للهروب من الحر وفاتورة الكهرباء... الحل "فوق السطوح"

الأربعاء 31 أغسطس 202203:21 م

ساعة العصاري

تشتد حرارة الشمس في ساعات النهار، خاصةً في وقت الظهيرة، ثم تبدأ بالانكسار تدريجياً. فكرت في حل للهروب من الحر حتى وجدته فوق سطوح بيتنا العالي، حيث يمكنني الجلوس بشكل خاص في ساعة العصاري التي يقع توقيتها بين العصر والمغرب.

المنظر من فوق السطوح مدهش، وكأني أعيد اكتشافه من جديد، إذ حرمتني القاهرة من بيتنا في الصعيد، الذي لا أزوره إلا في المناسبات أو في وقت الإجازة.

الهروب إلى السطوح

تقلبات في المناخ مصحوبة بنسبة رطوبة عالية وحر شديد، تدفع الناس للهروب إلى السطوح التي تغيّرت مع الزمن.

في مرحلة الثمانينيات كانت السطوح الملاذ من الحر ومكان نشر الغسيل وتربية الطيور، وكانت جدتي تقول إنها كانت تخيط ملابسها فوقه على ضوء القمر وفي النهار تعتني بطيورها.

فكرت في حل للهروب من الحر حتى وجدته فوق سطوح بيتنا العالي.

وفي مرحلة التسعينيات كنت أصعد إلى السطح قبل "المغربية" لمذاكرة دروسي، وفي ساعات الليل تجتمع العائلة للاستمتاع بالهدوء والهواء الطبيعي الذي يساعد في توفير فاتورة الكهرباء، خاصةً أن المراوح تعمل في فترة النهار من دون توقف، وكان أيضاً مكاناً مناسباً للأكل الذي تصنعه جدتي قبل قدوم الليل، وبعد الأكل كنا نلعب لمدة ساعة ثم نذاكر دروسنا، وهكذا كل ليلة.

أنا مدين للسطوح التي جعلتني أقترب من القمر وأرى نفسي داخله.

في منتصف التسعينيات، ضرب التمدن السطوح، وباتت السيدات ينشرن الغسيل فوق "مناشر البلكونات"، ولم يعدن يهتممن في غالبيتهن بتربية الطيور كما كانت تفعل الجدات، وتحولت الأسطح على يد الجيل الصاعد إلى اللعب بالطائرات الورقية وتربية الحمام والمذاكرة أو تدخين السجائر بعيداً عن أعين الأهل، ومقابلة العشاق أحياناً.

وفي الفترة نفسها، كان لاقط التلفاز الأرضي علامةً مسجلةً فوق الأسطح، يصعد كل واحد منا لضبطه حتى نتمكن من مشاهدة القنوات بصورة جيدة، ومع دخول الألفية لم يصمد اللاقط أمام غزو أطباق "الدش" التي جاءت ومعها طوفان من القنوات الفضائية، لتصبح الراعي الرسمي للسطوح، التي تحوّل جزء كبير منها إلى مكان يحتوي على كل الأغراض القديمة والملابس البالية.

وفي العقود التالية، وخلال فترات كانت المدن المصرية تغرق فيها في الظلام بسبب انقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة، باتت السطوح الملاذ من الحر والخنقة، وخرج الجميع يبحثون عن نسمة هواء تلطف الجو، وحتى تكون السطوح نظيفةً وتلائم الجلوس استغنى البعض عن "الكراكيب" القديمة وحل مكانها الزرع، ومع الوقت تطورت السطوح إلى ما هو أبعد، إذ يمكن أن ترى الآن "جيماً" لممارسة الرياضة فوقه، أو "كافيه"، بينما استغله الشباب في تصوير فيديوهات "التيك توك".

في مرحلة التسعينيات كنت أصعد إلى السطح قبل "المغربية" لمذاكرة دروسي، وفي ساعات الليل تجتمع العائلة للاستمتاع بالهدوء والهواء الطبيعي الذي يساعد في توفير فاتورة الكهرباء، خاصةً أن المراوح تعمل في فترة النهار من دون توقف

علاقات "سطحية"

تستعيد وفاء الذكريات وتقول لرصيف22: "السطوح كانت شاهداً على أول قصة حب صامت في مرحلة المراهقة مع ابن الجيران، وكان خوفه يمنعه من الحديث معي، لتكون الأغاني التي تخرج بصوت عالٍ من الكاسيت القديم هي اللغة التي تتكلم بالنيابة عنا. على سبيل المثال، يأتي من عنده صوت أنغام وهي تغني ‘بعتلي نظرة’، فأضع الشريط داخل الكاسيت ليرد عليه محمد فؤاد بدلاً مني بأغنية ‘شاهدين عليه’. بعدها تركنا بيتنا وذهبنا إلى بيت آخر، وبعد مرور نحو عشرين عاماً لا زال في قلبي حب قسمته بالعدل بينه وبين السطوح الذي جعلني أعرف الحب".

بدورها، تحكي شيري عطية، لرصيف22، ذكرياتها مع السطوح وتقول: "في طفولتي كنت أعيش في بيت والدي في محافظة المنيا، وكنت أقضي معظم الوقت على السطوح مع بنات العائلة. كانت تحتوي على الكثير من الأشياء القديمة التي لا فائدة لها وتشغل حيزاً كبيراً منها، ولكن لم تقف حائلاً بينا وبين اللعب، ومع الوقت كبرنا وتغير شكل البيوت من حولنا، وأقدم الجيران على بناء بيوت عالية أمام بيت الجد، حجب ارتفاعها العالي الرؤية ومنع الهواء من الوصول إلينا، حتى بات الجلوس فوق السطوح سخيفاً ويجلب الملل".

وتكمل: "كان بيت جدي في قرية إسطا في محافظة المنيا جنوب البلاد، هو المهرب خاصةً في فصل الصيف، وكان قديماً بُني من الطوب اللبني، وحيطانه واسعة وضخمة، ومن فوق السطوح كنت أشاهد منظر الزرع وفروع الشجر العالية التي تجلب لنا الهواء النقي ليصلح ما أفسده الحر ورطوبة الصيف، وكان هناك فوق السطوح عش نربّي فيه بعض الطيور من الفراخ والبط، بينما السيدات يتجمعن لصنع الكشك، وهي أكلة مشهورة في الصعيد لا بد أن تنشف تحت أشعة الشمس، ومع مرور الوقت هدم بيت الجد وأعيد بناؤه على الطريقة الحديثة، وتغير شكل سطوح البيت الجديد ولم يتبقَّ منه سوى مكان ضئيل نتجمع فيه ليلاً إما لشوي الفراخ أو الاستمتاع بالكلام والهواء، وتوفيراً لفاتورة الكهرباء التي يستنزف معظم قيمتها التكييف، ولا زال المكان يحتفظ بهدوئه وبريحة الزرع".

تغير شكل سطوح البيت الجديد ولم يتبقَّ منه سوى مكان ضئيل نتجمع فيه ليلاً

في المدن الجديدة تختلف السطوح عن الصعيد، حسب شيري، وتضيف: "أعيش حالياً برفقة زوجي في شقة في منطقة التجمع في القاهرة الجديدة ولا نصعد إلى السطوح إلا لضبط طبق الدش، وأعوّض ذلك الحرمان عندما أذهب إلى المنيا، حيث أجلس مع أهلي فوق السطوح ونقضي أحلى الأوقات، وأحرص على الذهاب إلى قريتي لزيارة خالتي التي ما زالت تسكن في بيت جدي، فنجتمع فوق السطوح ونستعيد الذكريات".

ويقول محمود في السياق ذاته: "نضطر في ساعات النهار إلى تشغيل التكييف في الصالة الرئيسية، بينما في بقية الغرف لا تتوقف المراوح عن الدوران، وهو ما يجعل فاتورة الكهرباء تأتي في نهاية الشهر مرتفعةً أكثر من حرارة الجو، والحل في السطوح الذي قررنا تنظيفه وزرعه بالورد، لكي نجلس عليه في ساعات الليل، ونكتفي بإضاءة قليلة بجانب ضوء القمر، وهو ما يبعث حالةً من الهدوء تساعد على التأمل، وتقلل من فاتورة الكهرباء".

يا سطوح الخوف والغربة

تقول أصالة صلاح، لرصيف22: "ترك والدي وأمي مصر وسافرا إلى السعودية للعمل، ولدي شقيقتان أكبر مني، وجميعنا وُلدنا في السعودية، وكنا في شقة داخل عمارة لا يستغلّ أحد من سكانها السطوح. كنت أصعد إليه بمفردي في أغلب الأوقات بالرغم من أن المكان مخيف في الليل، وأحياناً برفقة شقيقتي في الصيف للهروب من الحر وبحثاً عن هواء طبيعي بعيداً عن التكييف، ولمشاهدة الألعاب النارية في السماء أو لشوي الدجاج، أو للعزلة عندما يغضبني شيء ما".

السطوح كانت بالنسبة إليّ أنيس وحدتي، كنت أجد نفسي فوقها بعيداً عن التلوث الضوئي والضوضاء، ولأنني من سكان الريف كانت لها متعة، حيث السماء الصافية والهدوء والانسيابية التي تسحبك إلى بعيد، فتأخذ نفساً ثم تغمض عينيك، وتستمع إلى الموسيقى

وتضيف: "كنت أحب الجلوس على السطوح بالرغم من أن معظمه فارغ ومخيف، حتى بعد أن عادت شقيقتاي إلى مصر للدراسة في الجامعة. وأنا عدت إليها بدوري لدراسة الموسيقى، وأقيم حالياً في شقة في منطقة الهرم في الجيزة، وكل ذكرياتي تركتها فوق سطوح بيتنا في الغربة الذي عشت فيه 17 عاماً".

البحث عن الذات فوق السطوح

"ذكرياتي مع السطوح كثيرة، أهمها هي فترة طفولتي وعائلتي التي أفتقدها بسبب الغربة والمشكلات. كانت السطوح ملجئي، وكنت أجلس وتخرج أنفاسي مني إلى السماء التي يراها البعض بعيدةً. كنت أحس بأنها جزء مني، أتوه معها بأفكاري ومشكلات حياتي حتى يغلبني النوم وأغمض عيني"، تحكي إيمان، وهي شابة فلسطينية ثلاثينية لرصيف22.

وتكمل: "السطوح كانت بالنسبة إليّ أنيس وحدتي، كنت أجد نفسي فوقها بعيداً عن التلوث الضوئي والضوضاء، ولأنني من سكان الريف كانت لها متعة، حيث السماء الصافية والهدوء والانسيابية التي تسحبك إلى بعيد، فتأخذ نفساً ثم تغمض عينيك، وتستمع إلى الموسيقى أو الترانيم والألحان الأندلسية".

تعيش إيمان حالياً في باريس، والحياة فيها وفق تعبيرها تخطف عمرها وذاتها وتسرقهما من دون أن تشعر، وتبقى كلمة سر الراحة بالنسبة لها هي "السطوح".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard