صفحة من المتتالية القصصية "احلمي يا سيدي" لسارة أبو غزال

الثلاثاء 16 أغسطس 202203:07 م

أحلام نجمة العوّاد كما روتها لسلوى ونضال وزهرة ونفسها
إسوارة الذهب

 خير اللهم اجعله خير الله يا ستي، كنت قال واقفة تحت شجرة، وكنت لابسة طرحة بيضا مطرّزة بخيط ذهب، وقال بستنّى بإمي تعطيني شربة ميّ فيها ملعقة عسل. قال بشوف كنّه في زلمي بمشي من ناحية دار الشايب لعندي، وصرت خايفة يكون جاي عليّ! وبعدين بشوف إمي مع الزلمي! وبطلع سيدك! وقال واقف جنب إمي وبعطيني إسوارة ذهب وقال بتلبسني ياها إمي ومنصير بالشارع الرئيسي منستنى بعرباي تاخدنا عحيفا. لما حكيت لإمي الحلم، قالتلي إنكتم ومحكيش الحلم لأي حدا. بس أنا عرفت يا ستي، كنّه محمد ديخطبني!

أسد

 قال كُنا بحيفا، ومحمد دينزل علبحر، وأنا بحكيله إنو اليهود حطّوا أسد ببحر حيفا بكلنا، بس محمد مكنش يرد عليّ، وقال نزل علبحر وصار كل ما تطلع عليه موجة يعزم عليّ أنزل معه! وأنا واقفة عشَّط خايفة! قال بعدين أجت موجة كبيرة يا ستي طول بنايتنا واختفى محمد! وقال صرت أمشي علشط أفتش عليه، وكل ما أحط إيدي علرمل يطلعلي سمك صغير! قال ولاّ بشوف زي مرا جاي من بعيد وبركض لعندها، ولا بتطلع يهودية وصارت تصرّخ عليّ وتقولي البحر إلنا، إطلعي منو إسا جاي أسد البحر يوكل كل العرب.

 لما فقت من الحلم، كنّي كنت ناسية، قال قُمت أحكي لمحمد ولا أنا متذكرة، راح محمد وراح البحر، كنّي نسيت.

إسرائيل

 خير اللهم اجعله خير، خير اللهم اجعله خير. قال أجى موسى اليهودي صاحب أبوي لعنّا علبيت، وقال لأبوي إنو القيامة بدها تقوم كمان سيعة، وأحسن نعمل يهود عشان الله يسامحنا ويتركنا نقعد شوي. قام أبوي دوّر الراديو لنشوف إذا رح يذيعوا إنو القيامة رح تقوم، بس كان الراديو يذيع كلمات يهودية وصار يطلع صوت يقول دولة إسرائيل ولّا أبوي قام لابس بإجره وقال فتح الراديو عشان يدخل فيه ويزبطه عشان يحكي عربي.

المتتالية القصصية "احلمي يا سيدي" لسارة أبو غزال صدرت عن دار خان الجنوب، تتناسل ضمنها حكايات عائلة عاشت القتل والتهجير والاحتلال

 بيروت

 كنّو سهت عيني ربع سيعة، يمكن نص سيعة. كنا نقلنا علبيت الجديد، قديش أنا عشت ببيروت، بس بعمري ما شفتها من فوق، كنت قبل النومة علبرندا وبعدين صلّيت الظهر وأكلت لقمة بامية أنا وعم أتفرّج علعمار كيف بصير قدام البناي، وبعدين قمت تلقحت علكنباية. قال كنت واقفة عشَّارع الرئيسي بستنى بعربية تطلعني عحيفا، ولا بمرق زلمي بحنطور معاه بنتين بدويات وبطلع معاه. قال بنزلني عحيفا، بس كل ما أمشي دعسة، أتطلّع ولاقي حالي بشاتيلا! وبوصّل جنب بيتنا بشاتيلا بلاقي محمد واقف بستنّى فيني عباب الدار، بعدين بسمع صوت طخ. قمت مسبوعة.

بقرة

ببيتنا بشاتيلا، إم محمد جارتي كانت زيي، مترمّلة، وطلعت من بلدها لحالها مع خمس ولاد، كنا نضل عند بعض، نونِّس بعض، كمان عشان فش زلام ولسان الناس بترحمش. بس هي كانت عقلاتها صعبة كتير وبنكسر خاطرها بسرعة. قال بالحلم، كنا مع بعض بسوق النورية عم نشتري أواعي للولاد قبل العيد، وقبل مفرق الكنيسة بشوف ثلاث لحامين طلعوا عشَّارع وصاروا يصيّحوا إنو بقرة العيد هربت! ولازم كلنا نفتش عليها! بتطلع هيك بلاقيش حفَّايتي، والأرض كلها وسخ وبنتبه إنو إم محمد مش جنبي! وبصير أركض مع هلناس، بلاقيش حالي إلا بساحة البرج والناس مجمَّعة وقال لاقوا البقرة، بتطلَّع هيك قال بلاقي إم محمد صارت بقرة وملبسينها فستان أصفر وهي عم تصيِّح وتولول! لما قلتها عن الحلم، زعلت مني يومين بتحكيش معي.

بير

 بتذكَّر إحنا وصغار طلعنا مرة عند أهل إمي قعدنا يمكن شهر، عشان سيدي طلع علحج وما أخدش ستي معه عشان هي كانت نادرة تحج بس لما خالي الكبير يخلف، إسا بهداك الوقت كانوا يغيبوا أشهر بالحج عشان كانوا بطلعوا علحناطير. إسا أنا إمي من الدامون وكنا نضل نوكل بطيخ وشمام من أرض أهلها. بهدا الشهر بنساش كيف أبوي أخدنا عنهر كان يقول إسمه نهر نعمة، وكنا ننزل من دار ستي وسيدي عساحة البلد ومنها في زي درج قديم كان يحكوله، درج الأعرج، عشان كانت كل درجة شكل، وأخر الدرج يا بتفرق علحيّ التحتاني، أو بتفرق عليمين وبتطلع علبساتين لتوصّل علنهر. إسا بهدا اليوم كيّفنا واكلنا وشربنا وكان أبوي يغنيلنا" لية ولية يا بنية"،ويتطلّع فيني ويغمزلي ويقولي يا نجمة البدوية.

 قال كنت عأول درج الأعرج، بس مكنش فيه ولا بواب ولا شبابيك عكُل البيوت إلي كانت علنزلة، وقال كان معي نضال وياسر ودنطلع نشوف النهر عشان زين بستنى فينا غاد. قال كنت لابسة فستان أخضر طويل وصار لازم أترِك إيد ياسر ونضال عشان ما أوقعش. بعدين بلقيش إلا نضال بركض عآخر الدرج وبفرق عناحية الحي التحتاني، بنزل وراه بسرعة، وكان كل إشي زي ما كان، بس نضال اختفى! وصرت أركض أشوف وينه، بلاقيش حالي إلا بحاكورة بيت ميلاد أبو ذيب وبلاقي فتحة بير بس فش ولا صوت طالع منها، وبعدين بسمع ياسر بالحلم عم يقول شوفي يا ستي، وبلاقي زلمي لابس عباي خضرا وتحتها شروال أبيض، وماسك إيد نضال وبقولنا: تخفوش علولد من البير. بفتح عيوني عصَلاة الفجر وبقوم أتوضى وصلّي وبستنّى بزهرة تصحى كمان لأحكيلها.

تفاحة

مكنش سهل كان إني أقعد بشاتيلا، مكنش سهل كان إني أنزل من البَص، كنت حاسة بدي أبعد عن الحدود عشان كان صعب عليّ أقتنع إنهم مش رح يلحقونا ويقتلونا مطرح مكنّا، نزلتنا العرباي بمحل بعدين عرفت إنو إسمه بنت جبيل وهناك أجو ناس قالوا إنو في مكان اسمه البص عم بقعدوا الناس فيو. نزلت دغري مع هلناس، ضلينا بلا أكل تقريبا يوم بكامله، زين ضل يبكي لأن كل الولاد كانت تبكي.

بالبص نمت علأرض بخيمة فيها نسوان مع ولاد وولاد بلا أهل، عطوني خبز وجبنة وجابولنا أبريق ميّ. منمتش كل هلليلة من صوت الولاد تبكي، كمان من وجع قلبي عمحمد. كانت الزلام ضايجة بالبص، كانوا بحكوا إنو اليهود دقُّوا بالبنات، كان طول الوقت بسمع إنهن رح يذبحن البنات. كان معي شوية ذهب ونزلت عسوق السمك بصور وبعت الذهب وأخدت الليرات وطلعت علميتم إلي كانوا نقلونا عليه، وأخدت خبز وجبنة وأواعي من يلي كانوا يوزعوها ولبست بنطلون تحت أواعيي وأخدت صابونة من إلي كانوا يوزعوها وحطيت عراسي ونزلت بسيارة 6 ركاب عبيروت. نزلنا الزلمي عساحة البرج ومعرفتش شو أعمل، وزين ضل ساكت طول الوقت وبتذكر شريتلو بقسماط.

مشيت أسأل وين أقرب جامع، كنت حاسة غاد رح نلاقي مين يدلنا وين نروح، لما وصلت عجامع معرفتش إسمه، شفت حج كبير وسألته عن وين بغدر أسكن، دغري عرف إني طالعة من البلد وطلب مني أستنى برا الجامع، إحنا وواقفين كنو حسيت حالي بمكان بعرفه، كان في إشي بساحة البرج بشبه عكا وحيفا مع بعض، بعدين أجى الزلمي معاه ولد هيك عمره 15 سنة يمكن، وقلي إنو الولد رح يوخدنا بالترام عند واحد عم يسكِّن فلسطينية عنده. محكاش الولد معي طول الطريق، بس كان يلعّب زين إلي ضل مستحي، لما نزلنا من الترام، مشينا لقدام شي 20 متر وبعدين فرقنا عليمين، وطلب مني الولد أستنى قدام بناي من ثلاث طوابق، بعدين نزل معه زلمي ومرة، والولد راح. طلع الزلمي إسمه حلمي أفندي ومرته السّت إنعام، وعرض عليّ نوخد غرفة مع حمام وتوابعها كانت عطَّابق الأرضي، ومكنش بده يوخد أجار، ضل يحكي عن إنو حل مؤقت عشان رح نرجع، وأخدتني مرته من إيدي وفتنا علغرفة وأعطتني المفاتيح وبعدين نزلت مع بناتها نضفنا الغرفة وأعطونا أواعي وأكل وأعطتني مناشف وغيارات للتخت وأعطتني حفاي جديدة من عندها.

...أبوي دوّر الراديو لنشوف إذا رح يذيعوا إنو القيامة رح تقوم، بس كان الراديو يذيع كلمات يهودية وصار يطلع صوت يقول دولة إسرائيل ولّا أبوي قام لابس بإجره وقال فتح الراديو عشان يدخل فيه ويزبطه عشان يحكي عربي - سارة أبو غزال

كان كل يوم يوصَل فلسطينية علحيّ وكنت أقعد علشباك أستنى الفرج لشهور، نوكل من شو يعطونا وتنزل لعندي المسا إنعام وتحكيلي عن الأخبار بالراديو، وصار الحي ملّان فلسطينية مستأجرين وصار يجو لعنا زلام يوزعوا علينا أكل وأواعي وصابون. ضليت هيك كم شهر وبعدين فتح معمل أواعي، ولّا حلمي أفندي حصلِّي أشتغل بالمعمل، كنت أطلع من السبعة الصبح لسبعة المسا، وأُخد معي زين إلي كان يقعد جنبي ويناولني الأواعي، كنت أُخد كم ليرة بالجمعة، كنت أسمع إنو فتحوا مخيّم بمنطقة قريبة، مكنتش أسترجي أنزل، كنت أخاف أطلع برا الشارع، كنت خاف من حكي العالم، كانت الزلام بالحيّ تبحر فيني أحيانا أكثر من اللزوم، مع إني كنت أحط عشعري وكنت ألبس بنطلون تحت الأواعي.

مش عارفة كيف صارت القصة، نزلت إنعام وقالتلي إنو في واحد بطلب إيدي، أنا كنت عارفة مين هو، أمين صاحب المَنْجَرَة لي فك نملية من عندها وركبها بالبيت عندي وسوّا حرف الشباك ليسكّر منيح. كان يحكي معي من الشباك بالمسا، يسأل إذا عايزة إشي، كان يشتري نعوُّمة وغزل البنات لزين، كان ميتطلّعش فيني وهو يحكي معي، يقولي: «ست إم زين». كان صوته يريحني كتير وكانت أصوات الزلام بالحيّ عالية. مش عارفة كيف سمعتها للست إنعام ومحكيتش كلمة. لما طلعت عبيتها، نيّمت الولد ومعرفتش أنام، حسيت حالي وسخة، قمت غسلت حالي وعملت كاسة شاي وقعدت أتقلب بالتخت واسمع إبني بحكي وبضحك بأحلامه. غفيت يمكن عأذان الصبح.

 قال كنت بغرفة وسيعة كتير، وصوت القرآن طالع، وقاعدة كنّي بعزا. كانت النسوان كلها لابسة أسود وقاعدة حوالين تابوت، وبعدين فات ولاد عمّي وحمّلو التابوت وطلعوا، وكل هلنسوان قامت وارهن ماشيات باكيات. بس ضليت أنا قاعدة لحالي بالغرفة مع كل هلكراسي الفاضية، وصرت شايفة إنو بآخر الغرفة في باب من قزاز وصرت شايفة حاكورتنا والوردات إلي كانت إمي زرعتهن، فقمت لشوف شو السيرة، ولما طلعت من الباب، صرت واقفة بقلب بستان بطل عوين كان بيت أهلي، وبسمع زي صوت حدا جاي، بعدين بتطلع بلاقي عشجرة اللوز طالعة منها تفاحة خضرا وكبيرة فبقطفها وبمسكها بإيدي، وبلاقي أمين جاي قال وحامل سكين عشان نقص التفاحة، بس أنا بصير أبكي كتير وبوخده مع التفاحة لجوا مطرح ما كان في العزا، بس أمين بقولي بدوش يفوت، ومش عارفة كيف بغمُرْني وبصير أبكي وبعدين بطلع هبِّة هوا قوية من جوا وبلاقي التابوت رجع علغرفة وفتح وقبل ما أشوف مين فيه، صحيت.

بهليوم المسا، كان في وحدة بتشتغل معي تهجَّرت مع إخوتها من عمقا، حكتلي إنو في واحد إسمه الأستاذ عبد رح يفتح مخيم بحرش شاتيلا عشان ملان عِيَل مش قادرة تدفع أجارات، ومعش واضح إذا كان جد رح نرجع قريبًا. تاني يوم الصبح، بعد صلاة الفجر، صحيت زين وحممته وأخدت بقجة صغيرة من أواعي وغيارات والذهبيات إلي فضلن معي والليرات من الأسبوعية ونزلت من البيت أسأل وين حرش شاتيلا، ولما وصلت كان في ناس كتير قاعدة علأرض، فقعدت أنا وابني عطَّرف جنب وحدة كانت لحالها كمان مع ولادها، وبالمسا كنا صرنا بقلب الناس والطرف صار بعيد، وكان وصل ناس من الوكالة عم بعطونا أكل ويسجلوا أسماءنا ويشوفوا لو معنا أي ورقة عن مين إحنا ويحدودلنا مساحة لخيمتنا. بعد يومين وصل لعندي حلمي أفندي وإنعام جايببن غراضي من البيت، ومتأسفين إذا زعجوني بقصة أمين، وإني رح أرجع علمعمل وبدون ما يحرِّج عليّ المعلم.

...

الغلاف الخلفي للكتاب

تسرد سارة أبو غزال بحرص وحساسية، مستخدمة طرقاً سردية متعددة، ما حدث لأفراد عائلة أبو سكر التي يحتل الماضي حيزاً أساسيّاً في بيتها، وأحياناً يسكنه الحاضر فتتشعب سرديات العائلة عن نفسها، على الرغم من أنها تنبثق من لحظة غياب زهرة وزين العابدين عن أرضهما.

كيف يعود محمد عبد الوهاب المقتول في عين عارة العام 1948 إلى شاتيلا ثم طريق الجديدة، وماذا يريد من أحفاده، ولماذا يغادر نضال، ولم تحلم سلوى؟

...

سارة أبو غزال: كاتبة فلسطينية نسوية من بيروت، تسكن في مدريد. تستلهم كتابتها السردية من التاريخ الشفوي للنساء، فتستكشف تقاطع الخطاب النسوي مع التراث الشعبي الفلسطيني. صدرت لها قصص قصيرة ومقالات في مواقع أدبية ونقدية.

...

جميع الحقوق محفوظة لدار خان الجنوب.

الكتاب متوافر في مكتبة خان الجنوب وعلى موقع الدار.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard