شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اترك/ ي بصمَتك!
تجريم الإجهاض يفتح الباب أمام عيادات الموت في لبنان... 2000 دولار لعملية غير آمنة

تجريم الإجهاض يفتح الباب أمام عيادات الموت في لبنان... 2000 دولار لعملية غير آمنة

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

حياة نحن والنساء

الخميس 8 سبتمبر 202210:12 ص

شعرت ت. ن.، وهي شابة لبنانية تبلغ من العمر 25 عاماً، بأن الحياة توقفت بالنسبة إليها في اللحظة التي اكتشفت فيها أنها حامل، بعد علاقة جنسية ضمن إطار الزواج، وذلك لعدم رغبتها في الحصول على طفل. وبعد أن استفاقت من صدمتها، بدأت رحلتها في البحث عن حل، ولم تنتهِ الأمور على خير.

"قررتُ تناول دواء اسمه Cytotec، بناءً على وصفة من صديقة، فتعرضتُ لنزيف قوي"؛ تروي لرصيف22، مشيرةً إلى أن التجربة كانت قاسيةً، "فلم أشعر بيديّ، ووجهي تحوّل إلى اللون الأصفر، ولم أخرج من الحمام حتى غبت عن الوعي، لأستيقظ وأجد نفسي في المستشفى قريبةً من الموت بحسب شهادة الطبيب الذي عالجني".

لم تنتهِ تداعيات الحادثة في المستشفى، بل تركت التجربة أثراً نفسياً سلبياً عليها: "عشتُ اكتئاباً حادّاً، وصرت أخاف من خوض علاقة جنسية مع زوجي، وأخاف من نفسي ومن جسدي". عدا ذلك، أصيبت الشابة بورم في الرحم بعد عام على ما تصفه بـ"التجربة المريرة".

39 ألف وفاة سنوياً نتيجة الإجهاض غير الآمن

تستخدم كثيرات من اللبنانيات وسائل وقائيةً معروفةً لتجنّب الحمل غير المرغوب فيه، لكن في بعض الحالات تفشل هذه الإجراءات ويحدث الحمل، وعندها تفكر المرأة في الإجهاض، مع ما يحمله هذا القرار من تبعات اجتماعية وقانونية وصحية.

ويشكّل تمكين المرأة من الحصول على خدمات الإجهاض الآمنة، تحدياً من التحديات العديدة والكثيرة التي تواجه النساء في بلادنا العربية. وبالرغم من أن الإجهاض مجرَّم قانونياً، إلا أن ذلك لا يمنعهن من القيام به، وإن كان يتم بطريقة غير آمنة.

وتشير منظمة الصحة العالمية، إلى أن العالم يشهد 25 مليون عملية إجهاض غير آمنة سنوياً، وتسفر هذه العمليات عن إدخال ملايين النساء إلى المستشفى، بسبب المضاعفات، وتقع ضحيتها 39 ألف وفاة سنوياً.

في لبنان، لا توجد أي أرقام أو إحصاءات رسمية حول عدد عمليات الإجهاض التي تجري في المستشفيات، يقول لرصيف22، الطبيب النسائي اللبناني إيلي بركات، مشيراً إلى أن من الصعب للغاية أن نعرف ما إذا كانت العمليات التي تحصل قانونيةً أم لا، كاشفاً أنه في حالات كثيرة لا تُسجَّل العمليات، وأغلبها يحصل في القطاع الطبي الخاص، لا الحكومي.

ويوضح: "نحن الأطباء ممنوع علينا في لبنان إجراء عملية إجهاض، إلا إذا توقف نبض الجنين وأصبح يشكل خطراً على سلامة الحامل".

وفي ما خص أدوية الإجهاض، يشير بركات إلى أن كل امرأة تحصل على اختبار حمل إيجابي، عليها أن تقوم بالفحص من خلال الموجات الصوتية (Ultrasound)، من قبل أخصائي أشعة أو طبيب نسائي لتأكيد موقع الحمل. فإذا حدث الحمل خارج الرحم (0.5 إلى 2% من الحالات)، يكون تناول الميزوبروستول (Misoprostol، وهو الاسم الجنريك للـCytotec)، أو دواء الإجهاض، غير فعّال وستتعرض المرأة لآثار الدواء الجانبية من دون إسقاط الحمل.

ويشرح أن نجاح الإجهاض بالدواء يختلف من امرأة إلى أخرى، وفقاً لطريقة تناوله. فإذا كانت قد أنجبت سابقاً، تكون فرص نجاح الإجهاض بالدواء أعلى مقارنةً بالمرأة التي لم تنجب بطريقة طبيعية من قبل. كما أن الإجهاض بالدواء يكون فعالاً لغاية الأسبوع الخامس أو السادس من الحمل، أما إذا زادت مدة الحمل عن ذلك، فتحتاج الراغبة في الإجهاض إلى عملية.

ويؤكد الطبيب أنه حتى عندما تُجري امرأةٌ إجهاضاً طبياً وتنجح العملية، يتعين عليها إجراء فحص الموجات الصوتية للتأكد من أن كل شيء نُظّف من داخل الرحم، أو تحتاج إلى إعادة أخذ ميزوبروستول أو إلى عملية ثانية.

سوق سوداء للإجهاض

يُشير بركات إلى أن العلاج الطبي بحد ذاته لا يسبب العقم، إنما الإجهاض الجراحي هو الذي قد يؤدي الى إتلاف تجويف الرحم، مشيراً إلى أنه إذا كانت المعدّات المستعملة غير آمنة، يمكن أن تتسبّب بأمراض في الرحم، منها انثقاب الرحم والالتهابات، أو التصاق الرحم، وهذا قد يؤدي إلى العقم على المدى الطويل.

ويلفت إلى أنه، وبالرغم من أن الطبيب الذي يمارس الإجهاض يحاسَب قانونياً، إلا أن البعض لا يكترث ويقوم بالعملية عادةً في عيادات خاصة، وبأسعار باهظة، نظراً إلى المخاطر القانونية، وإلى عدم وجود رسوم محددة، أي هناك ما يشبه السوق السوداء للإجهاض في لبنان، كما في دول أخرى أيضاً.

شعرت ت. ن.، وهي شابة لبنانية تبلغ من العمر 25 عاماً، بأن الحياة توقفت بالنسبة إليها في اللحظة التي اكتشفت فيها أنها حامل، بعد علاقة جنسية ضمن إطار الزواج، وذلك لعدم رغبتها في الحصول على طفل...

كانت ز. ع.، تبلغ من العمر 21 عاماً عندما علمت أنها حامل خارج إطار الزواج. ارتعبت من ردة فعل أهلها ومجتمعها المحافظ تجاهها إذا ما علموا بما حصل معها. حاولت أن تُجهض لدى أطباء، ولم تفلح محاولاتها العديدة بسبب رفضهم إجراء عملية لها، إلى أن عثرت وصديقها على طبيب يقبل بذلك مقابل مبلغ مالي مرتفع.

تروي لرصيف22: "دخلتُ في علاقة حب مع شاب أنتجت حملاً غير شرعي، وغير مرغوب فيه، بالرغم من استعمال وسائل منع الحمل. لم نكن قادرين على تحمّل مسؤولية ولد وزواج، فلجأت إلى طبيبٍ وصلت إليه من خلال بعض الأصدقاء، فكان شرطه أن ندفع مبلغ ألفي دولار للإجهاض داخل عيادته وبشكل سرّي".

ظنّت الشابة أن الأمور ستسير على ما يرام. لم تكن تعلم أنه عند انتهاء مفعول البنج ستشعر بآلام حادة. فبعد ساعات من انتهاء العملية، بدأت نوبات الألم الشديد. تقول: "حاولتُ الاتصال بالطبيب الذي أجرى لي العملية لمساعدتي، لكنه لم يجب على رسائلي ومكالماتي، وبعد مرور أشهر تبيّنت إصابتي بالتهاب بطانة الرحم".

وسائل الإجهاض "السرّي" التي تُستخدَم في العيادات متنوّعة، كوصف أدوية أو إجراء عمليات، يشرح ممرضٌ يعمل في مستشفى خاص، تحدث إلى رصيف22، مشترطاً عدم ذكر اسمه واسم مكان عمله.

يشير إلى أن الطبيب الذي يقوم بهذا الفعل يعتمد على تكتّم المرأة التي ترغب في الإجهاض، كونها ستكون ملزمةً بالسرّية أكثر منه، ويلفت إلى أن أغلب الطرق المستخدمة غير آمنة، لأنها تحصل داخل عيادات غير مجهزة للتداعيات، في حال حصلت، كالنزيف على سبيل المثال.

أما أدوية الإجهاض، فتباع في الصيدليات بشكل قانوني، ولكن بيعها يختلف من صيدلية إلى أخرى. فبحسب الصيدلانية دينا أسعد، يرتبط بيع دواء الإجهاض في الصيدلية بأخلاق الصيدلاني، فـ"إذا كان ذا ضمير لا يبيع الدواء من دون وصفة طبيب نسائي مع تقرير يشرح سبب الإجهاض". إلا أن الأمر لا يخلو من بعض الصيادلة الذين يبغون الربح من خلال استغلال امرأة ترغب في الإجهاض، مهما كلّفها سعر الدواء، فيبيعونه "سوق سوداء"، بحسب تعبيرها، متناسين أنّ أخذه من دون إشراف طبيب يمكن أن يعرّض المرأة للخطر.

حق أم جريمة؟

بحسب منظمة الصحة النفسية الأمريكية، الإجهاض المرغوب فيه لا يسبب مشكلات نفسيةً كبيرةً، على الرغم من الاعتقاد بعكس ذلك. ففي دراسة أجريت على أكثر من ألف امرأة في 21 ولايةً أمريكيةً، للمقارنة بين الحالات النفسية للنساء اللواتي سُمح لهنّ بالإجهاض، ومَن لم يُسمح لهنّ بذلك، تبيّن أن الأكثر عرضةً للإبلاغ عن المشاعر السلبية أو أعراض الصحة العقلية أو الأفكار الانتحارية، هنّ من النساء اللواتي مُنعن من الإجهاض.

"دخلتُ في علاقة حب مع شاب أنتجت حملاً غير شرعي، وغير مرغوب فيه، بالرغم من استعمال وسائل منع الحمل. لم نكن قادرين على تحمّل مسؤولية ولد وزواج، فلجأت إلى طبيبٍ وصلت إليه من خلال بعض الأصدقاء و..."

تواجه النساء تحديات وضغوطاً في كافة المجتمعات العربية نتيجة قوانين لا تنصفهنّ. يخضعنَ لقيود على حقوقهن وحرياتهن، لا سيما قرارهن بالإجهاض.

يعاقب القانون اللبناني، في المواد من 539 حتى 546 من قانون العقوبات، الإجهاض الذي تقوم به الحامل بنفسها، أو يجريه لها شخص آخر برضاها أو من دون رضاها، كما يعاقب بيع وسائل الإجهاض، كالأدوية والعقاقير أو ترويجها أو تسهيل استعمالها.

وبحسب المحامية المتدرجة جودي فتفت، لا تسلم المرأة التي حملت نتيجة اغتصاب من المعاقبة، لكنها تستفيد من عذر مخفّف للعقوبة، "لأنها تحافظ على شرفها". وتؤكد أن الإجهاض ممكن السماح به فقط إذا كان الحمل أو الجنين يشكّل خطراً على حياة المرأة بالموت أو بخطر جسيم، وعند ذلك تطبَّق أحكام حالة الضرورة إذا توافرت شروطها القانونية.

وفي سياق المحاسبة، فهي إما تكون نتيجة إخبار للنيابة العامة من شخص علم بالجريمة، أو بشكوى أو ادّعاء شخصي يتقدّم به مَن تعرّض للجريمة، كامرأة أجهضت من دون رضاها، أو الزوج إذا جرى الإجهاض من دون علمه وموافقته، فتتحرك النيابة العامة فوراً للقيام بالإجراءات القانونية.

وفي هذا السياق، يميز القانون اللبناني بين الإجهاض الرضائي الذي يُعدّ جنحةً ويعاقب عليه بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات، وبين الإجهاض غير الرضائي الذي يُعدّ جنايةً ويُحكم فيه على الجاني بالأشغال الشاقة لمدة خمس سنوات على الأقل.

وتقوم السلطات اللبنانية بإقفال العيادات التي تُجري عمليات إجهاض في حال علمت بها، كما جرى عام 2019، عندما أقفلت عيادةً تقع في إحدى مناطق ضواحي بيروت الجنوبية.

الإجهاض يُرهق المرأة نفسياً و"النسويات" غائبات

نفسياً، يكون وضع المرأة التي تسعى إلى الإجهاض، عادةً، سيئاً جداً، وغير مستقرّ تجاه فعل يسبب خطراً عليها، فتعيش بمزيج من مشاعر اللوم، والتردد، والحزن، والذنب.

وفي هذا الشأن، توضح الأخصائية النفسية والناشطة الاجتماعية وردة بو ضاهر، لرصيف22، أن "مشاعر اللوم والذنب من الممكن أن تسبب اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، أو أي نوع من الصعوبات النفسية مثل القلق والاكتئاب، بسبب قساوة التجربة. ولا وقت محدداً لتخطّي هذه الصدمة، فالمسألة تختلف من امرأة إلى أخرى".

الطبيب الذي يجري عمليات إجهاض في لبنان يعتمد على تكتّم المرأة التي ترغب في الإجهاض، كونها ستكون ملزمةً بالسرّية أكثر منه، وأغلب الطرق المستخدمة غير آمنة

أبرز المشكلات التي يمكن أن تعاني منها المرأة بعد تجربة الإجهاض، هي مشاعر الذنب واللوم التي عادةً ما تنبع من الأفكار المنتشرة في المجتمع وفي محيطها. ويُعدّ الدعم والكلمات المناسبة والاستماع إليها، إذا رغبت في التحدث، أسياد الموقف، لتتمكن المرأة من تخطّي الآثار المؤلمة، فنعتُها بأنها مجرمة على سبيل المثال، وبأنها قتلت طفلها، يزيد الأمور سوءاً ويفاقم الضرر الذي تعرضت له.

وفي هذا السياق، تؤكد بو ضاهر، أن "هناك أسباباً كثيرةً تدفع المرأة للإجهاض، كالصعوبات المادية، أو شعورها بأنها بمفردها، ومتروكة لقدرها ولا تتلقى الدعم من أحد... فبالتأكيد ما من امرأة ترغب في الإجهاض فقط لتجهض، إنما الضغط النفسي هو الذي يجبرها".

تهتم المنظمات والجمعيات النسوية بتعزيز حقوق النساء الصحية والإنجابية في لبنان، لكن منذ عقود لا توجد حملات للمطالبة بإلغاء تجريم الإجهاض في القوانين وبتوفير هذه الخدمة الآمنة لمَن يرغبن بها، ضمن شروط صحية مناسبة.

هذه المنظمات "تركز في هذه الفترة على حق النساء بإعطاء الجنسية لأولادهنّ، إقرار قانون مدني موحَّد أو اختياري للأحوال الشخصية، منع تزويج القاصرات، تحسين بنود قوانين مكافحة التحرش والعنف الأسري وتعزيز تطبيقها"، بحسب الصحافية والناشطة النسوية مايا العمار، لكنها "تتجاهل موضوع الإجهاض لأسباب مختلفة، ممكن أن تكون مرتبطة بالأولويات التي اختارت التركيز عليها، أو بحساسية الموضوع وما ينتج عنها من خوف من خسارة شريحة معيّنة من الجمهور الذي تحاول كسب دعمه وانفتاحه على الحملات النسوية، أو بأمن الجمعيات وأعضائها ومصيرها حتى، وممكن أن يكون متعلقاً أيضاً بأجندة التمويل".

‎لا يعني ذلك أن هناك صمتاً تاماً من النسويات حول موضوع الإجهاض، لكن مَن يركز على القضية أكثر هنّ المستقلات، أي الناشطات والصحافيات غير المنتميات إلى جمعيات أو منظمات معيّنة، ولا يواجهن العراقيل البنيوية الموجودة لدى المنظمات، والتي قد تحول دون التحدث علناً عن القضية.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

ثورتنا على الموروث القديم

الإعلام التقليديّ محكومٌ بالعادات الرثّة والأعراف الاجتماعيّة القامعة للحريّات، لكنّ اطمئنّ/ ي، فنحن في رصيف22 نقف مع كلّ إنسانٍ حتى يتمتع بحقوقه كاملةً.

Website by WhiteBeard