رواية "قماش أسود" الفائزة بجائزة غسان كنفاني لهذا العام

الجمعة 22 يوليو 202211:00 ص

"سيد النساء، لون العزاء والحزن، الأسود قهر، الأسود ليل موحش". يرتبط بالحداد والموت والمصائب والهم، وفي علم النفس هو مؤشر للسلطة والقوة، ولعله لذلك ارتبط في أحد معانيه بالشر، فهو لون غير ودي، وفي علم الفيزياء هو لون بلا أي سطوع، فالأجسام السوداء تمتص الموجات والأشعة ولا تعكسها، ويذكرنا هذا بـ "الثقب الأسود"، وهو لون الخوف كما القوة، وطغيانه في المحيط يستدعي الاكتئاب والمشاعر السلبية.

وعلى مدار ثلاث سنوات غرقت "الرقة" فيه، إذ احتُجزت عن الحياة بقوة السواد وبطش سلطته، حيث استباح اللون الأسود كل شيء: واجهات المحلات،  اليافطات والرايات وشاخصات القرى، النساء، والحياة.

من هنا كان عنوان "قماش أسود"، رواية المغيرة الهويدي الأولى والصادرة عن دار تكوين عام 2020، والحائزة على جائزة غسان كنفاني لهذا العام، هو العتبة الأولى للرواية التي تتناول واقع الرقة أثناء حكم داعش، لكنه في الحقيقة لون يمتد من الرقة إلى بلاد كاملة غارقة في سواد الحرب بكل تداعياته وإيحاءاته، ولو نظرنا إلى الغلاف كعتبة ثانية، لرأينا بندقية متماهية مع ماكينة الخياطة، الماكينة التي كانت بطلة الرواية نسرين تستخدمها لحياكة العباءات والدروع لنساء الرقة، وكأن الحرب ماكينة ضخمة تحيك نسيج البلاد وتنسجه كما تريد.

ولأن القصص السيئة لا تسرد، كما يقول المغيرة في بداية الرواية، كان لا بد من سرد حكاية الرقة (مدينته) حتى لا يأخذها النسيان، وعبر حكاية بطلتيه، نسرين وآسيا، لنكتشف معهما معاناة النساء في تلك الظروف القاسية، و لنرى أن كل امرأة تختزن قصة معاناتها الخاصة وكل النساء في الرواية كما الواقع بطلات.

فعلى الرغم من أن نساء الرقة كن يرتدين العباءات في حياتهن اليومية، إلا أن عباءات داعش لم تكن تعني "سوى قماش أسود زائد" عن الحاجة، ولهذا حين خرج التنظيم سارعت النساء إلى خلع العباءات، في إيحاء غامض التبسهن لمقاومته والتحرر من حياة أجبرن عليها، فإذا كان الفقراء هم وقود الحرب، فإن النساء هم رمادها ولهم النصيب الأكبر في المعاناة.

عن أيام احتُجزت فيها الرقة عن الحياة بقوة السواد، واستباح اللون الأسود كل شيء: واجهات المحلات، اليافطات والرايات وشاخصات القرى، النساء، والحياة..."قماش أسود"، رواية المغيرة الهويدي الأولى الحائزة على جائزة غسان كنفاني لهذا العام

 تقع نسرين كطريدة في فخٍ لا تستطيع الخروج منه، في ذهابها إلى الرقة حيث يقيم أهل زوجها، فهي لا تملك مكاناً آخر تلجأ إليه بعد اعتقال أو اختطاف زوجها من قبل إحدى الفصائل المسلحة في مدينته الرقة، ليتحول المكان إلى ثقب أسود يمتص كيانها وحياتها تحت رحمة الظرف الواقع على المدينة، ولتضطر فيما بعد للنزوح مع زوجة عمها آسيا إلى مخيم الزور هرباً من معارك متوقعة، بعد أن قضت وقتها خلف ماكينة خياطة، تخيط العباءات والدروع التي يفرضها التنظيم على النساء، وهو العمل الذي أقنعها والد زوجها به لتوفير المال الكافي للهرب إلى أي بقعة أخرى خارج هذا الجحيم المتمدد، في بلاد تغرق في حدادها وعذابها. بينما يختزن  عمها المال ليهرب، تاركاً إياها وزوجته الجديدة آسيا تواجهان مصيرهما وحيدتين.

 في المخيم، تتعرفان على نساء كثيرات لكل منهن حكايتها الخاصة وليواجهن مع غيرهن من سكان المخيم أسوأ الظروف، من عواصف وأمطار إلى المعارك الحادثة بين داعش وقسد للسيطرة على القرية المجاورة لأهمية موقعها الجغرافي. يموت الكثيرون تحت القصف المتبادل، وتبدو المعركة غير المنتهية زمناً متوقفاً في المكان، يمتص الأجساد التي تتساقط تباعاً.

المسألة مسألة وقت لا أكثر 

والوقت حين يرتدي ثوب الانتظار يصبح تعذيباً، وحين يكون الانتظار مساحة مبهمة بين النجاة واللا نجاة، يمتد بلا نهاية ويغدو وحشاً يأكل الانسان وينهشه بلا هوادة، وحين تصبح النجاة حفرة معاناة أقسى من الموت، وبدء حياة محورها الدوران في متاهة البحث عن بقاء وحياة عصية في واقع الحرب الطويلة، يتحول الوقت إلى ميزان بين الحياة والموت، نحصيه بعدد الموتى والجثث التي يتم دفنها فيما بعد.

"وكأن الحرب ماكينة ضخمة تحيك نسيج البلاد وتنسجه كما تريد"

يصبح الزمن لدى نسرين بلا معنى، مثلها مثل الجميع، وهم العالقون في دائرة المكان المقتطع عن العالم، والمعزول بقوة الدولة الإسلامية داعش.

لم يحدث شيء أكثر أهمية من المعركة، تقول نسرين، لكن ما أهمية وصف المعركة وأنت تحت خطر الموت. تنخفض راية وترتفع راية، والمخيم يتابع حياته اليومية، فلا أحد يريد داعش لكنهم يخافون الفاتورة التي قد تترتب عليهم لدفعها لأطراف جديدة، السكان العزل والفقراء هم الضحية الأولى. ترافق نسرين آسيا، زوجة عمها الجديدة، الساخرة والحرة من الداخل، والتي كسرتها الحياة مراراً منذ تزويجها في سن مبكر لشريك اخيها زواجاً أشبه بالبيع إلى طلاقها وخيانة زوجها الثاني لها، لقد عاشت القهر في زيجاتها الأربع، كان آخره تخلي زوجها عنها وهربه.

تشكل آسيا نموذجاً للمرأة التي تجاوزت انكسار الأنثى فيها بالسخرية من الواقع وعالم الرجال، كانت تجد دائماً وقتاً لتهتم بنفسها وجسدها، فتحمل زينتها في نزوحها وتتخذ قرار المغادرة في اللحظة المناسبة. تقول لنسرين: "عندما يتعلق الأمر بالرجال تعلمي ألا تنتظري". وحين يأخذها رجال قسد للتحقيق، تواجه المقاتلات الكرديات، نساء مثلها لكنهن يرتدين وجوه الرجال حين يقمن بالتحقيق معها، وهو ما يجعلها تشعر بالإهانة المضاعفة. إنه قناع السلطة والسطوة، وتستنتج أن هناك نساء كثيرات يحلمن بان يصبحن رجالاً ليمارسن ذات العنف.

 وآسيا نموذج، على عفويته، يطرح الأسئلة التي يخافها الآخرون دون تهيب، فتجربتها في الحياة علمتها الجرأة وعدم الخوف، تتساءل آسيا من اختار للعباءة لونها الأسود، رجل أم امرأة ؟ كما تتساءل في نفاذ صبر، ما الذي ينتظره الله ليتدخل، ولماذا تنجب النسوة كل هؤلاء الأطفال في ظروف غير طبيعية؟ ولا تعلق على تبرير نسرين بأن المرأة تبحث عن تعويض عاطفي بالإنجاب.

من نبش الأرض إلى نبش الذاكرة يتداعى السرد بسيطاً على طول رواية "قماش أسود" إذ تميز كاتبها بالقدرة على الوصف الدقيق والمتقن

نسرين التي رغم عزلتها الطويلة لم تتوقف عن استخدام حذرها الذي ينقذها مراراً، تنظر إلى السقف الذي رافق حياتها وتفكر بحلمٍ يهدّه، السقف الذي يجعل كل شيء محدوداً، والذي يحول سقف البيت إلى سقف خيمة، لكن فقدانه لم يأت بالحرية بل بالمعاناة أكثر، إذ كان العراء هو الحضن الذي احتواهم جميعاً بكل ما يحمله من قسوة. تهدّ سقف انتظار الزوج الطويل (إذ تدرك أنه مقتول) وتترك العنان لقلبها، فترتبط بيوسف الشاب الذي وقف إلى جانبها طوال الوقت.

تسير الرواية بخطين متوازيين من السرد على لسان البطلة نسرين، سرد الواقع من بدء النزوح إلى مخيم أرض الزور، وخط آخر يتناوب معه، يشكل الصوت الداخلي للبطلة. يعتمد أسلوب الخطف خلفاً في سرد حكاية الماضي المنبثقة في قلب الحكاية الواقع على شكل ذكريات أو هذيان، حيث تستعيد نسرين عبره تفاصيل حكايتها منذ البداية، فهي شابة من حمص، خريجة جامعية تحضّر لدراسات عليا في الأدب العربي، تهرب من ظلم أخيها الذي مارس عليها كل قسوته وعنفه، من ضرب وتنكيل وسجن في الغرفة، وقص الشعر وتمزيق كتبها وأوراقها، وذلك لأنها أحبت شاباً من طائفة أخرى أولاً، وعمل منذ بداية الأحداث كناشط سياسي ثانياً. وتحت هذا الظلم تهرب إليه ويتزوجان، لكن اختطافه يغير حياتها بالكامل.

"للأمهات نفس الرائحة من عرق الولادة والحليب والدموع، لاذعة وشهية تترسخ في اجسادهن بعد الولادة، وتتعمق بالرحمة والسلام مع التقدم بالعمر"

في المخيم، نتعرف على قصص النساء اللواتي علقن، مثل نسرين وآسيا، إذ غادر رجالهن في هجرتهم وبقين يحصين الوقت في انتظار اللحاق بهم تحت عنفة الموت وقسوة الظروف.

فخولة تنتظر لم الشمل من زوجها في ألمانيا مع ثلاثة أولاد، وحليمة التي بقيت في الرقة من أجل أختها المشلولة تموت بطلقة طائشة وتتركها. تبكيها نساء المخيم ويندبنها بصوت عال، ليطلقن عبر رثاء حليمة حزنهن المكبوت من سنوات في غناء فراتي مر وحزين، ولامبالاة نهر الرجال لهن. تقول إحدى الرقاويات : "سنين ما بكينا، زاد انتو ما بكلوبكن رحمة؟". والبكاء هنا ليس فقط تفريغ لمكبوت الحزن والقهر بل استعادة لمكون إنساني مسلوب، فقد كانت داعش تحرم البكاء على الميت، كما كانت تحرم التدخين وكثير من الأشياء البديهية في الحياة، وحتى أساليب التسلية والتعليم، كالتلفاز والدش والقراءة، إلا الكتب التي تفرضها، وخروج النساء دون محرم ولوكان طفلاً لا يفهم من الحياة شيء المهم أنه ذكر.

لقد بكت النسوة في حليمة أحزانهن المختزنة. تقول نسرين: "كل النساء بكين في تلك الليلة مرتين على الأقل، مرة على حليمة والمرة الثانية حزناً على أنفسنا، أننا قد نموت بهذه العشوائية، أليست عشوائية رخيصة؟ أن تموت وأن تنجو مصادفة، أن  يكون موتك بلا قيمة تذكر في فوضى ما يحدث؟".

من نزوح إلى نزوح هرباً من الموت الحاضر في كل شبر، و يصير الأمان المطلوب مختزلاً في تفاصيل صغيرة، قد لا تكون مهمة لكنها أفضل من المجهول، كانتظار العودة إلى قرية تدمرت او الهروب إلى غربة جديدة بعيداً عن ساحة المعركة.

النبش: "ستعيش إن خبأت كتبك جيداً وستعيش إن واظبت على قراءتها"

تميز أسلوب الكاتب في كلا السردين باستقلالية صوت السارد ( نسرين) وباللغة الأدبية العالية والمؤثرة والأقرب إلى الشعرية في أكثر من مكان، وهذا خفف حدة الواقع في المرور على الأحداث دون التفاصيل، كتعليق الرؤوس على سور الحدائق، وقتل رجل بطلقة بالرأس بعد صلبه في ساحة في المدينة، ووجود رجال في أقفاص حديدية مع جماجم وهياكل عظمية بشرية، وتعذيب النساء على يد كتيبة الخنساء.

معنوناً فصول الرواية بالنبش المحدد بأرقام الفصول، والنبش هو ما كان يفعله يوسف، الشاب المحامي الذي عاد إلى الرقة ليعتني بعائلته، فعلِق هناك، ودرءاً لعقاب داعش، قام بدفن كتبه ليقوم بنبش الكتاب تلو الآخر لقراءته سراً، وتمريره لنسرين لتشغل وقتها، بينما قام والد زوجها بإحراق كتب ابنه كلها، حتى الجامعية. والنبش هوما كانت تفعله نسرين في الليلة الأخيرة من الرواية، حيث يبدأ القصف على المخيم لتسلل عناصر داعش منه إلى القرية، فتهطل القذائف مدراراً على رؤوس السكان العزل، ويرتمون على الأرض، ينبشون التراب لحفر حفر تستر أجسادهم من القذائف والشظايا.

ومن نبش الأرض إلى نبش الذاكرة يتداعى السرد بسيطاً على طول الرواية، إذ تميزت قدرة الكاتب على الوصف الدقيق والمتقن، وهو ما زركش الرواية بنقل البيئة نقلاً أميناً دون ترهل فيه ودون شطط، في تناوب السردين تناوباً حافظ على الشد وجذب القارئ والتأثير فيه.

الرواية من واقع الحياة السورية ولا يمكننا إلا أن ننتبه أن اقتطاع نسرين من واقعها وزرعها في واقع آخر غريب عن بيئتها كشف تشابه معاناة المرأة على اختلاف البيئات، إذ لا تملك قرار حياتها دون الرجل ولا خياراتها، حتى صار الرجل مرتبطاً بفكرة السجن، كما تقول نسرين. لقد ضاعفت الحرب معاناة المرأة رغم أنها كانت قاسية على الرجال والنساء، و للمعاناة وجوه عدة لكنها تملك نفس الطعم في الأفواه، كما "للأمهات نفس الرائحة من عرق الولادة والحليب والدموع، لاذعة وشهية تترسخ في اجسادهن بعد الولادة، وتتعمق بالرحمة والسلام مع التقدم بالعمر".

تنتهي الرواية في ليلة ممتدة تحت القصف المتبادل والقذائف التي تقتلع كل شيء، بينما نسرين تنبش الأرض وتتذكر دوران آسيا بالعباءة، حيث يتناوب الضوء مع سوادها، ولعله في هذه النهاية المفتوحة يعيدنا إلى أمل غامض يلتصق بتراب هذه البلاد، فالأسود أيضاً عرف عند المصريين بلون البدايات والنهايات، ولهذا كان لون الحياة لديهم إذ يرمز للتربة الغرينية الخصبة تربة النيل الواهبة للحياة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard