ماذا لو لم يشقّ الفرنسيون قناة السويس؟

الاثنين 29 أغسطس 202211:25 ص

لِمصر تاريخ طويل من المواعيد مع النِعَمِ والمصائب، مع الانتصارات والهزائم، مع الإنجازات والنكسات. أحد أهم هذه المواعيد كان في 17 تشرين الثاني/ نوفمبر 1869، يوم تدشين قناة السويس. هو مشروع ضخم، خطط له ونفّذه الفرنسيون لوصْل البحر الأبيض المتوسط بالبحر الأحمر وتسريع حركة النقل بين أوروبا الصناعية وأسواق المستعمرات، الغنية أيضاً بالموارد والمواد الغذائية.

ذلك اليوم لم يغيّر تاريخ مصر وموقعها الجغرافي-السياسي وحسب، بل غيّر معالم وموقع ووظيفة الشرق الأوسط ككل في لعبة التنافس بين الدول العظمى. فقناة السويس عززت التواصل بين الشمال والجنوب، وساهمت في توفير شروط ملائمة لبداية العولمة منذ القرن التاسع عشر. لكن بقدر ما ظهرت أهميتها للعالم أجمع ولمصر، بقدر ما تسببت بأحداث ووقائع كان يمكن لتاريخ مصر والشرق الأوسط والعالم أن يكون مختلفاً لولا وجودها.

بمعنى آخر، شهدت مصر والمنطقة صراعات وأزمات وحروب، كان من الممكن تجنّبها أو كانت ستأخذ أشكالاً مختلفة ربما، لو لم يتم شق هذه القناة التي أدهشت العالم ومؤرخيه، ومن بينهم الباحثة كارولين بيكيه، مؤلفة كتاب "تاريخ قناة السويس" (صدر باللغة الفرنسية سنة 2009)، والمؤرخ أوبير بونان الذي كتب مؤلفاً عن "تاريخ شركة قناة السويس 1858-2008، بين الجدل والمنفعة" (صدر باللغة الإنكليزية سنة 2010).

من برزخ إلى ممر مائي

مع حفر القناة، تحوّلت مصر من بلد يمتلك برزخاً يربط بين البحرين الأبيض المتوسط والأحمر، إلى بلد مطلّ على ممر مائي. في كلا الحالتين، موقع مصر يُعتَبَر استراتيجياً في "الجيوبوليتيك" العالمية. لكن القناة توفّر أوراقاً رابحة لا مثيل لها. فلو ظل البرزخ على حاله، لكانت الدول الاستعمارية ستكتفي بتجهيز بنى تحتية كفيلة بتسهيل حركة النقل البري، بواسطة السكك الحديدية، لنقل البضائع بين الساحل المصري على البحر المتوسط ومرفأ السويس على البحر الأحمر، أي يتم نقل الحمولة بحراً من مرفأ أوروبي إلى مرفأ الإسكندرية على البحر المتوسط، ثم يتم نقلها براً إلى مرفأ السويس ومن ثم إلى وجهتها الإفريقية أو الآسيوية. والعكس بالعكس أيضاً.

كل هذا مفيد، والنقل كان سيجري بشكل موازٍ لعمليات النقل عن طريق رأس الرجاء الصالح في جنوب إفريقيا. مثلاً بفضل السفن البخارية، كانت الرحلة بين لندن وبومباي تستغرق 40 يوماً بواسطة برزخ السويس، مقابل أربعة أشهر عن طريق رأس الرجاء الصالح. لكن هذا لم يحُل دون البحث في كيفية توفير نفقات النقل عبر هذا البرزخ. فكان المشروع الفرنسي بشق الممر المائي الذي سرعان ما حوّل المنطقة إلى ميدان تنافس بريطاني-فرنسي كلّف مصر عقوداً من الاحتلال والويلات.

قبل اكتشاف رأس الرجاء الصالح بحلول سنة 1488، كانت كل المنطقة العربية بمثابة برزخ يسلكه التجار الأوروبيون للذهاب نحو الهند وأسواق آسيا. لكن بعد ذلك الاكتشاف الذي غيّر وجه العالم، تراجعت نسبة استخدام هؤلاء التجار للممرات البرية الشرق أوسطية. صحيح أن سكة الحديد كان من شأنها إعادة تحفيز حركة النقل التجاري، لكن حفر قناة السويس أعاد خلط الأوراق في سياسة المواصلات والتجارة العالمية.

أولوية بريطانية

بسبب القناة، باتت الهيمنة على مصر أولوية بريطانية. في البداية، أي عندما دُشّنت سنة 1869، فضّل البريطانيون مقاطعة "الشركة العالمية لقناة السويس" التي أسسها الفرنسيون، والتي تعود 44% من أسهمها لمصر، و52% لمساهمين فرنسيين و4% لأطراف من جنسيات مختلفة. لكن لندن أدركت بسرعة مدى الأهمية الاستراتيجية للقناة، ودوافعها لم تكن تجارية فقط، بل عسكرية أيضاً. فالبريطانيون عانوا كثيراً لنقل أسطولهم العسكري من البحر الأحمر إلى البحر المتوسط ثم إلى البحر الأسود خلال حرب القرم التي خاضتها المملكة المتحدة وفرنسا إلى جانب السلطنة العثمانية ضد روسيا بين عامي 1854 و1856.

إذاً، تكمن أهمية القناة في تسريع وتيرة التبادل التجاري وتخفيض تكلفته مما يساهم في انخفاض أسعار السلع من جهة. وميزتها من جهة أخرى تتمثل في تسهيل انتقال القوات العسكرية من وإلى المستعمرات الإفريقية والآسيوية.

عام 1875، عانت مصر من أزمة مالية كادت تؤدي إلى إفلاسها. هذا التهديد دفع القاهرة إلى بيع أسهمها في شركة السويس (44%) للبريطانيين. لكن السيناريو الأشد خطورة تمثل في فرْض وصاية مالية فرنسية-بريطانية على الحكومة المصرية. لم يحْتَمِل المصريون هذا الوضع، فتمرّدوا عليه مطلع ثمانينيات القرن التاسع عشر، وخاضوا حراكاً بهدف التحرر من تلك الوصاية المالية الأجنبية، لكنهم حصلوا على ما هو أسوأ منها. فبريطانيا تذرعت بوجود قناة السويس صيف 1881 لتبرير تدخلها العسكري ضد الحراك المصري، وبررت حربها بأن الفوضى التي تهدد مصر تؤثر سلباً على الملاحة في قناة السويس. هكذا، تكون القناة قد جلبت استعماراً بريطانياً لمصر دام 74 عاماً، بين عامي 1882 و1956. وطوال تلك الفترة، تحوّل برزخ السويس إلى منطقة مليئة بالقواعد العسكرية البريطانية.

"بقدر ما ظهرت أهمية قناة السويس للعالم أجمع ولمصر، بقدر ما تسببت بأحداث ووقائع كان يمكن لتاريخ مصر والشرق الأوسط والعالم أن يكون مختلفاً لولا وجودها"

معاناة مصر مع الاحتلال تقابلها فوائد ومكاسب عرفت بريطانيا كيف تحصّلها بحنكتها وبتفوّقها كقوة عالمية آنذاك. ولقناة السويس فضل كبير في الحفاظ على هذا التفوّق أيضاً، وفي تحقيق الانتصارات ضد أعداء لندن خلال الحربين العالميتين، الأولى والثانية.

الحرب العالمية الأولى

نظرياً، كانت هناك نيّة دولية بالحفاظ على "الحياد" في هذا الممر البحري، أي أن تبقى حركة مرور السفن متاحة لجميع الدول، لا سيما في زمن الحروب. حتى الدول تلك التي كانت تتقاتل في ما بينها كان يتوجب عليها احترام الحياد في منطقة القناة، أي عدم تحويلها إلى منطقة حرب.

بيد أن الحياد لم يكن ملائماً لمصالح لندن، ولولا قناة السويس، لكانت واجهت صعوبات أو مُنِيَت بهزيمة ربما في الحرب العالمية الأولى بين عامي 1914 و1918. فحينذاك، استخدم البريطانيون وحلفاؤهم القناة لضمان الإمدادات بين مواقعهم وأساطيلهم في المستعمرات وبين تلك الموجودة في البحر المتوسط وجنوب أوروبا. وهذا ما جعلهم يستميتون في الدفاع عنها ضد العثمانيين قبل أن ينتصروا عليهم اعتباراً من صيف 1916.

مع تلك الحرب، باتت نظرية حياد القناة في مهب الريح إلى درجة أن البعض بدأ يطلق عليها تسمية "قناة الإنكليز". ستكون القناة من جديد مدار صراع شديد، عشية الحرب العالمية الثانية ثم خلالها، بين إيطاليا وألمانيا من جهة، وبريطانيا وحلفائها من جهة ثانية.

الحرب العالمية الثانية

قبل بدء تلك الحرب سنة 1939، نشب خلاف بين إيطاليا وألمانيا وبين الإدارة البريطانية-الفرنسية المشتركة لقناة السويس. روما وبرلين طالبتا بأن يكون لهما دور في إدارتها. أتى جواب لندن سلبياً. فبدأت تتراكم شروط مواجهة آتية لا محالة.

كانت السفن الحربية الإيطالية تستخدم القناة. وكان هناك تواصل بين الحكومة الفاشية والإيطاليين العاملين في القناة والقاطنين في برزخ السويس. هنا، اتخذت لندن خطوات استباقية، عبر تعزيز وضعية جيشها الدفاعية في القناة، وإقصاء الإيطاليين من المراكز الأساسية في إدارة القناة، كي لا يقدّموا معلومات استخبارية لروما.

مع اندلاع الحرب العالمية الثانية، لم يكن هناك أي تهديد فعلي للقناة. لكن سيطرة إيطاليا على ليبيا وإريتريا والصومال والحبشة كانت تثير مخاوف البريطانيين. أصبح الخطر جدياً مع هزيمة فرنسا في حزيران/ يونيو 1940، لأن كل وجود عسكري فرنسي تابع لحكومة "فيشي" المتعاملة مع ألمانيا النازية تحوّل إلى تهديد لبريطانيا. وتضاعف الخطر عندما حاولت إيطاليا احتلال مصر بدعم ألماني في أيلول/ سبتمبر 1940. لكن فشَل تلك الحملة وعدم خضوع الكثير من الفرنسيين لحكومة "فيشي" وانضمامهم لقوات "فرنسا الحرة" بقيادة الجنرال شارل ديغول، فضلاً عن التدخل الأمريكي في شمال إفريقيا أواخر صيف 1942، كلها عوامل ساهمت في توفير توازن قوى ملائم للبريطانيين وضمان سيطرة الحلفاء على قناة السويس.

"شهدت مصر والمنطقة صراعات وأزمات وحروب، كان من الممكن تجنّبها أو كانت ستأخذ أشكالاً مختلفة ربما، لو لم يتم شق قناة السويس التي أدهشت العالم ومؤرخيه"

شكّل هذا الممر المائي موقعاً استراتيجياً في معركة البحر المتوسط خلال الحرب العالمية الثانية. استمرار السيطرة عليه كان ضرورياً لتأمين أسرع طريق للإمدادات العسكرية ونقْل الجنود من المستعمرات وتزويد القوات المحاربة في القارة الأوروبية بالنفط. وبالتالي، كان من الممكن أن يكون وضع هذه القوات أكثر صعوبة بمواجهة ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية لولا تحكّم بريطانيا بقناة السويس وما وفّرته للحلفاء من أوراق رابحة في المنظور العسكري.

معركة السيادة المصرية على القناة

انتهت الحرب وبدأت مرحلة السعي إلى التحرر من الهيمنة الاستعمارية في العالم. كان المصريون يطمحون إلى الاستقلال، فيما كانت أولوية البريطانيين الاحتفاظ بموطئ قدم لهم في منطقة السويس لضمان استمرارية سيطرتهم على القناة. أوروبا المدمرة دخلت في مسار إعادة الإعمار وشهدت انتعاشاً اقتصادياً أدى إلى تزايد الحاجة إلى النفط الذي تمثل القناة أحد ممراته الاستراتيجية. حركة التجارة الدولية ازدهرت عموماً عبر هذا الممر المائي المصري، بعد الحرب العالمية الثانية. بيد أن الحكومة المصرية كانت تتلقى أقل من 2% من الأرباح الصافية لشركة السويس، وهو إجحاف لم يعد من الممكن أن يمر مرور الكرام في القاهرة.

تصاعدت الضغوط الشعبية مطلع خمسينيات القرن العشرين للمطالبة ببسط السيادة المصرية على قناة السويس. وأتت هذه المعركة في سياق قيام دولة إسرائيل ونكبة 1948، وتزايد نقمة المصريين حيال حرية مرور السفن الإسرائيلية في القناة. وجود هذه الدولة الحليفة للغرب على قسم كبير من فلسطين، جعلها بمثابة "الدولة الحاجزة" بين منطقة المشرق ومنطقة وادي النيل. وجودها يفصل إذاً بين العرب المناهضين للاستعمار والحركة الصهيونية، ويُضعف قدراتهم من منظور "جيوبوليتيكي".

حرب عصابات

لم تكن لندن مستعدة للتخلي عن قناة السويس. احتدم الصدام وتحوّل إلى حرب عصابات مصرية ضد البريطانيين، مطلع خمسينيات القرن العشرين.

تحت شعار الحفاظ على الوضعية الدولية للقناة (المكرسة منذ عام 1888)، كان الغربيون يتخوفون ضمنياً من فقدان سيطرتهم على ممر حيوي للتجارة العالمية ولخطوط تزويد أوروبا الصناعية بالنفط. وهذا ما جعل من مسألة السيادة المصرية على القناة من المحرمات أو الخطوط الحمر التي يُمنَع تجاوزها.

تأميم قناة السويس

عندما استلم "الضباط الأحرار" الحكم في مصر، صيف 1952، اختاروا التفاوض والأطر القانونية كسبيل لإنهاء النزاع مع البريطانيين. من الناحية التكتيكية، فضلوا كسب الوقت خوفاً من عدم تمكّن العمال والموظفين المصريين من إدارة القناة بما يضمن استمرارية تشغيلها بنفس الكفاءة والجودة المطلوبة عالمياً. لكن هدفهم النهائي كان واضحاً للجميع: "قناة السويس مصرية".

بعد تريث لسنتين، وإثر امتناع واشنطن عن تمويل مشروع بناء سد أسوان، اتخذ جمال عبد الناصر قراره وأعلن تأميم قناة السويس في 26 تموز/ يوليو 1956. أحدث ذلك قطيعة استراتيجية في العلاقات الدولية وأثار أزمة خطيرة، كادت تتحول إلى حرب نووية. فالعدوان الثلاثي الذي شنته بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، خريف 1956، رداً على قرار التأميم، قوبل باعتراض أميركي حازم، وبتهديد سوفياتي باستخدام السلاح النووي، ما لم يتوقف.

صحيح أن مصر مُنِيت بهزيمة عسكرية في هذه الحرب، لكن "أزمة السويس 1956" انتهت بانتصار سياسي مصري لا يمكن إنكاره. أولاً، لأن الإدارة المصرية للقناة أثبتت قدرتها على ضمان تشغيلها بكفاءة، مما بدد ذرائع باريس ولندن حول عجز مصر عن ضمان استمرارية العمل في القناة. ثانياً، لأن السيادة المصرية أصبحت أمراً واقعاً لا يمكن الطعن به. ثالثاً، لأن مرحلة ما بعد هذه الأزمة، شهدت أفول النفوذ البريطاني والفرنسي في الشرق الأوسط. يبقى أن هذه الحرب ما كانت لتحصل ربما لو لم يحفر الفرنسيون هذه القناة التي كان يُراد لها أن تكون وسيلة تواصل عالمية في خدمة السلام والتبادل الحر.

مكانة مصر

لهذه الصفحة الجديدة من تاريخ قناة السويس عنوان واحد: تأكيد المكانة الدولية والإقليمية لمصر. عندما قررت القاهرة إقفال القناة لمدة 8 سنوات، منذ الهزيمة في حرب حزيران/ يونيو 1967 وحتى سنة 1975، أي حتى ما بعد اتفاقية فك الاشتباك بين مصر وإسرائيل التي وُقّعت سنة 1974، أدرك العالم أهمية هذا الممر المائي للتجارة العالمية. فقناة السويس تساهم في تخفيف كلفة النقل وبالتالي في انخفاض أسعار المواد الاستهلاكية على أنواعها.

لكن ما لا تستطيع مصر تجاهله في المقابل هو أن الاقتصاد العالمي يتضرر، إلا أنه لا ينهار بشكل مأساوي، إذا لم تعد القناة قيد التشغيل لسببٍ ما. أنابيب النفط في أماكن عدة في العالم، ومن ضمنها مصر نفسها، تمثل خياراً مقبولاً لإمداد أوروبا بالمحروقات. أما الولايات المتحدة فهي تتمتع باستقلالية في مجال مصادر الطاقة، ناهيك عن أن نسبة كبيرة من نفط الشرق الأوسط تذهب من الخليج مباشرة إلى دول آسيوية. كذلك، لا تزال منطقة رأس الرجاء الصالح، ممراً للسفن الكبرى غير المخصصة تقنياً لاجتياز قناة السويس. وهي طريق، على الرغم من طولها بين المحيط الأطلسي والمحيط الهندي مروراً بجنوب إفريقيا، قادرة على استعادة دورها المنافس لقناة السويس، عندما تقع أي حرب، أو حين تتعرض المنطقة لاضطرابات وحوادث من شأنها رفع كلفة التأمين على الحمولات وعمليات نقل البضائع.

ثمة إذاً وضع تنافسي لا يمكن لمصر التقليل من شأنه. بالطبع، لا تمثل عائدات حركة الملاحة في قناة السويس المورد المالي الوحيد الذي تعتمد عليه الحكومة المصرية منذ قرار التأميم، لكن مع بلوغ الإيراد المالي السنوي حد السبعة مليارات دولار في العام المالي 2021-2022، تصبح القناة واستمرارية تشغيلها حاجة مستمرة للدولة المصرية.

وإذا كان من شأن عدم حفر هذا الممر المائي الاصطناعي أن يغيّر في الكثير من الأحداث والوقائع التي شهدها تاريخ مصر والمنطقة، فإن المصريين هم أكثر مَن يعلم إلى أي مدى كانت ستتضرر المالية العامة لدولتهم لولا وجوده، أو لو لم يتم تأميمه. فكيف الحال إذا تمت خصخصتها في المستقبل، بحسب المعلومات أو الشائعات المتداولة؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard