أنا أمّ مصابة بمرض الفيبروميالجيا وألمي لم يكن وهماً كما قيل لي

الخميس 8 سبتمبر 202209:00 ص

"جسمك مفتّح بعد الولادة، قالولنا كده أمهاتنا وجدّاتنا زمان"؛ كانت هذه الجملة الشهيرة لأمي عند الحديث عن الآلام والأوجاع التي تهاجم جسدي الضعيف، بعد ولادتي القيصرية لطفلي الأول.

آلام غامضة، بدءاً من العضلات، فالمفاصل، ثم الكدمات الملونة على مختلف أعضاء جسدي، وكأن شخصاً قد ضربني بالسياط. أشعر بالتنميل والوخز في أصابع يديّ وقدميّ، وكذلك الأرق وعدم استغراقي العميق في النوم، انتهاءً بمشكلات القولون والمعدة، والحساسية الجلدية المفرطة، والحساسية تجاه أي عوامل خارجية كالصوت والضوء. أصبحت تثير أعصابي الأصوات الخارجية، وتستفز جسدي بشكل كبير، كمكبرات الصوت القوية.

آلام غامضة، بدءاً من العضلات، فالمفاصل، ثم الكدمات الملونة على مختلف أعضاء جسدي، وكأن شخصاً قد ضربني بالسياط.

معاناة الأمومة

بدأت معاناتي كأم عند الرضاعة لطفلي، وتغيير الحفاض، وعند حمله واحتضانه. كل ذلك يستلزم عضلات اليد، ويدي أصبحت ضعيفةً وتعاني من التنميل بشكل حاد. كنت أخاف من سقوط طفلي من يدي، لعدم إحساسي به بسبب هذا التنميل والعضلات المنهكة.

بعد شهرين من ولادتي، توجّهت إلى طبيب عظام لتشخيص وتفسير ما أعاني منه، وتم تشخيصي "بالتهاب الأعصاب الطرفية" (اضطراب يُصيب الأعصاب التي تتحكم بأطراف الجسم، أي اليدين والساقين، والتي تنقل الإشارات الحسية إلى المراكز المتخصصة في جسم الإنسان)، ووصف لي أدويةً مختصةً بالأعصاب. ظللت أتناول الدواء، ولكن دون جدوى، فالألم لا يزال موجوداً، لم يقِلّ أو يختفِ بعد.

تطورت حالتي فلم أعد أستطع النوم بعمق كسابق أيامي. فالنوم هو الحالة الفيزيولوجية الطبيعية لكل فرد كي يبدأ يومه بنشاط وهمة وحيوية. افتقدت هذه المعاني الجميلة للحياة بسبب الآلام الحادة.

تمر الأعوام، ويبلغ طفلي عامه الثالث، وتتدرج آلامي ومعاناتي الجسدية، بل معاناتي النفسية أيضاً.

توجهت إلى طبيب عظام للمرة الثانية. كان كل من حولي ينصحونني بالتوجه إليه. لا أعلم لماذا نربط نحن المصريين الآلام الجسدية بطبيب العظام فقط؟

وصف لي هذا الطبيب بعض أدوية الالتهابات الروماتيزمية وباسطات للعضلات. لكن، أيضاً دون جدوى: "لا حياة لمن تنادي". ومع زيارة الاستشارة الثانية لهذا الطبيب، قال لي أمام زوجي كلمات سببت لي آلاماً نفسيةً حادةً، إذ قال: "أنت موهومة، يا مدام، لا يوجد وصف مرض بما تصفيه، ده موجود في عقلك ودماغك أنت وبس". كلمات حادة وقعت على مسمعي، وأدخلتني في موجة من البكاء طوال الليل. فكيف لا يوجد تفسير لمعاناتي الجسدية والنفسية على حد سواء؟

حتى الأشياء البسيطة كتقطيع الخضروات والكتابة أصبحت مرهقةً ومؤلمةً بالنسبة إلى يدي وجسدي المنهك.

مع زيارة الاستشارة الثانية لهذا الطبيب، قال لي أمام زوجي كلمات سببت لي آلاماً نفسيةً حادةً: "أنت موهومة، يا مدام، لا يوجد وصف مرض بما تصفيه، ده موجود في عقلك ودماغك أنت وبس". كلمات حادة وقعت على مسمعي، وأدخلتني في موجة من البكاء طوال الليل

الخلافات الزوجية

كانت مقولة الطبيب أمام زوجي بأنني لا أعاني من آلام، وبأنني موهومة، كفيلة في حد ذاتها بحياة زوجية تعيسة مليئة بالخلافات، فكنت عندما أشكو لزوجي آلامي، يقول لي "بطّلي شكوى. الدكتور قال إنك معندكيش حاجة". وصل الأمر إلى أني مكثت في بيت أهلي لمدة من الوقت، حتى يتفهم ويقدّر ما أعاني منه جسدياً. ظل الأمر كذلك، حتى رضيت وعدت إلى بيتي وحياتي الزوجية الطبيعية، وتصالحت مع آلامي وتوقفت عن الشكوى لأي شخص، لأن جميع من يحيطون بي لا يصدقون مدى المعاناة والآلام الجسدية التي أشعر بها.

معاناة الحمل الثاني

تقترح عليّ صديقاتي الحمل مرةً ثانيةً: "وجع يمحي وجع"، و"شيء ينسي شيء".

وبالفعل، توجهت إلى طبيب النساء والتوليد، وقمت بنزع مانع الحمل، كي أتمكن من الحمل مرةً ثانيةً.

حملت بطفلتي الثانية، ولكنه كان حملاً ثقيلاً من هول ما عانيت من آلام جسدية مضاعفة، ولم يكن كحملي الأول. زادت أوجاع وآلام جسدي بشكل مبالغ فيه. كنت أقيم في منزل أمي وأبي أغلب الوقت، لعدم تمكني من مراعاة طفلي مع هذا الحمل الثاني.

نصحني الطبيب بمصادقة المرض. قال لي: "صاحبي المرض، يصاحبك". كما نصحني بتقبّله والرضا به لأنهما الأساس بالإضافة إلى الدواء.

تمرّ شهور الحمل، وأضع طفلتي الثانية. تضاعفت آلامي الجسدية، إلى الدرجة التي جعلت عضلات قدميّ غير قادرةٍ على المشي، والتنقل، والحركة، وحتى الوقوف والجلوس بسلاسة وحرية.

تكمل طفلتي تسعة أشهر، وتنصحني صديقة طبيبة لي بالذهاب إلى استشاري روماتيزم ومناعة إكلينيكية. خفت من الأمر في البداية، ووجدت نفسي أقول لها: هو ممكن يكون الروماتويد (التهاب المفاصل)؟

كانت أم صديقتي الجامعية تعاني من الروماتويد، وتبكي كثيراً بسبب تساقط شعرها، الذي هو زينتها كامرأة، من جراء تناول أدوية الروماتويد هذه.

شعرت بخوف وقبضة قلب، ولكنني مضطرة إلى استشارة هذا الطبيب الأخير، فلم أعد أستطيع مواصلة الحياة بشكل طبيعي مثل بقية البشر.

لحظة التشخيص "بالفيبروميالجيا"

ذهبت إلى الطبيب، وسألني في بادئ الأمر عن الأعراض التي أشعر بها. فقمت بسردها بدءاً من آلام العضلات، والمفاصل، والتنميل، والوخز. قلت له بالعامية المصرية: "جسمي كله نار، عضلاتي بتحرقني". أشعر بإرهاق طوال الوقت، نوم سطحي، أرق، وبدأت ذاكرتي تضعف حتى أنني مؤخراً بدأت أدوّن مهامي وواجباتي المنزلية حتى أتذكرها دائماً. آلام في معدتي والقولون العصبي، ومزاج سيىء، وفقدان للشهية والرغبة الجنسية. فقدان للحياة بشكل عام بمجرد الضغط الخفيف على جسدي. فاحتضان طفلي الصغير يؤلم جسدي ويرهقه في الوقت ذاته. أشعر أيضاً بضباب ذهني وعقلي، فلا أستطيع التركيز في تفاصيل ومعالم الأشياء كما في الماضي.

بعد سرد هذه الأعراض، يقوم الطبيب بتشخيصي: "معك فيبروميالجيا"، أي التهاب العضلات الليفية.

كانت مقولة الطبيب أمام زوجي بأنني لا أعاني من آلام، وبأنني موهومة، كفيلة في حد ذاتها بحياة زوجية تعيسة مليئة بالخلافات، فكنت عندما أشكو لزوجي آلامي، يقول لي "بطّلي شكوى. الدكتور قال إنك معندكيش حاجة"

ووصف لي بعض التحليلات لاستبعاد الأمراض الأخرى كالروماتويد، لأن الفيبروميالجيا يتم تشخيصها باستبعاد أمراض أخرى، فليس لها تحليل خاص بها حتى عصرنا الحالي.

نصحني الطبيب بمصادقة المرض. قال لي: "صاحبي المرض، يصاحبك". كما نصحني بتقبّله والرضا به لأنهما الأساس بالإضافة إلى الدواء.

وصف لي روشتةً طبيةً تتضمن أدوية الاكتئاب، لتساعدني على النوم بشكل جيد. لكني اضطررت إلى فطام ابنتي لأنها لا تتناسب مع الأم المرضعة والحامل. فقد بلغت الآلام ذروتها ولم أعد أستطيع التحمل أكثر من ذلك. كنت أريد أن أحيا حياةً ولو شبه طبيعية مثل بقية الأمهات، حياةً مثل الأفلام التسجيلية أو شبه الوثائقية، نتفق أنا وهي في كلمة "شبه"، أي أنها غير مكتملة الأطوار.

بدأت بالبحث عن المجموعات الداعمة لمرضي الفيبروميالجيا، مثل الأمل والفيبروميالجيا، والمجموعة العربية للفيبروميالجيا، وفيبروميالجيا اللص الخفي، وغيرها.

كلنا، كصديقات وأمهات، مصابات بهذه المتلازمة ونتلقى الدعم من بعضنا البعض. نتشارك تجاربنا الحياتية المرضية للمقاومة والانتصار على الآلام. نصف الدواء الذي خفف الألم، وأنواع الرياضة التي تخففه أيضاً، وتقلل من حدّته

كلنا، كصديقات وأمهات، مصابات بهذه المتلازمة ونتلقى الدعم من بعضنا البعض. نتشارك تجاربنا الحياتية المرضية للمقاومة والانتصار على الآلام. نصف الدواء الذي خفف الألم، وأنواع الرياضة التي تخففه أيضاً، وتقلل من حدّته.

يصادف اليوم العالمي للفيبروميالجيا في الثاني عشر من أيار/ مايو من كل عام. نحتفل جميعاً كمصابات بهذا اليوم. نتبادل التهنئة كمريضات داعمات لبعضنا البعض. نتشارك المنشورات الخاصة بالمرض. نذهب إلى المؤتمرات والندوات الداعمة لهذا المرض في هذا اليوم العالمي. فالقاسم المشترك بيننا كمريضات من مختلف بلدان العالم العربي هو الألم والمعاناة والدعم الذي نتبادله.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard