تراجيديا البوهيمي (1 من 2)

الاثنين 12 سبتمبر 202212:04 م

(بدأت قبل سنوات في رواية هذه القصة بوصفها ملهاة مررت بها، وحين نشرت بعضها، فاجأني بعض أصدقائي بتفاصيل لم أعشها عن بطلها أضفت عليها الكثير من التراجيديا التي احتجت إلى وقت حتى أستوعبها وأرويها من جديد كما ستقرأها الآن).

...

"البوهيميّ الحقّ" عملة نادرة في بلادنا، لأن عموم ناسنا وأهالينا اعتمدوا في تعريف البوهيميّة على الشخصية التي لعبها الفنان أحمد راتب في فيلم (يا رب يا ولد)، فسلّموا معه أن البوهيمي هو الشخص الذي "يفعل ما يحلو له"، وهو تعريف لطيف لكنه منقوص، لأن البوهيمي الحق هو الشخص الذي يفعل ما يحلو له دون أن يخشى مواجهة عواقب أفعاله، ودون أن يتهرب من تحمل مسؤولياتها، وهو ما يُخرج من مِلّة البوهيميّة أدعياء كثيرين يتصورون البوهيمية شكلاً ومظهراً أو "هزّ أطياز" كما يقول الشاعر، متجاهلين أنها موقف متكامل من الكون والوجود، قد يبدو لك لطيفاً وسهلاً، لكن ممارسته ستوصلك إلى نتائج ليست لطيفة بالضرورة، ولا سهلة بالمرة.

في أواخر عام 1994 سمعت لأول مرة كلمة (بوهيمي) وهي تُطلق على شخص من لحم ودم، بعد أن كنت أقرأ عنها منسوبة إلى شخصيات عاشت في أمكنة وأزمنة بعيدة.

في أواخر عام 1994 سمعت لأول مرة كلمة (بوهيمي) وهي تُطلق على شخص من لحم ودم، بعد أن كنت أقرأ عنها منسوبة إلى شخصيات عاشت في أمكنة وأزمنة بعيدة. كنت وقتها قد بدأت أتدرب في مجلة (روز اليوسف) التي كانت وقتها الأنجح في الساحة الصحفية، وكان يكتب فيها كبار كتّاب مصر ويتردد عليها أهم شخصياتها العامة من فنانين وسياسيين ومثقفين. كانت تجاربي السابقة القصيرة في بعض الصحف، قد علمتني أنه من العبث أن يضيع الصحفي المبتدئ وقته في محاولة تحسين علاقته بالصحفيين الأقدم منه، لأن ذلك سيكون مستحيلاً مع كثيرين سيستمتعون بتعذيبه و"مرمَطَته" لتغذية طحالب نفسياتهم الخَرِبَة ـ اقرأها بالياء إن شئت ـ وبعضهم قد يغض الطرف عن تلك المرمطة التي يمارسها الأقدمون على المستجدّين، على أمل أن يتعلم الصحفي الشاب منها، أو باعتبار أن المرمطة كاس وداير وقدر لا فكاك منه على الجميع، وبعضهم وهو الصنف النادر جداً قد يقف إلى جانبه ضد المرمطة، ولكن بعد أن تبان أمارة أنه يستحق تضييع الوقت والجهد عليه.


في ظل ذلك الوضع المعقد ـ بفتح القاف وكسرها ـ اكتشفت أن من أهم مفاتيحك إلى مكان عمل آمن، هو تحسين علاقتك بقدامى العاملين من سعاة وعمال بوفيه ومصاعد وموظفي أمن وسنترال، إذ بوسع من أراد من هؤلاء الذين قد تستهين بأهميتهم، أن يجعل حياتك جحيماً، فيلطعك مثلاً في مدخل الصحيفة كل يوم على ملأ من الجميع، بحجة التأكد من شخصيتك، أو لأنه يشك في صحة خطاب التدريب الذي تحمله، أو لأنك نسيت الخطاب في البيت، أو قد يؤخر كوب الشاي الذي طلبته، والذي كان وجوده أمامك لازماً لإضفاء المزيد من الشرعية على تواجدك في صالة التحرير، أو يطلب منك ثمناً مبالغاً فيه لفنجان القهوة متوقعاً أنك لا تمتلكه، أو يزعق فيك حين تطلب منه شراء سندوتشات كالتي اشتراها لمن هم أقدم منك، طالباً منك خدمة نفسك لأنه ليس مرمطون الذين خلّفوك، أو يجعل استخدامك للتليفون للاتصال بمصدر في حكم المستحيل، وما إلى ذلك من صنوف الأذى والتكدير.

لأن البوهيمي الحق هو الشخص الذي يفعل ما يحلو له دون أن يخشى مواجهة عواقب أفعاله، ودون أن يتهرب من تحمل مسؤولياتها، وهو ما يُخرج من مِلّة البوهيميّة أدعياء كثيرين يتصورون البوهيمية شكلاً ومظهراً أو "هزّ أطياز" كما يقول الشاعر

أما إذا رضي عنك هؤلاء العاملون أو حتى رضي المهمون منهم، فيا سعدك ويا هناك، لأنك لن تحظى فقط بأهم ما يحتاج إليه صحفي ناشئ: الودّ والمقابلة الحلوة، بل ستأخذ أيضاً "شورت كَت" إلى زُبدة الأشياء وجوهر الأمور، فتجد الناصح الأمين الذي يحذرك من هواة الخوازيق والزُنَب ونقل الكلام، ويدلك على فاعلي الخير والصواب وهواة مساعدة المستجدّين في المهنة، وينصحك بتحاشي الإدلاء بآرائك أمام فلان، وبضرورة التبسم الدائم لعلّان، فتتفادى مطبات يمكن لوقعها أن يؤلم "عظمك الطري"، لكن المشكلة أن وصولك إلى ذلك الرضا ليس له "كتالوج" موحد، وقد كان بعض من على عماهم مثل حالاتي يطلبه بالإكراميات والعطايا، فيخيب سعيهم ويسمعون كلاماً بايخاً في جنابهم، خصوصاً في مجلة مثل "روزا"، اكتسب بعض سعاتها وموظفيها سمعة أسطورية، لأنهم من طول عِشرتهم مع كتاب وفنانين متمردين ومشاغبين، أصبحوا بدورهم متمردين وذوي شخصيات خاصة يصعب توقع ردود أفعالها.

عن نفسي، كنت حسن الحظ، لأني نلت مبكراً رضا عم عبد الراضي كبير سعاة المجلة وأحد أهم شخصياتها، ومن رضي عنه عم عبد الراضي نال رضا كل العاملين بالمجلة، وعلى رأسهم موظفو الأمن الذين تقطع تكشيرتهم الخميرة من الأحلام، وما كان ذلك إلا لأني نلت قبلها رضا الحاجة سعاد رضا مديرة عام مؤسسة روز اليوسف وقتها، وهو رضا كان أجمل ما فيه أنه جاء عن طريق الكتابة لا شريك لها. كانت الحاجة سعاد شخصية أسطورية عاصرت صعود وانهيار المؤسسة مرات عدة، واحتفظت بأسرار أبرز من مروا بمجلتيها (روز اليوسف) و(صباح الخير)، وقد حظيت ببهجة صداقتها، حتى بعد تركي العمل في الصحافة، وظللت أستمتع بلقائها من حين لآخر في منزل أستاذي علاء الديب وزوجته السيدة عصمت قنديل، وكم ألححت عليها أنا وغيري، أن تكتب مذكراتها عن العمر الذي عاشته في مؤسسة كانت الأهم في تاريخ الصحافة المصرية، دون أن نستغرب أنها لم تفعل، لأن حجم ما كانت ستضطر إلى حذفه خوفاً من غضب الزملاء وورثتهم، كان سيجعلها مذكرات منزوعة الدسم والنفع.

عن نفسي، كنت حسن الحظ، لأني نلت مبكراً رضا عم عبد الراضي كبير سعاة المجلة وأحد أهم شخصياتها، ومن رضي عنه عم عبد الراضي نال رضا كل العاملين بالمجلة، وعلى رأسهم موظفو الأمن الذين تقطع تكشيرتهم الخميرة من الأحلام

كان لقائي الأول بالحاجة سعاد حين ذهبت لاستلام أول مكافأة عما نشرته في المجلة، ومع أنها كانت 75 جنيهاً فقط، إلا أنها تظل المكافأة الأغلى على القلب والأكثر إبهاجاً للوجدان، ارتبكتُ حين قال موظف الحسابات أن الحاجة سعاد طلبت رؤيتي، فدخلتُ إلى مكتبها أقدم ساقاً وأؤخر فخذاً، لتفاجئني مقابلتها لي بحفاوة مربكة، وتحدثني عن موضوع نشرته ولفت انتباهها، فسألت عني وحين عرفت أنني لا أزال طالباً في نهائي كلية إعلام، حرصت على مقابلتي والتعرف عليّ، وبعد أن سألتني بأمومة حانية عن أخبار الدراسة والسكن والأسرة، نادت على عم عبد الراضي كبير سعاة المجلة، وأوصته بي خيراً، قائلة له عبارة مُلفتة فهمت أنها "سيم" بينهما: "خلي بالك منه، ده مش تبع حد".

كان لعم عبد الراضي برغم حدّة ملامحه، ضحكة عريضة سِمحة، تفتح النِفس على المجلة والحياة، وبفضله تحّسن موقفي في البوفيه فجأة، فلم تعد تتأخر طلباتي، ولا يتأفف أحد حين أطلب شراء سندوتشات بدلاً من النزول لشرائها بنفسي، وأصبحت آخذ عدداً مجانياً من روز اليوسف وصباح الخير كل أسبوع كغيري من الزملاء القدامى، وبالإضافة إلى ذلك لم يبخل عم عبد الراضي عليّ بعدد من النصائح كان أبرزها تحذيري من الاصطدام بواحد من قدامى الصحفيين بالمجلة، كان من عادته أن يصطدم بالقادمين الجدد ويتعامل معهم بوصفهم فرائس سائغة، وحين ذكر لي اسمه استغربت، لأنه كان يطابق اسم شاعر شهير، كان فيما مضى من كبار كُتّاب المجلة، قبل أن تبعده عنها دوامة التجارب والمنافي، ثم وصلت به تقلبات المواقف وتحولات الحياة ليصبح كاتباً ذا شنّة ورنّة في أكبر صحف البلاد، واتضح أن من حذرني منه عم عبد الراضي كان أخاه الأصغر منه بقليل والذي التحق بالمجلة منذ عقود، لكنه لم ينل نفس شهرة ونجاح أخيه.

أما في حالتنا هذه فقد تحول شقيق البطل ـ أو البوهيمي كما كنت أفضل أن أسميه ـ إلى شخصية مثيرة لاهتمامي وقلقي طيلة العام الذي قضيته في (روز اليوسف).

لم يكن من عادة عم عبد الراضي الرطرطة في الكلام، فلم يشغل نفسه بتقديم تفسير مطول لتحذيره المقتضب، لأضطر إلى اللجوء إلى بعض أولاد الحلال لأعرف معلومات عمن أصبحت أطلق عليه لقب "شقيق البطل"، تمييزاً له عن موقع "صديق البطل" الذي يلازم البطل في الأفلام، ويكون أحياناً أحب إلى الجمهور من البطل نفسه، أما شقيق البطل فكثيراً ما تسمع عنه دون أن تراه، وإن رأيته يكون ذلك في مشهد عابر، يمارس فيه الغتاتة على البطل، أو يتلقى منه نصيحة أو سُلفة أو جواباً يُكلّف بتوصيله إلى أم البطل، أما في حالتنا هذه فقد تحول شقيق البطل ـ أو البوهيمي كما كنت أفضل أن أسميه ـ إلى شخصية مثيرة لاهتمامي وقلقي طيلة العام الذي قضيته في (روز اليوسف).

كانت المعلومات التي عرفتها عن صاحبنا متضاربة بشكل زاد في غموضه وأسطرته، خصوصاً أنني تأخرت في رؤيته، قال البعض أنه كان ذات يوم صحفياً لامعاً بل وكان كاتباً أمهر من أخيه، حتى أن بعضهم كان يقول ساخراً إن "الرسالة نزلت خطئاً على أخيه بعد أن كانت تستهدفه"، وقد سمعت من أستاذنا خيري شلبي أنه كان سبب التطور الفني الذي حدث لأخيه الذي كان يكتب القصائد العمودية التقليدية، فكان أخوه يرسل له أجمل قصائد الشعر الحديث التي يقرؤها منشورة في مجلات بيروت، وهو ما أثر على أخيه وجعله يدخل ميدان كتابة الشعر الحديث ويلمع فيه. كان خيري شلبي قد عرفه في بداياته في قهوة (المسيري) الشهيرة بتجمع أدباء دمنهور فيها، وحين كتب عنه العم خيري فصلاً في كتابه الجميل (مراهنات الصبا) أشار إلى براعته الأدبية ليس فقط في كتابة القصة القصيرة، بل وفي نقد وتعديل محاولات زملائه الأدبية وهو ما كان يدفع أغلبهم إلى عرض إنتاجهم عليه واعتباره حكماً عادلاً، لكن عم خيري لم يقدم تفسيراً لانقطاعه عن الكتابة وما وصفه بأنه هزيمته في الحياة، واعتبر ذلك لغزاً غامضاً، ليظل التفسير السائد في أوساط الصحفيين أن عاصفة غرام خائب لخبطت كيانه، وتضافرت مع إحباطه بأنه لم ينل شهرة ونجاح أخيه، وعدم رضاه عن تقلبات مواقف أخيه، فجعل ذلك كله منه سكّيراً نزِقاً، يأتي إلى المجلة وهو مبسوط أكثر من اللازم، فيفتعل مشادة مع أي وجه جديد، فيضربه على قفاه، أو يبصق عليه، وأنه كان يخوض مواجهات عاصفة مع أخيه اضطرت الأخ لتحاشيه والابتعاد عنه.

لكن بعض العارفين بالاثنين قال إن كثيراً من تلك الحكايات مبالغات لا أساس لها من الصحة، وأن علاقة الرجل بأخيه ممتازة برغم تنائيهما بحكم ظروف العمل والحياة

لكن بعض العارفين بالاثنين قال إن كثيراً من تلك الحكايات مبالغات لا أساس لها من الصحة، وأن علاقة الرجل بأخيه ممتازة برغم تنائيهما بحكم ظروف العمل والحياة، وكل ما هنالك أن صاحبنا البوهيمي كان "عنده دم وضمير" ولذلك كان شديد السخط على أوضاع البلد، ولذلك كان حين يلتقي بصحفي جديد يبادر إلى نَكشِه بسؤال: "وانت بقى تبع مين من الحرامية؟"، وحين يلتقي بصحفية جديدة يحذرها من تسليم نفسها لفلان أو علّان، ولأنه لم يكن يُزوِّق كلامه، فقد ساد عنه الانطباع بكونه جلياطاً سليط اللسان، بينما هو في الحقيقة رجل حقّاني لا يعجبه حال الصحافة المائل، الذي ظل يواصل التدهور بشكل دفع ثمنه الموهوبون مثله، وهم يرون المناصب التي كانوا أحق بها تذهب إلى المتردية والنطيحة وما قرف السّبع من أكله، ولذلك كان يتخذ من قناع السكير الغاضب فرصة لبهدلة "المديوكر"، الذين لم يجرؤ أحدهم على معاقبته، لمعرفتهم أنه سيحارب من أجل حقوقه، وسيسمعهم ما يكرهونه من أسرار وتفاصيل. لكن كل هذا لم يمنع آخرين من التأكيد على أن متلازمة "البوهيمي المتمرد" يأتي معها أعراض جانبية، من أخطرها إمكانية أن يأخذك على غرّة في ساعة شيطان، فيتعرّف على شقّ مؤخرتك بإصبعه الأوسط، لا بيده اليمنى، لتصبح بعدها مُسخة الرائح والغادي، وهو ما كان يجعل البعض يولّي منه فراراً كلما رآه، في حين صمد في مواجهته آخرون قاموا بالثأر لأنفسهم، أو طبقوا في زُمّارة رقبته.

كان طبيعياً ألا أنشغل بالتحقق من نوع ودوافع بوهيمية أخينا أو بتتبع حكايته مع الزمان، بقدر انشغالي بتأمين جبهتي الداخلية من عدوان مباغت، ولذلك أصبحت حين أخرج من باب مصعد المجلة أدور بجسدي دورة كاملة في أروقة المكان، بحثاً عن ملامح وجهه الذي كان أيضاً نسخة من وجه وصلعة أخيه، حتى أنني بسبب ذلك الارتباك أهدرت ذات مرة فرصة السلام والكلام مع أحد كتّابي المفضلين، الروائي الكبير فتحي غانم، الذي كان قد جاء لتسليم مقاله الأسبوعي، ولعله لم يفهم لماذا كان "شَحطٌ" مثلي، يسير متلفتاً في كل اتجاه، وهو يكاد يُلصق ظهره بحائط الممر الضيق، وهو سلوك لم أتوقف عنه، إلا حين أقسم عم عبد الراضي أن ما سمعته مجرد تشنيعة بحق رجل قلبه مثل "البفتة البيضاء"، وكل مشكلته أنه بحالات، لكن أقصاها وأقساها لن يصل إلى حد "بعبصة" الآخرين، بل الإمساك بخناقهم إن كان متعكر المزاج، والتريقة عليهم إن راقت غزالته وعَمُرت طاسته، لكنني بعد أن سمعت بدخوله قبل أسابيع خناقة عاصفة مع رسام كاريكاتير شاب، تطورت إلى تبادل اللكمات والشلاليت، رأيت أن "سوء الظن من حُسن الفِطَن"، وعدت لالتزام أقصى درجات الحذر، خاصة بعد أن علمت أنه عاد للتردد بانتظام على المجلة لمشاكسة أهلها، برغم توقفه عن الكتابة فيها منذ زمن بعيد.

بعد طول تحرُّز، جاء لقائي "المرتهَب" به، كنت يومها قد غادرت المجلة ساعة عصاري، لأقف قُرب مدخلها المطل على شارع القصر العيني، منتظراً مرور صديق لنذهب إلى ندوة ما، وفجأة ألفيتُ البوهيمي يقترب من مدخل المبنى

بعد طول تحرُّز، جاء لقائي "المرتهَب" به، كنت يومها قد غادرت المجلة ساعة عصاري، لأقف قُرب مدخلها المطل على شارع القصر العيني، منتظراً مرور صديق لنذهب إلى ندوة ما، وفجأة ألفيتُ البوهيمي يقترب من مدخل المبنى. كان التعرف عليه سهلاً، فقد كانت ملامحه فعلاً تطابق ملامح أخيه، توترت وأسرعت بعبور الشارع إلى الجهة المقابلة زيادة في التأمين، لأفاجأ بهاتفٍ يهتف بي: "إنت ياله، إنت يا تخين انت، خد عندك رايح فين، استنى عايزك". انتفض جسدي من الذعر، وأنا أدعو الله ألا يكون هو الهاتف، وألا أكون أنا المهتوف به أو المهتوف فيه، وحين وصلت إلى الرصيف المقابل واستدرت، وجدته يشير نحوي بحركات عصبية مواصلاً الهتاف، وهو يهم بعبور الشارع، ولأنني كنت أقف في تمام الخامسة مساءً في شارع القصر العيني المزدحم بالخلائق والمركبات، لم يكن لدي الاستعداد للمخاطرة بخوض تجربة التوقف والتبيّن مما يريده فأنال منه ما لا يُحمد عقباه، فأخذت أهرول مبتعداً عنه.

في اليوم التالي، كانت المفاجأة التي عرفتها من أكثر من زميل قديم، أن البوهيمي جاءهم مستغرباً من هروبي منه، خاصة أنني كما قال لهم كدت أقتل نفسي وأنا أندفع نحو أتوبيس متحرك.

حين نظرت خلفي للتأكد من مسافة بُعدي عنه، فوجئت به يمد خطوته وهو يواصل الإشارة لي والهتاف فيّ بما لم أعد أتبينه، فقررت التخفف من أثقال التفكير، وأطلقت ساقيّ للريح، وكانا لم يلتقيا بها منذ زمن بعيد، ولذلك لم يكن من الحكمة الاعتماد عليهما وأنا أعرف سابق خذلانهما لي كلما احتجت إليهما، خاصة أنه بدأ الجري خلفي، ولذلك ما إن اقتربت من محطة الأتوبيس المجاورة لمقهى النادي النوبي، حتى استعدت مهاراتي القديمة كحارس مرمى في أيام الطفولة، وطِرت نحو باب أتوبيس كان قد انطلق لتوه، ليعينني على التوزان فوق درجات سُلّمه مواطنون شرفاء، لم يفهموا لماذا أجري هارباً من رجل عجوز يصرخ غاضباً: "خد يا عبيط انت رايح فين... خد لما أقولك ما تخافش".

في اليوم التالي، كانت المفاجأة التي عرفتها من أكثر من زميل قديم، أن البوهيمي جاءهم مستغرباً من هروبي منه، خاصة أنني كما قال لهم كدت أقتل نفسي وأنا أندفع نحو أتوبيس متحرك، وأنه كان يريد فقط أن يسلم علي ويبدي رضاه عن بعض ما كتبت، وبالطبع أنكرت بحماس شديد أن أكون قد جريت خوفاً منه، أو أن أكون قد رأيته أصلاً، ولتتسق كذبتي، قلت إنني طرت بالفعل باتجاه أتوبيس 803 (أم المصريين ـ حدائق القبة) المتجه صوب بيتي، لكي لا أضطر لانتظار التالي له نصف ساعة، ولم أحفل بتعليقات الزملاء الساخرة، لأنني كنت سعيداً بما سمعته عن نَيل رضا البوهيمي المهيب الذي لا يأمن القادمون الجدد جانبه وأصابعه، ولذلك حين التقيته بعدها بيومين في أروقة المجلة، توجهت نحوه بخطى واثقة، على مرأى ومسمع من المحيطين، لأمد يدي نحوه محيياً وناطقاً باسمه مسبوقاً بلقب "عمّنا"، شاكراً التحية التي أرسلها لي مع الزملاء، فما كان منه إلا أن رفع نحوي عينين زائغتين، وترك يدي معلّقة في الهواء وابتعد ليتركني غارقاً في خجلي، ومتجنباً التركيز مع ما حولي من ضحكات، ولم يخرجني مما أنا فيه، إلا عبارة فاجأني أنها جاءت من عم عبد الراضي بالذات: "احمد ربنا إنها جت على قد كده".

كنت ذات عصرية أقرأ رواية في خلوة البلكونة، ليخرجني من تركيزي مع أبطالها صوتٌ غير مألوف يهتف بي: "يخرب بيتك... هو انت يا وله... إيه اللي جابك هنا يا تخين"

لم يطُل مقامي في روز اليوسف، غادرتها بعد نحو عام، لكن علاقتي بشارع القصر العيني طالت واستمرت، وكنت في أوقات متفرقة، أرى صاحبنا يسير فيه، أحياناً في هدوء وسكينة، وأحياناً وقد بدا عليه الغضب فسار يُخانق ذباب وجهه ويشوّح لكل من حوله، وحين تطلبت الظروف أن أنتقل من حواري الجيزة إلى شارع القصر العيني، لأسكن قريباً من مقر عملي بصحيفة (الدستور)، اخترت شقة في عمارة قديمة، كان أجمل ما فيها أن لها شُرفتان، الأولى تُطل على بيت الأمة وضريح سعد زغلول وترى منها قلعة صلاح الدين مُطِلّة من بعيد، والثانية داخلية تبُصّ على ظهر العمارات الواقعة في شارع حسين حجازي، وقد تحولت المساحة الفارغة بين العمارات، والمصممة لإدخال النور والهواء إلى مقلب زبالة مُعتبر، فكأنك بذلك تطالع وجهي الحياة والقاهرة معاً، أو هكذا كنت أفلسف الأمر لأبرر غلوّ الإيجار، ثم اكتشفت مع مرور الوقت أن بلكونة المنظر القبيح تتميز في ضُهريّات الصيف وعصرياته بطراوة فريدة، فكنت أهرب إليها من حين لآخر، حريصاً على عدم إطالة النظر إلى الشبابيك والبلكونات، منعاً للخناقات التي يثيرها وجود العُزّاب في عمارات تكتظ بالعائلات.

كنت ذات عصرية أقرأ رواية في خلوة البلكونة، ليخرجني من تركيزي مع أبطالها صوتٌ غير مألوف يهتف بي: "يخرب بيتك... هو انت يا وله... إيه اللي جابك هنا يا تخين"، وحين رفعت رأسي نحو مصدر الصوت، وجدت البوهيمي واقفاً بملابسه الداخلية في بلكونة مجاورة، وقد بدا في أشد حالاته يقظة وروقاناً، ملوحاً لي بيديه وهو يقول بسعادة غير مبررة: "آدينا بقينا جيران يا حلو"، فلم أدرِ إن كان ذلك حفاوة أم تهديداً، ولم أجد ما أرد به سوى ابتسامة بلهاء وتلويحة يد مرتبكة دخلت بعدهما مغلقاً شيش البلكونة ومفكراً في حل عاجل للتخلص من تلك الورطة التي لم تكن على البال ولا على الخاطر.

...

نكمل الأسبوع القادم بإذن الله.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard