السرد الروائي بين فرضيات الهوية والتاريخ وبين خيارات الخيال

الثلاثاء 20 سبتمبر 202212:03 م

تحت التاريخ، تقبع الذاكرة والنسيان. وتحت الذاكرة والنسيان، تقبع الحياة. ولكن كتابة الحياة قضية أخرى، ولن تكتمل. (بول ريكور، خاتمة كتاب الذاكرة والتاريخ والنسيان).


يجمع الروائي والناقد السينمائي سليم البيك في روايته "عين الديك" جلَّ الأسئلة المطروحة على الإنتاج الأدبي الفلسطيني المعاصر، ملتزماً بأسلوبية أدبية متماسكة تمتد على طول الرواية، ويتطرق إلى موضوعات: الهوية، المكان، الانتماء والالتزام، وتعالقات الذاكرة والنسيان والتاريخ وألعاب السرد، والتذكر والتخيل، مضيفاً إليها حكايةً روائية مستمدة من تراث النكبة، ومن الحياة الثقافية الباريسية والعلاقات العاطفية والجنسية.

ولكن يبقى اللافت في روايته، محاولاتُ السّردِ عبر نفي السّرد، أو عبر بناء السرد على أسسِ المزاجية، التهكم، الرغبة الذاتية للسارد-المؤلف، وكذلك في العلاقة التي تبنيها بين الرواي (سمير) والمؤلف (البيك).

اللعب الروائي بين الذاكرة والتخييل

يكشف الروائي من العبارة الافتتاحية في الرواية عن التداخل بين التذكر والنسيان في السرد، ويجعل الذاكرة خياراً ذاتياً بأكثر مما هو حقيقة واقعية: "ليست هذه حكايتي مع هديل، ليست حكايتنا، هي ما أتذكره من حكايتنا، أو كيف أتذكره. ما أكتبه هنا هو روايتي لما حصل، وكيف حصل، لا وجود لنسخة غيرها".

حكاية روائية مستمدة من تراث النكبة ومن الحياة الثقافية الباريسية والعلاقات العاطفية والجنسية... رواية عين الديك للروائي والناقد السينمائي سليم البيك

ويدخلنا الراوي على لعبة الشخصيات الحقيقية والمتخيلة، الوهمية أو المبتكرة: "هديل التي لم توجد بعد في نصي هذا، لن تكون، بعد، موجودة في حياتي هذه متى تعرضت الحكاية للقراءة، من هذه اللحظة، وتحديداً من هذه العبارة".

ويعنون الروائي فصله الأول بـ"أتذكر"، ويعتبر بناءَ السرد على أساس التذكر والنسيان نوعاً من اللعب الأدبي: " سيكون اللعب أمتع لو ذكرت بأني اعتمد في سرد كلِّ ذلك على ذاكرتي، وأني، بالمناسبة، قد أغير وأخترع وأتناسى ما أريد، وأنه، أخيراً، لا نص هنا للقراءة سوى هذا، نسختي الأخيرة والمطبوعة لما قد حصل، نسختي الخاصة لحكايتنا". ليصل إلى حدود القناعة بأن الخيال ليس إلا ثقباً في ذاكرة: "خيالاتي هنا تتأسس على ذكرياتي، أو تتأسس على هشاشة ذكرياتي ووهنها. هذا هو الخيال عندي، وهن في الذاكرة".

في روايته "مولوي" يضعنا صامويل بيكيت في لعبة سردية من نقي المعلومات المستمرة المقدمة من قبل الرواي، يشرع مولوي مراراً وتكراراً في التعريف عن نفسه، فكلما قدّم معلومةً عن نفسه زاد شكُّ  القراء بمصداقيتها، لا يتقين القراءُ من أيٍّ من المعلومات التي يقدمها الراوي عن نفسه، حتى اسمه، فهو بعد أن يقول إن اسمه مولوي، يؤكد أنه قد تذكره للتو: "مولوي، اسمي مولوي، الآن عاد إلى ذهني بوضوح، أكتبه على الورقة. لا أعلم الكثير عني، مثلاً موت أمي، هل وقع فعلاً حين بدأت أروي لكم، أم أنه لم يقع بعد؟".

روح التهكم السردية والتي توحي بلعبة متواصلة مع القارئ من اليقين والشك تحفل في أسلوب الكاتب في رواية "عين الديك": "لا داعي للوثوق كثيراً بذاكرتي، فأنا نفسي لا أفعل، ولا يهم كثيراً إن كان ما أسرده هنا حصل فعلاً. أو كان تمنياتٍ، او اختلاطاً بين الاثنين، بين الواقع والخيال، بين ما كان وما أردت له أن يكون".

وفي حالة السارد المتشكك، تتحول الرواية تمازجاً بين المعلومات والتهيؤات: "من الآن سكون الخيال هو الواقع، لا نسخة محسنة منه. والوقائع كما حصلت، ستكون نسخة مملة من خيالي. ستكون روايتي لحكايتنا هي الحكاية".

محاولات السرد عبر نفي السرد، أو عبر بناء السرد على أسس المزاجية، التهكم، الرغبة الذاتية للسارد-المؤلف... رواية عين الديك لسليم البيك

وتصبح الشخصيات ابتكاراً متغيراً مع استمرار السرد: "سأغير حتى اسمها في ذاكرتي، وفي حكايتي هذه إذن. وبقدر ما يطاوعني قلبي سأجعل اسمها أديل، يكتب Adele، وتحضرت للضحك وفعلت، حتى لفظته بالفلسطينية بعدها، أدييل".

الابتكار الأدبي بين حكايات الجدّ وهويات الأنا

علاقة الراوي مع التراث الأدبي أو مع الحكاية التاريخية، تتجلى في الخط السردي المخصص لرواية حكاية جدّه (أبو محمود) من قرية ترشيحا إثر النكبة الفلسطينية، لكن السارد يحار في طريقة التعامل مع هذا التراث الحكائي، بينما حكاياته الشخصية تنتمي إلى مرحلة ونوعية أخرى: "أحتاج إلى البحث أكثر في ذلك، إلى سماع التسجيلات مرات ومرات، وإلى أخذ شهادات آخرين عاصروا النكبة. سأنسى أمر التسجيلات إذن. قد أمنحها لمؤلف روايات تاريخية. هي أصلاً ليست حكايتي أنا، وما أكتبه هو ما يشبهني".

ففي البداية يبرز الراوي بوصفه شخصيةً محورية يتوالى السردُ ويتنامى على لسانها بصيغة ضمير المتكم التي توهم بتطابق سيرته مع سيرة المؤلف نفسه، لكن ما يلبث "البيك" أن يبتكر شخصيةً مستقلة للراوي باسم "سمير"، ويدخل النص في لعبة التماهي بين السارد، المؤلف، والشخصية الرئيسية: "لا أكتب هنا أوتوبيوغراي، بل أوتوبورتريه. وأنا، سمير المؤلف، تماهيت مع سمير الشخصية، لا العكس، سحبتني شخصيتي الرئيسية إليها، وسحبت خيالي إلى ذاكرتها، سحبت حكايتي إلى واقعها".

الأسلوب الأدبي في الرواية مستمد من أسلوب الكاتب في معالجة الموضوعات التي تشكل أساسَ الدافع السردي: "لن تكون حكايتي هذه مرتبة بأي شكل. ستكون، كالذكريات، سرداً متقطعاً، مشاهدة مممنتجة، استدراكات لحظية، فراغات لا أكترث بملئها، وليس هناك أي رابط زمني بينها"، ويبدو التهكم حاكماً لمنطق السرد على طيلة الصفحات:

تحضر في رواية "عين الديك" موضوعات: الهوية، المكان، الانتماء والالتزام، وتعلقات الذاكرة والنسيان والتاريخ وألعاب السرد والتذكر والتخيل

"أعرف أني أحكي كثيراً عن تحويل الكوميديا إلى تراجيديا، أو العكس، ليس هنا بالضرورة. لكن تغييراً طفيفاً في التاريخ، في تفصيل فردي، شديد الصغر ربوما التفاهة، هامشي في تاريخ فلسطين المعاصر، كأن لا يخرج أبو محمود من ترشيحا". وكذلك يعبر الكاتب بوضوح عن رغبته في التصوير الأدبي الإيروتيكي، مما يمكن تصنيف الحضور الإيروتيكي كجزء من الحكاية والأسلوب، وتحضر الإيروتيكية عبر الفن التشكيلي أيضاً من خلال حكاية الرسامة التي تنتج هذا النوع الفني:

"لوحاتها كلها وضعيات لممارسة الحب، فامرأة واحدة ورجال. هي أعمال متسلسلة، أو لها ثيمة واحدة. كأنها للمرأة ذاتها نراها في كل لوحة بوضعية مختلفة. كأنها لويز، هي الجسد ذاته، الشعر الأسود ذاته، الشامات على الأجساد. كانت وضعيات ممارسة حب لكن لا حبيب معظمها كان تنويعاً على الجلوس، بساقين متباعدتين أو مضمومتين".

بالإضافة إلى الفن التشكيلي، يحضر أيضاً الفنُّ السينمائي في الرواية، فالشخصية الرئيسية تماثل الكاتب (البيك) الذي هو ناقد سينمائي، وتحب الشخصية الروائية أفلام "سارق الدراجة" لفيتوريو دي سيكا، و"ثمانية ونصف"، لفريديريكو فيلليني، الذي يحلم بأن يكون جزءاً من حكايته: "أشاهد فيلم ثمانية ونصف كأني لا شعورياً، أردت بمشاهدته أن أبدأ حكاية أخرى، حكاية آخرين".

الهوية الوطنية بين الإرث ورغبة الابتكار

سؤال الانتماء إلى أرث الأدب الفلسطيني، هو سؤال محوري في دافع السرد، لكن الكاتب يعلن بطليعية التمتع بحرية اللانتماء: "أشعر أحياناً بأن خروج جدّي من القرية التي لا أعرفها حرّرني منها، ومن إحالتي، من بعدها، إلى أين مكان، إليها هي أولاً، حرّرني منها ومما تبعها، لم أشهر بأي التزامات تجاه أية بقعة على الكوكب"، والاستمتاع في العيش غربة الشخصيات الوجودية: "مشيت غريباً، جلست غريباً وقرأت غريباً، ثم ابتعدت غريباً في أمكنتي، مطمئناً لفكرة أني غريب، وأن المدينة لا تثقل علي. أني غريب كالآخرين، وأن غربة الآخرين تعفيني من مساءلة غربتي. حين يكون الكل غريباً، لا أشعر بغرابة أن أكون غريباً".

ويتجرأ المؤلف على الخوض في المشاعر النفسية والباطنية لموضوعة "النجاة" في الفكر الفلسطيني المهاجر، فيلعن الراوي شعورَ النجاة القائم على حتمية وجود آخرين ممن قضوا موتاً، لكنه يخوض في الشعور الداخلي للتحرر المتعلق بالنجاة من المصير الحتمي، المصير القسرية للهوية السياسية التي تفرض على الفرد-الذات:

"لكني فعلاً نجوت، لكن نجاة أخرى. هي نجاة المعنوي من المادي، نجاة الخيال من الواقع. هي إذن، نجاة من فلسطين. هي نجاة معنى الكلمة، فلسطين، من شكلها، من صورتها. الاغتراب المتوارث والمتجدد هو نجاة من الوطن. تحرر منه، هو نأي لمرين عنه. اللاجئ الفلسطيني ليس ناجياً من النكبة. هو، أكثر ناج، من مكان النكبة".

"مشيت غريباً، جلست غريباً وقرأت غريباً، ثم ابتعدت غريباً في أمكنتي، مطمئناً لفكرة أني غريب، وأن المدينة لا تثقل علي"

كل ذلك لأن سؤال الهوية والانتماء إذا تجاوز الصور النمطية المفروضة سياسياً وثقافياً، فيصبح جدلياً: "أتساءل إن كانت شخصياتي هذه فلسطينية، وأنا طبعاً، أتساءل بالتالي إن كانت حكايتي هذه فلسطينية. لديّ أسئلتي الخاصة حول هويتي الفلسطينية، أتساءل إن كانت حكاية هذه الشخصيات بفلسطينيتها المنقوصة، إن كانت حكاية فلسطينية تامة".

ألعاب الذاكرة والخيال ودوافع السرد الروائي

قلم ليدون، مفتاح ينساب في أسنان سرية، يردعهما للذاكرة بحق شعراء المجاز. (ويليام رودزورث، قصيدة الذاكرة).

يكتب الناقد فيصل دراج عن حضور الذاكرة في الرواية: "تظل الرواية، جنس الكتابة الأكثر ملاءمة، الذي يقرأ فعل الزمن، داخل الإنسان وخارجه، آخذاً مرة بكلمة متقشفة هي: التاريخ، ومهمشاً التاريخ، مرة أخرى، مصرحاً بلوعة الزمن التي ترثي مفقوداً لا يمكن استعادته. عندها يحضر معنى الكتابة في أبعاده المتعددة، تثبيت ما كان وأسرع في التلاشي، مقاومة العدم بحياة التذكر، الربط بين زمن البراءة وزمن الحكمة، أو معالجة ما انقضى بحكمة الحاضر. تقول الكتابة، في الحالات جميعاً ما سمحت به ثقوب الذاكرة، التي تسرب منها ما أخطأت الدروب في الوصول إليه".

"الحكايات متى رويت تفقد كمالها. لذلك لا أريد سرد حكاية لجدي تكون ناقصة. إن الذكريات تقوم مقام الخيال، كما أن الخيال يقوم على الذكريات"... سليم البيك

تحمل الفصول الثلاثة في رواية (عين الديك) عناوين التذكر والتخيل والرؤية؛ الفصل الثاني بعنوان "أتخيل"، يقلب معادلة السرد من الذاكرة إلى الخيال: "سأبني على ما كتبته سابقاً وقد بني على ذاكرتي، أو بها، ثم بالخيال. سأنقل بدءاً من هذا الفصل، حكايتنا من الذكريات المتخيلة إلى الخيال، من أحداث كنت كتبتها كما تذكرتها إلى أخرى أؤلفها كما أريدها. الكتابة هنا، في قسم أتخيل، هي لنقل، استدراك. استدراك الخيال للذاكرة. هو استعادة للمَشاهد من عَين أخرى".

وفي الفصل الثالث بعنوان "أرى" يعيد المؤلف فتح العلاقة بين الشخصية السارد وبين الكاتب، مما يعزز سؤال الهوية لدى السارد كموضوعة مستمرة في النص: "في هذا النص ثلاث طبقات من شخصيته الرئيسية، هي سمير المكتوب في النص، سمير كاتب النص، والروائي كاتب كتابة سمير للنص. سمير في النص هو كيف تذكر سمير خارج النص ما تخليه عن ذاته، مضافاً إليه تخيل ما تذكره عن ذاته".

يدرس جمال شحيد حضور الذاكرة في الرواية العربية، منها: محاولات طمس الذاكرة في "موسم الهجرة إلى الشمال" للطيب صالح، تقنية التذكر في "هشام أو الدوران في المكان" لخيري الذهبي"، لعبة الذاكرة والتذكر في روايات جبرا إبراهيم جبرا، لعبة التذكر والنسيان في "كتاب التجليات" لجمال الغيطاني"، الذاكرة الخؤون في "حراس الهواء" لروزا ياسين حسن، ثقوب الذاكرة في "رحلة غاندي الصغير" لإلياس الخوري، ذاكرة المرايا والتحولات في "صلصال" لسمر يزبك.

أما في رواية "عين الديك" فيصرح المتن الروائي بآرائه حول اكتمال الحكاية بين الذاكرة والخيال: "الحكايات متى رويت تفقد كمالها. لذلك لا أريد سرد حكاية لجدي تكون ناقصة. إن الذكريات تقوم مقام الخيال، كما أن الخيال يقوم على الذكريات".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard