شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
عن الفلسطيني الذي يُخوّن الكردي

عن الفلسطيني الذي يُخوّن الكردي

رأي

الأربعاء 7 سبتمبر 202203:38 م

من خلال عملنا الحزبي والسياسي، في صفوف الحزب الشيوعي السوري في مدينة حلب، تعرفنا على الكثير من القضايا الطبقية والمطلبية والسياسية والقومية التحررية، ومعها تعرفنا على الكثير من التنظيمات الفلسطينية بجميع انتماءاتها ومشاربها، وتابعنا كل الانتفاضات والتظاهرات لأجل القضية الفلسطينية، وحق العودة الذي يطالبون به أينما وُجدوا.

منذ أواسط تسعينيات القرن الماضي، وفي ظل انحسار العمل الحزبي والسياسي بشكل كبير، نتيجة انهيار المنظومة الاشتراكية في الاتحاد السوفياتي، حاولنا جاهدين إحياء بعض من ماضينا الحزبي والسياسي والجماهيري القريب، وبدأنا بالتواصل في ما بيننا كفلول اليسار، كما كانوا يصفوننا نحن الشيوعيين واليساريين عامةً ومنا اليسار الفلسطيني (الجبهة الشعبية، الجبهة الديمقراطية... إلخ).

في ذلك الوقت، تحوّل التواصل إلى نوع من الدعم المتبادل؛ نشاطات ولقاءات وندوات وورشات عمل شبابية وحزبية. وصل بي الأمر آنذاك، كشخص كردي شيوعي، إلى أني بنيت علاقات واسعةً مع جهات فلسطينية متعددة، عناصر وقيادات، واستمرت هذه العلاقات إلى عام 2011.

كان ذلك إيماناً مني وممن هم مثلي، بتلك الأفكار التي نحملها حول مجمل القضايا الأيديولوجية، كالصراع الطبقي والاقتصادي والصراعات القومية للأقليات الموجودة في سوريا، ومنها القضية الكردية التي كان الخوض فيها يتطلب البحث عن المنفتحين على القضية الكردية ولديهم إمكانية استيعابها في محاولة البحث عن المشتركات مع الآخرين، لإظهارها إن أمكن.

في المقابل، كان هناك من لا يريد الخوض في هذا المضمار. كانت هناك فئة واسعة من الشوفينيين والمتزمتين ممن يتبنون وجهة نظر الحزب الحاكم (البعث)، بأن الأكراد انفصاليون يريدون أن يقتطعوا جزءاً من الدولة السورية وضمّه إلى الأراضي الأجنبية، أو يتهموننا بالانتماء إلى حزب العمال الكردستاني الذي لأجل المفارقة كان مدعوماً من قبل المخابرات السورية وغيرها.

بعد الـ2011 والهجرة

بعد العام 2011، بدأ التعامل مع الفلسطيني في سوريا يأخذ منحى مختلفاً. الفلسطينيون كما المجتمع السوري، انقسموا في ما بينهم، فمنهم من أصبح معارضاً ومنهم من صار موالياً ومنهم من اختار السلاح والوقوف مع النظام وشكلوا فصائل وأولويةً، كلواء القدس وغيره، ومنهم من انضم إلى جبهة العسكرة للمعارضة، وآخرون هربوا إلى بلاد اللجوء كما حصل مع أغلبنا من الذين رفضوا السلاح والعسكر والدماء.

أنا كشخص كردي من سوريا ويساري أؤمن الدفاع عن حقوق الإنسان وحق تقرير مصير الشعوب، جاهرت بتأييد استفتاء استقلال كردستان، لأتفاجأ بأن قسماً لا بأس به من أصدقائي الفلسطينيين بدأوا بتخويني

لم تمنعني حالة اللجوء من التواصل مع رفاق الدرب في بلاد اللجوء، وأيضاً مع من بقوا في الداخل بمختلف انتماءاتهم وتوجهاتهم الفكرية، يقيناً مني بأن ما بُني على فكر سليم لا بد أن يبقى. استمرت تلك الصداقات بين شخص كردي منتمٍ إلى الفكر الماركسي وبين الفلسطيني الذي يحمل الأيديولوجيا اليسارية والماركسية أو يتعاطى السياسة عامةً حتى في بلاد اللجوء، إلى أن أعلن مسعود البارزاني، رئيس إقليم كردستان، عام 2017، أنه سيجري استفتاءً لأجل إقليم كردستان، والذي ترافق مع إقامة فعاليات وتظاهرات ومسيرات في كردستان وفي الكثير من المدن الأوروبية دعماً لهذا الاستفتاء من الأكراد الموجودين في أوروبا بكثافة.

وأنا كشخص كردي من سوريا أولاً، وأحمل الأيديولوجيا اليسارية ثانياً، والتي من أهدافها وبرامجها الدفاع عن حقوق الإنسان وحق تقرير مصير الشعوب، جاهرت بتأييد هذا الاستفتاء، وعبّرت عن ذلك من خلال صفحتي على فيسبوك، لأتفاجأ بأن قسماً لا بأس به من أصدقائي الفلسطينيين بدأوا بتخويني واتهامي بالتعامل مع إسرائيل (وقتها تواجد في إحدى المظاهرات المؤيدة للاستفتاء في أوروبا من رفع علم إسرائيل)، ومنهم من تكلّم معي مباشرةً لأجل هذا التضامن، قائلاً إنني ارتكبت خطأً كبيراً ووصفه بالفعل الشنيع، ومنهم من حذفني أو حظرني من لائحة أصدقائه.

هنا تكمن المعادلة غير العادلة لهؤلاء تجاهي وتجاه القضية الكردية والتي تستدعي السؤال الأهم: لماذا لا يحق للكردي أن يكون عنده وطن أو دولة بالرغم من وجوده في أرضه وجغرافيته منذ آلاف السنين، أم أن اتفاقية سايكس بيكو التي قسمت كردستان كانت أمراً طبيعياً؟ علماً أن كردستان، وفلسطين وغيرها من الدول العربية، لم تكن موجودةً على شكل دولة لها استقلاليتها، وإنما كانت على شكل إمارات ودويلات في ظل الحكم العثماني، إلى أن جاء الاستعمار الأوروبي وقسّم المنطقة بكاملها وألبسها لباس الدولة لتظل تحكمها إلى اليوم الحالي بما يتوافق مع سياساتها، وأصبح كل حكام هذه المنطقة دمى متحركةً في أيديهم .

ساعة الفصل

إذا تتبعنا عين الحقيقة، فلن ننسى أن الاستعمار زرع الكيان الإسرائيلي، ولكن علينا ألّا ننسى أيضاً -بعض الفلسطينيين نسوا- أن سلالة صلاح الدين الأيوبي الكردي ما زالت موجودةً في تلك البقعة التي تسمّى فلسطين .

في كل الأحوال، الخلاف واضح وتوسّع، إلى أن وصلنا إلى قضية حي الشيخ جراح في القدس، السنة الماضية، بعد عملية التهجير التي تعرّض لها سكان ذلك الحي والذي يشبه حالتي ككردي من عفرين وسري كانيه والقرى الكردية الأخرى حالياً، إذ يتم تهجير الكرد والاستيلاء على أملاكهم وأراضيهم وقتلهم واعتقالهم على أيدي الفصائل العسكرية السورية التي تعمل بإمرة الجيش التركي بحجة تواجد حزب الاتحاد الديموقراطي (PYD)، سابقاً، والذي يشبه إلى حد بعيد حركتي حماس والجهاد في فلسطين، والتي مهمّتها تسليم تلك المناطق التي تحت سيطرتها إلى العدو، وخدمة أجندات إيرانية-سورية-تركية بشكل مخابراتي.

لماذا لا يحق للكردي أن يكون عنده وطن أو دولة بالرغم من وجوده في أرضه وجغرافيته منذ آلاف السنين، أم أن اتفاقية سايكس بيكو التي قسمت كردستان كانت أمراً طبيعياً؟

حينها، بدأت الاتهامات والتخوين على صفحات التواصل الاجتماعي بين الكرد من جهة، والفلسطينيين والعرب المؤيدين للإخوان المسلمين وحركة حماس وغيرها من تنظيمات تنتمي إلى المحور نفسه، والذي يا للصدفة يخدم أكثر ما يخدم السياسات الكبرى التي تتحكم في المنطقة، لتمرير مشاريع كثيرة منها استمرار الحرب في المنطقة أجمع واستمرار الأنظمة والإدارات المسيطرة والتي تنفّذ كل ما يطلب منها، مع استمرار ثقافة الحقد والضغينة تجاه بعضنا البعض.

وهنا، يقف المرء ليستعيد القليل من الهدوء وينفصل تماماً عن حماسة اللحظات التي ترافق التطورات الكثيرة في منطقة منكوبة بكل ما للكلمة من معنى. فأنا، الكردي من سوريا الذي هجرته الحرب وآلة القتل من منطقته وأرضه وبيته، لن يسمح أو يرضى بتهجير السوريين، ولا بالتغيير الديمغرافي، كما أنني لن أرضى وسأواجه كل محاولات تهجير الفلسطينيين من حي الشيخ جراح أو من غيره.

ازدواجية اليسار

اليوم، نحن أمام معادلات صعبة جداً وانشقاقات أفقية وعامودية في المجتمعات كلها، والثابت أن الأنظمة الحاكمة لا تسعى إلى التعامل مع القضية الفلسطينية، ولا تتعامل حتى مع قضايا شعوبها بالحد الأدنى المطلوب، كما لم تتعامل مع القضية الكردية في سوريا كما يجب: الاعتراف بها وعدم الإقصاء والتهميش، أو أن تمثّل نفسها بنفسها في مناطقها الإدارية على الأقل بما يتناسب مع مفهوم الدولة المدنية الحديثة، وإنما سعت وتسعى هذه الأنظمة إلى تجزئة المجزّأ وتقسيم المقسّم إلى دويلات وكتل ومافيات وفصائل صغيرة جداً جاهزة للحروب وتعميق الانشقاقات .

ذاك الفلسطيني الذي حقد على الكردي الذي تضامن مع قضية استفتاء إقليم كردستان، لماذا لا يخوّن أو يحقد على العربي الذي طبّع مع إسرائيل؟

هنا تتبادر إلى أذهاننا تساؤلات من قبيل أن ذاك الفلسطيني الذي حقد على الكردي الذي تضامن مع قضية استفتاء إقليم كردستان، لماذا لا يخوّن أو يحقد على العربي الذي طبّع مع إسرائيل؟ فالتطبيع نتيجته انصهار الفلسطيني مع الإسرائيلي معاً في دولة إسرائيل الكبرى مستقبلاً، ولن يبقى شيء من القضية الفلسطينية خاصةً أن أكثر من 60% من الدول العربية طبّعت وتطبّع مع إسرائيل سرّاً وعلانيةً. ألا يُعدّ هذا التطبيع خيانةً عظمى وكبرى؟

ويتبادر إلى الأذهان أيضاً، أن قسماً لا بأس به من اليساريين عامة واليسار الفلسطيني خاصةً، يعيش حالة ازدواجية متداخلة من المفاهيم التي تُبنى عليها أيديولوجيتهم اليسارية، والتي أساسها الحرية والديمقراطية وحرية التعبير والدفاع عن حقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير مصيرها. فأين هم منها اليوم؟

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

Website by WhiteBeard