أساطير الردة وفتاوى القتل... عن الغزالي مرة أخرى لعلها تكون أخيرة

الخميس 11 أغسطس 202212:04 م

 أكره الدم، وأدعو بالهداية للمحرضين عليه. ولا أحتمل أن أشهد الذبح في عيد الأضحى، وتفشل محاولاتي تجنيب أطفال الأسرة رؤية طقس يدعوهم إليه أولياء أمورهم. وأعجب لتباهي شيخ سلفي يقص كيف أمر خالد بن الوليد بفصل رأس مالك بن نويرة، ووضع رأسه بجوار حجارة فوقهما قدر لحم، وجعل شعر رأسه وقودا لإنضاج الطعام.

أكره الدم وإزهاق الروح عموماً، وأتمنى أن أشهد إلغاء عقوبة الإعدام، حتى لقتلة يذلّهم السجن المؤبد أكثر من إراحتهم بالإعدام. وما كنت في مقالي عن الشيخ محمد الغزالي "محرضاً على مصادرة الإبداع والأرواح"، في رصيف22 الأسبوع الماضي، أستهدف موقفه من قتلة فرج فودة، ذكرت ذلك تحصيل حاصل.

اغتيل فرج فودة في 8 حزيران/يونيو 1992، قبل أن تتيح الهواتف المحمولة للهواة، والعابرين بالمصادفة، فرص التوثيق الفوري للوقائع والمحاكمات. ويجري الآن نفي ما شهد به الغزالي في المحكمة، وما استقر في الضمير العام المصري من تكفيره للقتيل، ودفاعه عن القتلة.


يبدأ بيان الجماعة الإسلامية بتسويغ القتل: "قتلناه... ليس قمعاً لحرية الفكر وإنما وقفاً لحرية الكفر". هذا افتراء على رجل ظل يشهد ألا إله إلا الله، ويعلن أنه لا اختلاف على الإسلام/الدين، لكنه يرفض الدولة الدينية

وكان عليّ اللجوء إلى السجل الورقي، كوثيقة يستحيل التلاعب بها، كما يجري أحياناً مع وثائق إلكترونية يمكن التدخل فيها، وتزوير بياناتها. وهالني أن تضم الساحة الدامية آخرين غير الغزالي، أحزاباً وصحفاً وأساتذة في جامعة الأزهر، وحركيين يستحلون القتل الصريح، وهم أعضاء في "الجماعة الإسلامية" التي أصدرت بياناً عنوان "نعم قتلناه"، وتحته عنوان تفصيلي: "ذاك الكاره والمحارب للإسلام فرج فودة".

يبدأ بيان الجماعة الإسلامية بتسويغ القتل: "قتلناه... ليس قمعاً لحرية الفكر وإنما وقفاً لحرية الكفر". هذا افتراء على رجل ظل يشهد ألا إله إلا الله، ويعلن أنه لا اختلاف على الإسلام/الدين، لكنه يرفض الدولة الدينية. وتحصي الجماعة ضحاياها، ومن فشلت محاولات اغتيالهم، "ولن تتوقف مسيرة حربنا لأعداء الله حتى يطلق سراح الدعاة إلى الله المودعين بالمعتقلات منذ ثلاث وأربع سنوات... فاليوم فرج فودة. وبالأمس رفعت المحجوب (رئيس البرلمان الذي اغتيل في 12 تشرين الأول/أكتوبر 1990). وغداً لا يعلم مكنونه إلا الله. فليحذر امرؤ لنفسه. وكل امرئ حسيب نفسه!!". وفي 30 حزيران/يونيو 1992 أسفر الغزالي عما في قلبه، ولم يترحم على فودة.

في مقاله الأسبوعي "هذا ديننا"، بجريدة "الشعب" صوت حزب العمل الاشتراكي المتحالف مع الإسلاميين، كتب الغزالي أن فودة "صورة عربية للعقيد جون جارانج الزنجي الذي يحارب الإسلام في السودان، ويريد وضع دستور علماني لشماله وجنوبه معاً". الغزالي ساوى بين فودة والمتطرفين، كلاهما منحرف. ولم يذكر أنه لم يحمل سلاحاً، ولم يروّع آمناً، ولم يُكره أحداً على شيء.

وقبل المحاكمة الجنائية بدأ الغزالي محاكمة أخلاقية لقتيل "يلجأ كثيراً إلى المجون!". وبالتوازي مع الغزالي، بدأت خطة لشيطنة فودة، تبنّتها صحيفتا "الأحرار" و"النور" الأسبوعيتان الصادرتان عن حزب الأحرار الاشتراكيين. ففي 3 آب/أغسطس 1992 بدأت صحيفة الأحرار نشر حلقات كتاب "من قتل فرج فودة؟".


 الكتاب ألفه الدكتور عبد الغفار عزيز رئيس ندوة العلماء التي كفّرت فودة قبل اغتياله بأيام. المؤلف عزيز، رئيس قسم الدعوة بجامعة الأزهر، يسخر من فودة، ويسميه "الأنبا"؛ لدفاعه عن قضايا المسيحيين في مصر، "وتبنّيه لمطالبهم... واختيار أغلبية المؤسسين لحزب المستقبل منهم... وقد تقدمت ندوة العلماء بالاعتراض على تأسيس الحزب بعد إحساسها بالغرض الحقيقي منه إنشائه".
لم يذكر شيئاً عن الغرض الحقيقي، ولكنه واصل مزاعمه قائلاً إن "الأنبا فرج فودة" ظل "يحرض النصارى على المسلمين، ويعلن بأن هناك تعصباً وظيفياً". وانتقل من محاكمة فودة إلى إدانة العلمانيين، قائلاً: "التيار الإسلامي يطالب بمحاكمة العلمانيين بتهمة التطرف لأنهم أشد خطراً من المتطرفين دينياً".
أكره الدم وإزهاق الروح عموماً، وأتمنى أن أشهد إلغاء عقوبة الإعدام، حتى لقتلة يذلّهم السجن المؤبد أكثر من إراحتهم بالإعدام
صحيفة النور الدينية نافست شقيقتها الأحرار. في 19 آب/أغسطس 1992 نشرت تحقيقاً عنوانه "هيئة الكتاب في قفص الاتهام"؛ رفضاً لنشر الهيئة العامة للكتاب مؤلفات القتيل.
في هذا التحقيق لم يأسف صبري عبد الرؤوف أستاذ الفقه المقارن بكلية الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر على قتل مواطن ظلماً، واستكثر الاستنكار العام للجريمة، "حتى تجعلوا العلماني شهيداً؟"، ورأى أن نشر الكتب "جريمة في حق الشباب وحق الثقافة وحق المجتمع الإسلامي" وإضافة إلى الفنون الصحفية كانت رسائل القراء، الحقيقية والمفتعلة. وأختار رسالة في بريد القراء بتوقيع سامي السيد الصفتي من محافظة المنوفية، عنوانها "طبع كتب فودة تحدي للإسلام والمسلمين". ولعل العجلة أعمت عليهم الخطأ النحوي.

أرجع خطوة إلى ما قبل الاغتيال بأسبوع. في 1 حزيران/يونيو 1992، نشرت صحيفة النور بيان ندوة علماء الأزهر، يكفر فرج فودة، ويدعو إلى إقامة حد الردة عليه. للسائلين عن "ندوة العلماء"، أجاب الدكتور عبد الغفار عزيز، في 12 آب/أغسطس 1992، بأن أمينها هو الدكتور محمد حماية رئيس قسم الدعوة بكلية أصول الدين بأسيوط، ومن أعضائها الدكاترة حلمي صابر ومحمد عبد المنعم البري الأستاذان بكلية الدعوة بجامعة الأزهر بالقاهرة. وأتقدم خطوة بعد إنجاز الاغتيال، إذ عقدت لجنة الحريات بنقابة المحامين مؤتمرها السنوي في حزيران/يونيو 1995، بمدينة جمصة، واستضافت عبد الغفار عزيز والدكتور محمود مزروعة أستاذ العقيدة، العميد السابق لكلية أصول الدين.


نشر أسامة سلامة في مجلة "روزاليوسف"، في 19 حزيران/يونيو 1995، تقريراً عنوانه "على منصة نقابة المحامين: قتلة فرج فودة يعلنون تكفير المفكرين وبراءة الإرهابيين!". وتضمن نفي مزروعة وجود "إرهابيين"، واعتبر القتلة "مواطنين عاديين". وتراجع أمام المدّ المستنكر لتسويغ القتل قائلاً إنه لم يصرح بذلك، فنشرت روزاليوسف تحت عنوان "الكذاب" نص كلامه مسجلاً، وهو يقول: "دماء زكية تزهق، ثم يقال ثلاثة إرهابيين ماتوا". وقال إنه كان خارج مصر، حين صدرت فتوى قتل فودة، فواجهوه بأنه رضي بالفتوى، ولم يرفضها بعد عودته إلى مصر، ولم يستنكر القتل. وكان مزروعة، في شهادته أمام المحكمة، قد اصطف مع الغزالي، وصرح بما وقر في نفسه.
صحيفة "الشعب"، في ربيع تحالف حزب العمل والإسلاميين، اهتمت بتفاصيل جلسة المحكمة يوم 3 تموز/يوليو 1993، وقد تابعها خالد يونس، ونشرت بعناوين "د. محمود مزروعة رئيس قسم العقائد بالأزهر ينضم للشيخ الغزالي: فرج فودة مرتد نذر حياته للحرب على الإسلام. يجوز لآحاد الأمة تطبيق حد الردة منعا للفتنة والفساد".

وكانت الصحف أكثر اهتماماً بشهادة الغزالي، "المعتدل"، القائل: "فرج فودة بيقين كان خصماً للإسلام". ونشرت "الأهرام" في 23 حزيران/يونيو 1993 قوله إن القصاص من المرتد مسؤولية القضاء، "ولا يجب أن يقوم آحاد الناس بتطبيق حد الردة، وإذا حدث ذلك يكون مفتئتاً على السلطة". وعن حكم المرتد قال: "يستتاب أولاً ثم يقتل".

سير المحاكمة أخطر من شهادة الغزالي ومزروعة. في 14 حزيران/يونيو 1993 طالب دفاع المتهمين سماع شهادة ثلاثة من رجال الدين (محمد الشعراوي والغزالي ومحمد عمارة) "كشهود نفي، وإحضار تقارير من علماء دين خارج مصر تتناول رأي الشرع في جميع مؤلفات فرج فودة". وتمادى الدفاع فطلب، في جلسة 2 آب/أغسطس 1993، "إحضار أصل فتوى الأزهر حول حكم المرتد"، وقدم كتباً في الشريعة والفقه الإسلامي لضمها إلى القضية. هذه التفاصيل العبثية تقول إن القضية خلاف فقهي، وليست جريمة قتل كاملة الأركان. واستجابة المحكمة لهذا السخافات توحي بأن الواقعة تجري في أفغانستان تحت حكم طالبان، لا في مصر التي لا تخلو من المضحكات.


الغزالي ساوى بين فودة والمتطرفين، كلاهما منحرف. ولم يذكر أنه لم يحمل سلاحاً، ولم يروّع آمناً، ولم يُكره أحداً على شيء
جلسة المحكمة، في 28 كانون الثاني/يناير 1994 خطيرة. خيط انتهى بمهزلة الحكم بتفريق الدكتور نصر أبو زيد عن زوجته الدكتورة ابتهال يونس عام 1995. لا هذه ولا تلك محكمة شرعية تقضي في عقائد الناس، وأحدهم قتيل. لكن محكمة أمن الدولة العليا "طوارئ" أخذت، بجدية، اتهام دفاع قتلة فودة بأنه مرتد، "وقتله يعد فعلاً مباحاً".
المحكمة اعتبرت اتهام القتيل "من الدفوع الموضوعية"، لكنها رفضت "الاحتجاج قانوناً بإباحة الحقوق للأفراد بمقتضى الشريعة... لا يجوز أن يترك اتهام الناس بالكفر وإنفاذ العقوبة بينهم للأفراد يكفر بعضهم بعضاً تبعا لأهوائهم أو تأثراً  بفتاوى ضالة أو مضللة لأدعياء العلم بالدين". فهل يحق للسلطة إنفاذ قتل المرتد؟!

فتح باب الجحيم، بتهمة الردة، ينتهي بقتل تارك الصلاة. لا فرق بين عمر عبد الرحمن و"الدعاة الوسطيين"، الغزالي والشعراوي وأحمد كريمة والحبيب علي الجفري أو علي الجفري الحبيب، فلا أدري أيهما الاسم وأيهما الصفة. قال الشعراوي إن تارك الصلاة منكراً  لها "يقتل حداً... وإن كان كسلاً يستتاب ثلاثة أيام ثم يقتل".  فتوى شعرواية سارية، يعيد إنتاجها الجفري مزيدة ابتسامة، لزوم التصوير التلفزيوني. فماذا يفعل مرتد متفق على قتله؟ بالمخالفة لآية "إن الذين آمنوا ثم كفروا، ثم آمنوا ثم كفروا، ثم ازدادوا كفراً لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلاً". يا لجبروت المرتد، لقدرته على العودة إلى الحياة كلما قُتل!

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard