيقى والاسكتشات

على المقهى، أسس مجموعة من الشعراء الشباب والكتاب وممثلي المسرح ما عرف بحركة "صعاليك"، التي قدمت عروضها على مسرح ساقية الصاوي ومكتبة مصر العامة وغيرها. كانت العروض مزيجاً ما بين الشعر والغناء والموسيقى والاسكتشات. وهؤلاء لم ينتظروا مجيء الجمهور إلى المسارح، بل ذهبوا بالفن إلى العشوائيات.

ساهمت قهوة صالح في تشكيل ثقافة ووعي ذلك الجيل، الأمر الذي جعلها شريكاً مهماً في منجزه الإبداعي، ومن ثم لما صدر ديواني الأول بعنوان "عجلة خشب" وأقيمت له حفل توقيع في بيت الرصيف بالمعادي، وكان ضيوف الشرف: الفنانة فيروز كراوية، والروائي محمد صادق، آثرت أن يكون بينهما عم صالح كضيف شرف وممثل عن المقهى، لكن الرجل الذي اعتمد نظرية "أثر الفراشة" تأثيراً وحضوراً، غاب عن الحفل، رغم رغبة الجميع في رؤيته والاحتفاء به.

شهيد على قهوة صالح

مثلت "قهوة صالح" ملتقى لأدباء ما بعد الألفية، هؤلاء الذين أسندوا ظهورهم إلى أشجار "الفيكس"، فعرفوا منها أن غاية الفن هو خلق ظل لا طعام، لا سيما إن ولدت في بلد لا يطعمك فيه الأدب.

ولكن وجهاً آخر عاشه المقهى، وجها ثورياً، شارك به في تحريك المشهد السياسي. وخلع رئيس جثم على صدر الوطن 30 عاماً، ولما جاءت المرحلة الانتقالية؛ جعل زبائنه أكثر استقراراً على كراسيهم من أعضاء المجلس العسكري، وكذلك لما حكم رئيس جماعة الإخوان، كان مثل غيره من مقاهي وسط القاهرة، مكان تجمع الثوار والمعارضين.

وثمة شهداء خرجوا من بين الزبائن، يحكي "سامي" عن أحدهم، كان دائم الجلوس على المقهى، يحبه الزبائن والصنايعية، ويحبه عم صالح، رغم أنهم لا يعرفون عنه أكثر من كونه "زبون مؤدب".

يوم استشهاده، جاء إلى المقهى قبل الذهاب إلى المظاهرة، سلم على جميع العمال، "حتى اللي واقف على النصبة دخل سلم عليه، كأنه كان بيودعنا وكان حاسس إنه هيموت". كان ذلك في 12 كانون الأول/ديسمبر 2012، وكانت المظاهرة مناهضة لحكم جماعة الإخوان، وكان الشاب هو الشهيد الصحفي الحسيني أبو ضيف.

كانت "قهوة صالح" عملة لها وجهان؛ أحدهما ثقافي والآخر سياسي. الآن أصبحت عملة صدأة. طمس وجهها وأزيل نقشه. أما الزخم الثقافي الذي شهده المجتمع في تلك الفترة، فقد اختفى تماماً، إذ أغلق مقر نادي الأدباء بشارع القصر العيني، رغم تاريخيته ورمزيته، وأيضاً تم إخلاء المقر التاريخي لنادي القصة بجاردن سيتي بحكم قضائي.

أما ملتقى الأدباء بساقية الصاوي، فبعدما كانت تخصص لها قاعة "الكلمة"، أصبح الآن عبارة عن جلسة بائسة في حديقة الساقية.

الوجه الآخر السياسي مُسح رسمه أيضاً. هزمت الثورة ومن شاركوا فيها. كما هزم رواد "قهوة صالح" ورجعوا إلى بلادهم.

وعندما قابلت "سامي"، أحد ملاك القهوة المهزومين بحكم قضائي، وجدته يبيع "جوارب" في شارع فيصل. قال لي: "استأنفنا على الحكم ودفعنا للمحامي 50 ألف جنيه، لكن خسرنا القضية برضو".

عرفت أن "صالح" يعمل في قهوة بميدان رمسيس، لكن أبداً لم أفكر في زيارته. ربما تخوفاً من ارتباك الذاكرة، فإن كانت صورته القديمة جزءاً من ذاكرة المكان التي فُقدت؛ فجدير بنا أن ننأى بذكرياتنا عن قاتلها.

وإن كان ثمة طائر ينظر إلى الشارع الآن، فلن يرى غير جحر أفعى مليء بالحراشف، وقد يردد معي قبل سقوطه ميتاً من الحسرة، ما قاله محمود درويش:

إن أعادوا لنا المقاهي

فمن يعيد لنا الرفاق؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard