شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
صناعة الآلهة... لا فرق بين طه حسين والشيخ بخيت

صناعة الآلهة... لا فرق بين طه حسين والشيخ بخيت

ثقافة

الخميس 8 سبتمبر 202210:42 ص

في أيام لا يعلم بها إلا ربّنا، كلما توفي شاعر أو كاتب زفّه سلفيون يجهلونه. يشيعونه باللعنات، ولا يراعون للموت حرمةً، ولا للأهل حزناً، ويسارعون إلى الشماتة، ويجترون كلمتي "نُفوق فلان"، كأنه ليس إنساناً. وبهذا الوصف السلفي يتساوى فرج فودة وصلاح عيسى ونوال السعداوي ومحمود درويش. قال لي الشاعر الأردني/الفلسطيني خيري منصور إن درويش، بتأثير شعره، أهمّ من فلسطين.

لو مات قاسم أمين، في هذا الزمن الرديء، لكتبوا "نُفوق مؤلف كتاب تحرير المرأة". بعد وفاة قاسم أمين بسبعة أيام قرأ محبوه نعياً لائقاً، يوم الجمعة 30 ربيع الأول 1326هـ (أول أيار/مايو 1908)، في مجلة شهيرة، على مساحة أربع صفحات.

مصاب مصر بقاسم بك أمين

قال المحرر إن قاسم مؤلف كتابي "تحرير المرأة" و"المرأة الجديدة"، والقاضي بمحكمة الاستئناف الأهلية، ونائب رئيس إنشاء الجامعة المصرية، "اغتالته المنية فجأة"، وإنه من النادرين الذين يشعر أهل البصيرة من أمتهم "بأنهم فقدوا من لا يقوم مقامه غيره"، وإنه من علماء الحقوق والأخلاق والاجتماع والفلسفة، وأراد بكتابيه ترقيةَ العائلات "بتعليم النساء... وتمدينهن، وتمنى مشاركة الفتيات المصريات للفتيان في محافل العلم والأدب".

لو مات قاسم أمين، في هذا الزمن الرديء، لكتبوا "نُفوق مؤلف كتاب تحرير المرأة". وبهذا الوصف السلفي تساوى فرج فودة وصلاح عيسى ونوال السعداوي ومحمود درويش

واعتبره خامس المصلحين بعد الإمام محمد عبده، "كان قاسم كنزاً مخفياً لا يعرفه إلا أصدقاؤه... وجملة القول فيه أنه يصدق عليه ما قاله هو في تأبين الأستاذ الإمام من أنه لا يوجد في الأمة من يملأ الفراغ الذي كان يشغله".

حمل المقال عنوان "مصاب مصر بقاسم بك أمين"، وكاتبه ليس أحمد لطفي السيد ولا سعد زغلول، وإنما هو الشيخ محمد رشيد رضا، صاحب مجلة "المنار". وفي العدد التالي خصص صفحة عنوانها "كلمات لقاسم بك أمين"، وذكّر بأنه نعاه إلى القراء الشهر الماضي. وبعد النعي تأتي الذكرى ممثلة بآراء وخواطر كتبها قاسم أمين، وسلمها "إلى إدارة الجريدة"، وأول مأثوراته: "الحرية الحقيقية تحتمل إبداءَ كلِّ رأي ونشر كلّ مذهب وترويج كلّ فكر". وقد أتعبني التوصل إلى هذه المقولة في أعمال قاسم أمين، ثم عثرت عليها في "المنار"، رواها الشيخ رشيد رضا. وجرفتني السياحة، أو السباحة، في "المنار" حتى نهاية المجلد الحادي عشر.


دعوة إلى انتقاد المجلة

"الحرية الحقيقية تحتمل إبداءَ كلِّ رأي ونشر كلّ مذهب وترويج كلّ فكر"

في الصفحة الأخيرة من مجلد السنة الحادية عشرة، بعد عدد 29 ذي الحجة 1326 هجري (22 كانون الثاني/يناير 1909)، وجه المحرر دعوةً إلى انتقاد "المجلة" نقداً غيرَ مرسل، "لا نقبل نقداً مبنياً على ما يتقوّله بعض الناس على المنار... وإنما نقبل الانتقاد على فقرة تنقل بنصها من المنار".

هكذا تحرّيت مقولة قاسم أمين، فاهتديت إلى أخرى عن أصول الانتقاد المبني على الدقة لا التقوّل، والمتسلح بالمنهج العلمي لا التوتر العصبي الناتج عن فائض كهرباء بالمخ، أو غلوّ في الغيرة على ما يراه البعض ديناً، ويخافون على الله أن يمسه مكروه لرأي هنا أو اختلاف هناك. وفي العقلية اليقينية لا فرق كبيراً بين علمانيّ وسلفي.

أصابتني سهامٌ مقصودة وطائشة بعد مقالات وتساؤلات وسرد وقائع تبدأ بطه حسين، ولن تنتهي بالشيخ محمد بخيت المطيعي. مقولة قاسم أمين تنتهي بأنه لا قداسة لأحد، ولا خشية على شيء. الثقة تقتضي الترحيب بانتقاد من وما نحبّ. وقد فاجأني مقال "نجيب محمد البهبيتي في مواجهة معسكر طه حسين!" في مجلة "الجديد" اللندنية، أيار/مايو 2022، ولا أعرفه كاتبه صلاح حسن رشيد الذي ذكر وجهاً آخر للعميد، وقسوته مع تلميذه البهبيتي الذي أقرأ اسمه للمرة الأولى. وتكرم المخرج المغربي عبد الإله الجوهري بتأمين نسخة من كتابه "المعلقة العربية الأولى"، وسيرسلها مع أي قادم إلى مصر.

وكتبت سطوراً عن جناية العميد على تلميذه النابه. لا أتسامح مع ظلم، ولا تشفع لظالم مكانته وما يحظى به من قداسة. ولو صحت واقعة ظلم البهبيتي، فهي تسيء إلى الأستاذ والعميد، ولا تنال من جهوده التي أحدثت أخطر تحوّل في الدراسات النقدية والتاريخية في القرن العشرين. طه حسين هو العقل المصري الأكبر الممثل لهذا القرن. وكلامي الذي أغضب محبّي طه حسين كتبته متجرداً. لماذا يُحارب باحث، إلى درجة القتل، فيغادر مصر، وتثمر موهبته في المغرب، ومنها سيأتيني كتابه. لست بحاجة إلى القول إن طه حسين لو لم يكن أديباً لصار موسيقياً عظيماً. لغته تشهد، والإنصات إلى أحاديثه القليلة يدفعني إلى إعادة اكتشاف اللغة العربية بحواسي كلها، وإدراك جمالها.

طه حسين لو لم يكن أديباً لصار موسيقياً عظيماً. لغته تشهد، والإنصات إلى أحاديثه القليلة يدفع إلى إعادة اكتشاف اللغة العربية بالحواس كلها، وإدراك جمالها

وفي رصيف22 نشرتُ مقالاً عنوانه "نجيب محفوظ.. هل أنقذه الخواجة نوبل من التطاول والنسيان؟"، وفي صفحتي على الفيسبوك تأسفت الأديبة والباحثة الإسلامية الدكتورة فوزية العشماوي على مستوى "مقال لا يليق بمحفوظ". يحق لها تماماً، ولغيرها بالطبع، أن ترى المقال ضحلاً، متهافتاً، لا يتسم بالعمق الكافي. لكنها اتهمت المقال بالافتراء على جمال الغيطاني "وهو من أخلص وأقرب المريدين المحبين لنجيب محفوظ، ويعتبر محفوظ الأب الروحي والمعلم والأستاذ، ولم يكن الغيطاني من شلة االانتهازيين الذين التفوا حول محفوظ بعد نوبل". وهنا أعود إلى جملة رشيد رضا في المنار عن التأني والتثبت، لا الانفعال والتقوّل: "نقبل الانتقاد على فقرة تنقل بنصها". فلنحتكم إلى النص.

للغيطاني ذُكر في موضعين؛ لم يجد ناشراً بيروتياً لكتابه "نجب محفوظ يتذكر"، بسبب الحصار العربي لمحفوظ، فأنقذته حماسة إبراهيم العريس رئيس تحرير مجلة "المسيرة". نُشر الكتاب مسلسلاً، وطبعته دار المسيرة عام 1980. فأين إساءتي إلى الغيطاني؟ وفي الموضع الثاني كتبتُ: "قال جمال الغيطاني، عام 1985، إنه تجاوز محفوظ". فأين الافتراء؟ إليكم التفاصيل بإيجاز. في آب/أغسطس 1985 قال الغيطاني، في حوار نشرته مجلة "الدوحة"، إنه قرأ لتوفيق الحكيم في سن متأخرة، "والكتاب الذي أثر فيّ من كتب الحكيم يمت إلى المذكرات وهو زهرة العمر، أما مسرحه فأجهله". وفي مرحلة متأخرة قرأ قصصاً ليوسف إدريس "لمجرد الفضول، وقصصه تكرار لتشيكوف... يكتب بلغة عادية".

السيدة سارة، التي أجرت المقابلة في القاهرة، سألت الغيطاني: "منذ البداية كنتَ تشعر بالرغبة في أن تكتب شيئاً لم تقرأ مثله، وكنت تطمح إلى تجاوز نجيب محفوظ وتولستوي ودوستويفسكي، فما رأيك؟ هل نجحت؟". فأجاب:  عليكِ بمراجعة أعمالي من جديد".

- يهمني رأيك الخاص.

ـ نعم.. لقد تجاوزتهم.

فلما الذي تجاوزتُه، ببضع كلمات في المقال، لكي أُتّهم بالافتراء؟ يصعب نقض معلومة في نصّ منشور لم يكذبه الغيطاني، ولا يمكن محوه. وليس للناقد الطيب أن يتبرأ نيابة عن كاتب لم ينكر كلامه. ويستطيع الناقد الطيب إيضاح سياق الحوار، بدلاً من استسهال إلقاء حجارة التقوّل. الحكيم ومحفوظ وإدريس كانوا كباراً. لم تكن أعصابهم عارية، فيتكهربوا ويتهموا الغيطاني بالبارانويا والانتقاص من إنجازهم. أيّ رأي هو مجرد رأي، لا يهزّ بنياناً راسخاً. السيدة سارة أجرت أيضاً حواراتٍ مع صنع الله إبراهيم وإبراهيم أصلان، وأحدثت أصداء أثارت انتباه أحمد بهاء الدين، فكتب عنها "يوميات" في الأهرام. لم أحتفظ بمقال بهاء الدين الذي قرأته وأنا طالب. ضعف الطالب والمطلوب.

لو صحت واقعة ظلم البهبيتي، فهي تسيء إلى الأستاذ والعميد، ولا تنال من جهوده التي أحدثت أخطر تحوّل في الدراسات النقدية والتاريخية في القرن العشرين. طه حسين هو العقل المصري الأكبر الممثل لهذا القرن 

في رصيف22 أيضاً نشرت مقالي "الشيخ بخيت... زرع في دستور1923 لغماً مزمناً لا يبطل مفعوله إلا بمعجزة". يتعلق الأمر هنا بجموع، والبعض يلتقط نهاية خيط مدّه أخوه، فيزايد عليه بمغالاة في قضية يسمع بها للمرة الأولى. القضية تتعلق بمادة دستورية سبقها جدالٌ بين الشيخ بخيت وآخرين أصدروا بياناً عنوانه "خدعوك يا بخيت". وجاءت ردود الفعل من خارج نصّ مقالي، تماماً مثل الاتهام المجاني من الأديبة والباحثة الإسلامية فوزية العشماوي بالافتراء على الغيطاني. قيل إن المقال "حاول تقزيم دور فضيلة الإمام والحطّ من شأنه"، وإنه "متحيز للغاية ضد رجل فعل ما يمليه عليه دينُه، جزاه الله خيراً عما قدّم لدينِه وأمّته".

أما أكثر اتهام ينطلق من العاطفة، ويحاول الإيحاء بحقيقة، فيتهم مقالي بأنه ملغوم، مليء "بالحقد والأغاليط وخلط الأمور والتجني على العالم بخيت المطيعي الذي دافع عن الهوية وطرح اقتراحاً أجمع عليه أعضاء لجنة الدستور بمن فيهم المسيحيون ولا صلة بذلك بالتوظيف السياسي الاستبدادي (أو الحركي) فيما بعد... فهم وظفوا كذلك الشيوعية والليبرالية وكلّ ما يخدم استبدادهم". لا يقطع بهذا الأمر إلا مشارك في لجنة دستور 1923، أو مطلع على مداولاتها، لتتأكد له حكاية الإجماع.

إنني، يا قوم، لم أقترب من حياة الشيخ، ولم أنل من اجتهاداته. كنت معنياً بمسألة محددة هي مادة الدين في دستور 1923، وما أُثير آنذاك بشأنها. ويعلم الله، يا قوم، أنني أشفقت عليكم، فتجنبت ذكر قصيدة بيرم التونسي الأشبه بقذيفة، أو ضربة مقصيّة خاطفة:

أول ما نبدي القول نصلي ع النبي

نبي عربي يلعن أبوك يا بخيت

تجنبتُ ذكر هذه القصيدة، احتراماً لعواطفكم. وربنا يرحمهم ويرحمنا. 

Website by WhiteBeard