حافَظوا على الإسلام الأرثوذكسي وفتحوا القسطنطينية... أدوار التركمان في التاريخ الإسلامي

الاثنين 12 سبتمبر 202211:50 ص

في القرن الأول الهجري/ السابع الميلادي، اصطدمت التوسعات العسكرية الإسلامية بالعديد من القبائل التركمانية التي سكنت مناطق شمال الشام وآسيا الوسطى والأناضول. وتمكن المسلمون من تحقيق الانتصار على تلك القبائل في بعض المعارك، كما أنهم تعرضوا للهزيمة في بعضٍ آخر.

وبعد أقل من قرنين فحسب من وقوع تلك المعارك، تحوّلت الأغلبية العظمى من القبائل التركمانية المتاخمة للدولة العباسية إلى الإسلام، لتبدأ بذلك حقبة جديدة من التاريخ الإسلامي، اضطلع فيها التركمان بدور مهم على مسرح الأحداث السياسية في المشرق الإسلامي.

الظهور الأول... في عهد المعتصم بالله

ظهرت القوة التركمانية على مسرح الأحداث السياسية في العالم الإسلامي للمرة الأولى في عهد الخليفة العباسي المعتصم بالله بن هارون الرشيد. كانت أم المعتصم من أصل تركي، ويبدو أن الخليفة الجديد أراد الاستقواء بأخواله في ظل الحضور الطاغي للفرس الذين كانوا يسيطرون على كافة مفاصل الدولة العباسية.

يحكي جلال الدين السيوطي (ت. 911هـ)، في كتابه "تاريخ الخلفاء"، عن توسع المعتصم في الاعتماد على الأتراك، ويقول: "هو أول خليفة أدخل الأتراك الديوان… وبلغت غلمانه الأتراك بضعة عشر ألفاً... اعتنى باقتناء الترك فبعث إلى سمرقند وفرغانة والنواحي في شرائهم وبذل فيهم الأموال وألبسهم أنواع الديباج ومناطق الذهب".

تحكي المصادر التاريخية أن أهل بغداد لمّا ضجّوا بالشكوى من زيادة عدد الأتراك في مدينتهم، بنى المعتصم مدينة "سر مَن رأى" (سامراء)، واتخذ منها مقراً جديداً للخلافة، واصطحب معه جميع الأتراك الذين اعتمد عليهم في إدارة شؤون الدولة.

ويتحدث المفكر المصري أحمد أمين في كتابه "ظهر الإسلام" عن الصفات التي ميّزت الأتراك في ذلك العصر، فيقول إنهم "عُرفوا بالشجاعة والصبر على القتال كما عُرفوا بخشونة البداوة وقسوة الطبيعة؛ وحافظ المعتصم على دمائهم أن تبقى متميزة، فجلب لهم نساء من جنسهم زوَّجهن لهم، ومنعهم أن يتزوجوا من غيرهم".

اتخذ المعتصم من الأتراك عدداً من القادة والمستشارين، منهم كل من الأفشين وأشناس وإيتاخ، ولعب هؤلاء دوراً مهماً في الحروب التي خاضها العباسيون ضد الإمبراطورية البيزنطية في تلك الفترة، ولا سيما في غزو مدينة عمورية سنة 223هـ/ 838م.

وفي عهدي الخليفتين هارون الواثق بالله بن المعتصم، وأبي جعفر المتوكل على الله بن الواثق بالله، تزايد نفوذ الأتراك. وسنة 247هـ/ 861م، وقعت حادثة على قدر كبير من الأهمية عندما قام بعض القادة الأتراك بقتل الخليفة المتوكل لمّا عرفوا أنه يريد أن يتخلص منهم.

يعلق أحمد أمين على تلك الحادثة قائلاً: "كانت هذه الحادثة مصرعَ الخلافة، ومجد الأتراك، فكان الخليفة بعده خاتماً في إصبعهم أو أقل من ذلك، حتى قنع بالسكة والخطبة…".

اعتاد القادة الأتراك بعد تلك الحادثة أن يختاروا شخوص الخلفاء الجالسين على كرسي الخلافة. ولم يتورعوا عن خلع وقتل بعض الخلفاء الذين جاهروا بمعارضتهم من أمثال كل من المستعين بالله، والمعتز بالله، والمهتدي بالله، والمقتدر بالله، وقاموا بسمل عيون بعض آخر منهم كمحمد القاهر بالله، وإبراهيم المتقي بالله.

وبقي تسلط الأتراك على مقادير السلطة في الدولة العباسية حتى ثلاثينيات القرن الرابع الهجري، عندما تمكن البويهيون الفرس من السيطرة على بغداد.

محمود بن سبكتكين والدولة الغزنوية

على الرغم من تقلص النفوذ التركماني في بغداد، عقب سيطرة البويهيين عليها، بقيت مشاركة الأتراك في ميادين السياسة والسلطة قائمة في البلاد الإسلامية المشرقية.

في عهد الأمير نوح بن منصور، حاكم الدولة السامانية الفارسية التي حكمت خراسان وبلاد ما وراء النهر في القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي، دخل واحد من القادة الأتراك إلى مدينة بُخارى واتصل بخدمة الأمير الساماني. كان هذا القائد هو سبكتكين.

يتحدث شمس الدين الذهبي (ت. 748هـ)، في كتابه "سير أعلام النبلاء"، عن الظروف التي ترقّى فيها سبكتكين في مناصب السلطة حتى تمكن من حكم غزنة (تقع في أفغانستان الحالية)، "فتمكن وعظم، وأخذ يغير على أطراف الهند، وافتتح قلاعاً، وتمت له ملاحم مع الهنود...".

بعد تحوّل الأغلبية العظمى من القبائل التركمانية إلى الإسلام، بدأت حقبة جديدة من التاريخ الإسلامي، اضطلع فيها التركمان بدور مهم على مسرح الأحداث السياسية في المشرق الإسلامي

وفي سنة 387هـ/ 998م، توفى سبكتكين، وأوصى بالحكم لابنه إسماعيل، وكان الأخير ضعيف الشخصية وغير قادر على فرض سيطرته على قادة جيشه، فلم يمر وقت طويل حتى استولى أخوه محمود على السلطة، وتمكن بعدها من توسيع نفوذه شيئاً فشيئاً مستغلاً حالة الضعف التي أصابت الدولة السامانية.

يتحدث الذهبي عن جهود محمود بن سبكتكين لتوسيع دولته، فيقول: "حارب محمود النواب السامانية، وخافته الملوك. واستولى على إقليم خراسان، ونفذ إليه القادر بالله خلع السلطنة، ففرض على نفسه كل سنة غزو الهند، فافتتح بلاداً شاسعة، وكسر الصنم سومنات الذي كان يعتقد كفرة الهند أنه يحيي ويميت ويحجونه، ويقربون له النفائس".

اشتهر محمود بن سبكتكين باسم محمود الغزنوي، نسبةً إلى غزنة، وعُرف بموقفه الكاره للفرق والمذاهب المخالفة للمنهج السنّي الأرثوذكسي. وظهرت دلائل هذا الموقف في التزامه بوثيقة الاعتقاد القادري التي أصدرها الخليفة العباسي القادر بالله سنة 420هـ/ 1030م.

يحكي الذهبي أن الغزنوي سارع بتنفيذ أوامر الخليفة "فبث السنّة بممالكه، وتهدد بقتل الرافضة والإسماعيلية والقرامطة، والمشبهة والجهمية والمعتزلة، ولعنوا على المنابر". وتمكن الغزنويون من نشر الإسلام في الهند وبلاد آسيا الوسطى ولعبوا دوراً مهما على مسرح الأحداث السياسية المشرقية في القرنين الرابع والخامس الهجريين/ العاشر والحادي عشر الميلاديين.

البساسيري ومحاولة الانقلاب الفاطمي

رغم تراجع الدور التركماني في بغداد في العصر البويهي، تمكّن بعض القادة الأتراك من البقاء في دائرة التأثير. من هؤلاء أبو الحارث أرسلان بن عبد الله التركي البساسيري الذي كان أحد القادة الأقوياء في الجيش البويهي.

استغل البساسيري الضعف الذي أصاب البويهيين في أواخر دولتهم، وتمكن من الاستئثار بالسلطة في العاصمة العباسية. يتحدث الخطيب البغدادي في كتابه "تاريخ بغداد" عن المكانة العالية التي وصل إليها البساسيري في بغداد في تلك الفترة ويقول إن الخليفة العباسي القائم بأمر الله "لم يكُن يقطعُ أمراً دونه، ولا يحل ويعقد إلا عن رأيه".

وضع البساسيري خطة لتوجيه الضربة القاضية للخلافة العباسية، فراسل الفاطميين في مصر عارضاً عليهم التحالف وضم بغداد لدولتهم الواسعة. ذكر في إحدى رسائله إليهم: "فإن أخذتم بأيدينا، أخذنا لكم البلاد، وإن قلدتمونا نجاد نصركم وإنجادكم، فتحنا من جهتكم الأغوار والأنجاد".

وبالفعل، تلقى البساسيري موافقة الخليفة الفاطمي المستنصر بالله على العرض، وسارع إلى دخول بغداد، وسيطر عليها ونفى الخليفة القائم بالله بعدما أجبره على توقيع كتاب يعترف فيه بأحقية الفاطميين في الخلافة. وفي يوم الجمعة 13 ذي القعدة سنة 450هـ أقيمت الخطبة للفاطميين للمرة الأولى، ورُفع الأذان بصيغته الشيعية التي تضيف جملة "حي على خير العمل".

السلاجقة... إحياء الخلافة السنّية

في النصف الأول من القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي، دخل السلاجقة، وهُم إحدى العشائر القبلية التركية، إلى بلاد الإسلام. عبرت تلك العشيرة نهر جيحون في آسيا الوسطى وعاش أفرادها في كنف الدولة الغزنوية. وبعد سنوات، تعاظمت قوة السلاجقة، في زمن زعيمهم طغرلبك، ودخلوا في صراع طويل ضد السلطان الغزنوي مسعود بن محمود.

وبعد الكثير من الحروب، وضعت كلمة النهاية عندما انتصر السلاجقة في موقعة داندقان سنة 429ه/ 1040م ليقدّموا أنفسهم بوصفهم أحد أهم الكيانات السياسية في المشرق الإسلامي في تلك الفترة.

كانت أمّ المعتصم بالله من أصل تركي، واستعان الخليفة العباسي الجديد بأخواله في مواجهة الحضور الطاغي للفرس في كافة مفاصل الدولة، فشكّل ذلك أول ظهور للقوة التركمانية على مسرح الأحداث السياسية في العالم الإسلامي

لمّا كان السلاجقة قد اعتنقوا الإسلام وفق المذهب السنّي، فإنهم وجهوا أنظارهم إلى بغداد، عاصمة الخلافة العباسية. سارع طغرلبك بقيادة قواته نحو العراق فقضى على الدولة البويهية، كما تمكن من إنهاء حالة البساسيري وأعوانه من الفاطميين، وأعاد الخليفة القائم بأمر الله مرة أخرى إلى بغداد، وصار من المعتاد منذ ذلك الوقت أن يتقاسم السلطان السلجوقي النفوذ مع الخليفة العباسي.

بعد وفاة طغرلبك، عام 455هـ/ 1063م، تولى ابن أخيه ألب أرسلان الحكم واشتهر بحروبه ضد البيزنطيين، وكانت موقعة ملاذكرد، سنة 463هـ/ 1071م، أهمها على الإطلاق.

ويرى الكثير من الباحثين أن الانتصار الذي حققه السلاجقة في تلك المعركة تسبب في الدعوة التي أطلقها البابا أوربان الثاني لحشد الجيوش الأوروبية بعدها بسنوات مفتتحاً بذلك عصر الحروب الصليبية على المشرق الإسلامي.

في فترة حكم ألب أرسلان وابنه ملكشاه، ظهر الوزير الشهير نظام الملك الطوسي الذي بذل جهوداً عظيمة في سبيل نشر المذهبيْن الأشعري والشافعي. نُظر إلى هذين المذهبيْن على كونهما المعتمدين من الدولة على صعيدي الكلام والفقه على الترتيب، وتأُسست المدارس النظامية في أصفهان ونيسابور وبغداد وغيرها، وواجهت الأفكار المعتزلية والشيعية تضييقات بوصفهما هرطقات بدعية لا يجوز السماح بنشرها.

العثمانيون... أكبر إمبراطورية تركمانية

تفككت القوة السلجوقية الموحدة بعد وفاة السلطان ملكشاه سنة 485هـ/ 1092م. وانقسم السلاجقة بعدها إلى مجموعة من الدول عُرفت بأسماء سلاجقة العراق وسلاجقة الروم وسلاجقة الشام. ولكن الوجود التركماني على الساحة السياسية في البلاد الإسلامية لم ينتهِ بذلك، بل تهيأت الظروف لميلاد قوة تركمانية جديدة قُدر لها أن تؤثر كثيراً في مستقبل المنطقة ككل.

 في القرن السابع الهجري، اضطرت عشيرة كايي، وهي إحدى العشائر التركية التابعة لشعب الأوغوز/ الغُزّ، إلى الهجرة من مساكنها الواقعة في بلاد آسيا الوسطى، فراراً من الغزوات المغولية لتلك المنطقة.

تحالفت هذه العشيرة مع سلطان سلاجقة الروم علاء الدين كيقباذ الأول فأقطعها بعض الأراضي الواقعة شمالي الشام. ولم يمر وقت طويل حتى تمكن زعيم القبيلة عثمان بن أرطغل من توسيع نفوذه في المنطقة المحيطة به، ودخل في حروب متلاحقة ضد جيرانه البيزنطيين. وبعد سقوط دولة سلاجقة الروم على يد المغول، أعلن عثمان عن تأسيس الدولة العثمانية التي سُميت باسمه وحافظت على وجودها لما يزيد عن ستة قرون.

تمكن خلفاء عثمان من التوسع بشكل مطرد في منطقة البلقان، وفي عهد السلطان محمد الفاتح دخلت الجيوش العثمانية القسطنطينية عاصمة الإمبراطورية البيزنطية، سنة 857هـ/ 1453م.

في ما بعد، أسقط العثمانيون الدولة المملوكية في مصر والشام، وتلقبوا بلقب الخلافة للمرة الأولى سنة 923هـ/ 1517م في عهد السلطان سليم الأول. يقول محمد فريد في كتابه "تاريخ الدولة العلية العثمانية": "ومن ذلك التاريخ صار كل سلطان عثماني أميراً للمؤمنين وخليفة لرسول رب العالمين اسماً وفعلاً".

فرض الموقع الجغرافي للعثمانيين عليهم العمل على التوسع في القارة الأوروبية، وحققت جيوشهم عدداً من الانتصارات المدوية مثل اجتياح الأراضي المجرية بعد الانتصار في موقعة موهاج/ موهاكس. والوصول إلى أعتاب فيينا، عاصمة النمسا، وضرب الحصار عليها مرتين في النصف الأول من القرن السادس عشر الميلادي.

وفي القرون اللاحقة، تعرّض العثمانيون لمجموعة من الانتكاسات والهزائم. تدهور حال الدولة بشكل تدريجي حتى أعلن مصطفى كمال أتاتورك إلغاء السلطنة العثمانية، سنة 1922م/ 1340هـ، ثم إلغاء الخلافة في 1924م/ 1342هـ، ليُسدل الستار بذلك على آخر الدول التركمانية التي أسهمت في تشكيل التاريخ السياسي للإسلام.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard