سافِر... أنتَ لست شجرة

الأحد 28 أغسطس 202203:12 ص

يندرج المقال في ملف "تحت العريشة" من إعداد وتحرير زينة قنواتي

أُنقّل وجهي بين الوجوه و تتنقل الوجوه في الأمكنة. وللجميع وجه واحد وجميع الوجوه أقنعة . هل كلنا واحد؟؟

لا تحتاج لجواز سفر لتدخل الغابة

في عملي الجديد المتعلق بتقليم الأشجار وقص الميت منها في السويد، يخبرني المشرف في الفريق أنه علي الحذر والابتعاد مسافةً لا تقل عن 15 متراً عمن يقوم بقص الأعشاب الضارة. "في الاقتراب خطر شديد". يقصد بذلك شفرات ماكينة القص.

لكن جملته تدفعني للتفكير بأن كل عملية تنظيف تحتاج مساحة حماية. لا تقترب ممن يوسّع المكان لنفسه، ويحاول أن يقتلع أعشاباً ضارة تأكل كل ما حوله.

لكل منا أعشابه التي لا بد من اقتلاعها من جذورها لينجو.

في الغابة لستُ لاجئاً أنا إنسان فقط

لا يقتصر ذلك على النباتات ففي حياتنا أيضاً هناك من يقوم بكنس أيامه لا سيما في وقتنا الراهن، بعد كل تلك الحرب الطاحنة وما تلاها من معارك ذاتية لم تنتهِ إلى اليوم، تتجلى في ترومات(صدمات) نمر فيها بوعي أو دون وعي منا.

منذ أن وصلت السويد وأنا أمشط الغابات ساعة أو اثنتين أمشي وأركض هناك.

في البداية كان التريض هو الغاية ثم أصبح السلام.

في الغابة لستُ لاجئاً أنا إنسان فقط.

كائن حي كبقية الكائنات فيها. لن تشعرني شجرة أمر بها أنني أقل، أو أنني عبء ثقيل أقاسمها حصتها من الأكسجين.

لن تهتم للوني أو جنسي، كما أنها لن تستعملني كورقة لعب بالانتخابات.

هل أصبح الانتماء عشباً ضاراً يسد الطريق عن الغد؟

يسألني زميل جديد من أصول عربية، في العمل ذاته : "من وين الشب؟"

وهذا السؤال يمارسه العرب بين بعضهم وهم يشعرون بأحقيتهم بمعرفة هويتك فقط لنطقك بالعربية، ليتخذوا بعد ذلك موقفاً منك وفقاً للمكان الذي جئت منه.

"فلسطيني، فلسطيني سوري من الشام" أجيبه. يحاول اخفاء امتعاضه، ويغير الحديث ليعود للعمل.

بعد أيام يصارحني أنه أحبني ويشعر بالإرتياح للعمل معي مع أنه قلق في البداية مني بعد أن أخبرته أنني فلسطيني، ذلك أنه عَرف عن بعض الفلسطينيين أنهم (أصحاب مشاكل). أردت أن أخبره أن تلك نتيجة لسلسلة طويلة من القهر والتهجير.

الحكم على النتيجة دون معرفة الأسباب ظلمٌ أعمى، فالإنسان يصرخ حين يخاف، ويصير شرساً عندما يُجرح.

لكني آثرت الصمت و سألته وقد بدأت تمطر: "انتبهت إنه المطر هون بلا ريحة؟؟"

"ليس المطر، هي الأرض!" يجيبني.

للأرض أوراقها الثبوتية التي نحملها دون أن ندري

أعرف ذلك طبعاً، كمعظم الفلسطينيين كنا أمطاراً نزلنا في العواصف فوق رمال متحركة، ابتلعتنا وبصقتنا من هاوية لهاوية. لم نثمر في كثير من البلدان التي أصرت بسياستها أن تحاصرنا بكل ما يجعل الحياة مستحيلة. الغضب لقلة الموارد، والوطن المسلوب جعلا الناس دون جذور في المكان. تهيم في كل الطرق تلحق ما يحقق لها الحد الأدنى من الأمان في دول العسكر واللحى.

أن تأكل تحت شجرة

ما اكتشفته في الغربة أن هناك أكثر من فلسطين. ساعدني على ذلك قراءتي للكتب واختلاطي بالناس مستخدماً لغةً أجنبية.

فعندما تقرأ أو حين تسمع آلام الآخرين بلغتهم الأم تكتشف أن آلامهم تشبه آلامك إلى حد كبير. تبصرالروابط المشتركة التي تجمع الناس كالفقر، الاحتلال، الاستغلال، المحسوبيات، والجوع…

الجوع لغة عالمية لها أكثر من لسان وكذلك الأرض.

للأرض أوراقها الثبوتية التي نحملها دون أن ندري.

أنا مثلاً أحمل الميرمية، لا أشرب الشاي دونها، تلك هوية من نوع خاص يحمله كل من نشأ على تلك الرائحة.

ونحن في الغربة كلما سافر أحدنا إلى الشام وسألنا ماذا نريد كهدية طلبنا منه الزهورات.

الحصول على جواز سفر في دولة أجنبية لن يلغي أوراق الأزهار الثبوتية والتي لن يستطيع أحد أن يسلبها منك كهوية.

بالنسبة لي كلما تقدمتُ الخطى. أخدت معي كأس الشاي بالميرمية، خبأت هناك وطناً كاملاً لازلت أضحك فيه بعيون لامعة. 

في بيتنا في الشام تقطف أمي الياسمين من حديقة البيت في الصباح وتصنع القهوة على مزاجها. وأنا "أحن إلى قهوة أمي" وإلى ياسمينها.

ذات يوم ادعيت أنني أريد التقاط صورة وأنا أعانق شجرة قديمة.

طلبت من سيدة تسير في الطريق أن تلتقط لي الصورة. في الواقع كانت تلك حجة اخترعتها لأبرر حاجتي للعناق.

تلك الشجرة رأيت فيها جدتي البعيدة وعانقتها. كانت تشبهها بشيء ما لا أعرفه. وحين جعت اشتريت الخبز والقهوة و ذهبت لآكل تحت ظلها.

صورة بعدسة الكاتب "ورد زراع" للغابة التي يعمل بها في السويد

"سافر أنت لست شجرة" هذه الجملة تقال لكل من يتذمر من مكانه لكل من يريد التجديد ولا يستطيعه.

ويقصد بها أنك تستطيع الحركة والتنقل، فلا جذور تنمو من قدميك تثبتك في الأرض.

لكن في الانتظار كلنا أشجار واقفة ولو انتقل الجسد.

تهجّر المعظم منا كسوريين لكن هل حقاً رحلنا؟

اليوم و بعد أن هدأ غبار المعركة بدأت تتضح الصور، لكننا لا نقوى على إدراك كل ما نبصر.

في الوقت الراهن نحن نحصي ما فقدنا وننتبه لمكان أقدامنا الطري في الطريق الجديدة.

نلتفت بخفة خلفنا ونعود بسرعة لنصوب عيوننا نحو خطوتنا القادمة كي لا نسقط.

بالنسبة لي كلما تقدمتُ الخطى. أخدت معي كأس الشاي بالميرمية، خبأت هناك وطناً كاملاً لازلت أضحك فيه بعيون لامعة. 

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard