شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
"خير الوجهين" و"العضلة العمياء"... هوس الأرداف اللغوي

"خير الوجهين" و"العضلة العمياء"... هوس الأرداف اللغوي

مجاز

السبت 20 أغسطس 202202:35 م

الحواس العاطلة


اليوم راقبت رجلاً وهو يراقب مؤخرة امرأة.

كان متكئاً على عمود الكهرباء، يقلّب في هاتفه. رفع بصره حين اقتربت من مجاله الحيوي، أخفض رأسه حين صارت بجواره، ثم رفعه مجدداً بعد مرورها، وظل نظره مركزاً على مؤخرتها حتى غابت. 

صحيح أنني كنت على وشك الضحك، لكنني لم أفعل احتراماً لجديته، فنظرة الرجل كانت بمنتهى الحزم والإصرار. إذن لا بد أن هناك سراً ما يجعل من هذا الموضوع أمراً لا مزاح فيه.

عضلة عمياء... حقاً؟ 

عدت لكتابٍ كنت قد قرأته قبل سنوات عنوانه "تاريخ الأرداف"، وفيه يشرح جان ليك هينيج الاختلافات الحضارية في تعاطي الشعوب مع الأرداف، وعن سر إغرائها كـ"عضلة عمياء" كما يسميها.

اليوم راقبت رجلاً وهو يراقب مؤخرة امرأة.كان متكئاً على عمود الكهرباء يقلب في هاتفه، رفع بصره حين اقتربت من مجاله الحيوي، أخفض رأسه حين صارت بجواره، ثم رفعه مجدداً بعد مرورها، وظل نظره مركزاً على مؤخرتها حتى غابت... مجاز

هينيج لم تستوقفه قصة العرب مع الأرداف، وهي قصة لغوية ساحرة وطويلة، وتشي بالبعدين النفسي والجسدي بكلماتها، وهكذا ظلّ الرجل المتكئ على عمود الكهرباء، هو وأجداده، خارج تاريخ الأرداف، وعليه قررتُ كتابة هذا النص، بقليل من الذاكرة وقليل من البحث  لوضع الأمور في نصابها ووضع علاقة العرب بالأرداف على الخريطة. 

خير الوجهين... هكذا قالتها العرب  

لها أسماء كثيرة وكنىً أكثر، فإذا اعترفنا -ولا بد لنا أن نعترف- أن لا مترادفات في اللغة العربية، فعلينا أن نعترف إذن أننا اليوم لن نستطيع فهم تلك الفروق الدقيقة بين مؤخرة وأخرى التي استدعت كثرة الأسماء، منها "سافلة، عجز، مقعدة، وراء، دبر، مؤخرة، ردف".

لكن النصيب الأكبر لم يكن للمؤخرة بوصفها "عضلة عمياء" على رأي هينيج، وأعتقد أنك لو استوقفت إعرابياً في الصحراء وقلت له إنّ المؤخرة عضلة عمياء لانقلب على ظهره ضاحكاً، فالعرب أسمت المؤخرة "خير الوجهين" أي أنها أهمّ من الوجه.

لو استوقفت إعرابياً في الصحراء وقلت له إنّ المؤخرة "عضلة عمياء" لانقلب على ظهره ضاحكاً، فالعرب أسمت المؤخرة "خير الوجهين" أي أنها أهم من الوجه

الجميل اللافت في اللغة العربية هو ليس كثرة تسميات الأرداف فحسب، لكن أنّ معظمها ذهبت للمرأة ذات المؤخرة الكبيرة، فهي "بهكنة" و"مرموة" و"عجزاء" و"بزواء" و"عبلاء"، أي أنّ لكينونتها دوراً مهماً في إسقاط الوصف عليها، وتالياً بعض الأمثلة من غزل الأرداف التي نجت من ممحاة المؤرخين المتزمتين.

الردف يجذب خصره من خلفه

يقول طرفة بن العبد: 

وتقصير يوم الدّجن والدّجن معجب/ ببهكنةٍ تحت الخباءِ المعمّدِ 

والبهكنة هي الواسعة العينين الضخمة الردفين، والدجن المطر، أي أن صاحبنا يريدها كبيرة المؤخرة وبعينين واسعتين جميلتين في يوم ماطر داخل الخباء.

ويقول الحارث بن حلزة في معلقته: 

حول قيسٍ مستلئمين بكبشٍ قرظيٍ كأنّه عبلاء

والعبلاء هي خفيفة الأعلى ثقيلة الأسفل، أي على الخلاف من نظرية نزار قباني.

ويقول كعب بن زهير:

هيفاء مقبلة عجزاء مدبرةٌ/ لا يشتكي قصرٌ منها ولا طول 

اللافت في اللغة العربية هو ليس كثرة تسميات الأرداف فحسب، لكن أنّ معظمها ذهبت للمرأة ذات المؤخرة الكبيرة فهي بهكنة ومرموة وعجزاء وبزواء وعبلاء، أي أنّ لكينونتها دوراً مهماً في إسقاط الوصف عليها... مجاز

لاحقاً ولدى وصول الإسلام، لم يخلُ وصف الجنة من نساء بأرداف كبيرة، وانتقل الباه من الخباء إلى السماء، نقرأ وصفاً يسيل له اللعاب في "البداية والنهاية" لابن كثير:

"إن في الجنة أنهاراً على شاطئيها خيام فيهن الحور ينشىء الله خلق الحوراء إنشاءً، فإذا تكامل خلقها ضربت الملائكة عليهن الخيام الواحدة منهن جالسة على كرسى من ذهب ميل في ميل قد خرجت عجيزتها من جانب الكرسي، فيجيء أهل الجنة من قصورهم يتنزهون على شاطئ تلك الأنهار ما شاؤوا ثم يخلو كل رجل بواحدة منهن". 

ومن شعراء الأمويين يقول المتوكل الليثي واصفاً مشيتها: 

إذا تمشي تأوّد جانباها/ وكاد الخصر ينخزل انخزالا

ومن الأمويين أيضاً يقول فارس اليمانيين في الكوفة، أعشى همدان:

ثقلت روادفها ومال بخصرها/ كفل كما مال النقا المتقصف 

ويقول الحارث بن خالد:

تنوء تثقلها روادفها/ فعلَ الضعيفِ ينوءُ بالوسقِ

بينما يهدي أبو بكر دريد ذاكرة الشعر العربي واحداً من أرق الأبيات بقوله:

قد قلتُ لمَّا مرّ يخطرُ ماشيا/ والردف يجذب خصره من خلفهِ
يا من يُسلِّم خصره من ردفه/  سلِّم فُؤاد محبّه من طرفهِ

قصة العرب مع الأرداف قصة حب لغوية قبل أن تكون قصة هوس جنسي، وفي هذه النقطة تحديداً يكمن كل الفرق بين المنظورين الغربي والعربي... مجاز

ومن العباسيين، يقول السري الرفاء بيتاً لا يقال وراءه إلا "الله":

ضعفت معاقد خصره وعهوده/ فكأنَّ عقد الخصر عقد وفائه

ولابن أبي البغل:

كأنَّه في اعتداله غُصُن/ وفي السَّراويل منه أمواجُ
إذا مشى كالقضيب جاذبُه/ ردفٌ له كالكثيب رجاجُ
ويعلم الله أنَّني رجُل/ إليه مذ قد كبرتُ محتاجُ

ومن الشعر الجميل الذي اختلف في قائله: 

لها ردفٌ تعلق في لطيف/ فذاك الرِّدف لي ولها ظلومُ
يعذِّبني إذا فكَّرت فيه/ ويُتعبها إذا قصدت تقومُ

وطبعا أبو نواس لن تفوته هذه الفائتة، يقول: 

ثقل الردف إذا ولَّى حكى/ مُوثقاً في القيد يمشي في زلق

من غزل عربي إلى هوس جنسي غربي 

الأمثلة كثيرة في الشعر العربي، وهي غالباً مرتبطة بالخصر الصغير، وإلا فأين الدهشة؟ 

لكن وبالعودة قليلاً إلى الوراء، لا نستطيع تجاهل الاختلاف الجلي بين وصف ابن كثير وبين شعر ما قبل الإسلام، ففي وصف ابن كثير  لمؤخرات الحوريات فجاجة في الاستكثار، وفرق في الرقة، واختفاء للعذوبة، وجشع في التخيّل يختلف عن رقة الشعر العربي، والأهم إلغاء كينونة الأنثى وحرمانها من الغزل الكلي وتحويلها إلى موضوع التهام و"مكافأة"، فالوصف صار للمؤخرة وليس للمرأة ذات المؤخرة.   

في وصف ابن كثير  لمؤخرات الحوريات فجاجة في الاستكثار، وفرق في الرقة، واختفاء للعذوبة، وجشع في التخيّل يختلف عن رقة الشعر العربي

ظلت العجيزة جالسة على عرش الغزل لقرونٍ، وهنا علي أن أعترف أنني لا أعرف تماماً متى تخلّت العرب عن الاعتراف بهذا "الحب"، فقصة العرب مع الأرداف قصة حب لغوية قبل أن تكون قصة هوس جنسي، وفي هذه النقطة تحديداً يكمن كل الفرق بين المنظورين الغربي والعربي.

فمديح المؤخرة جزء أصيل من الغزل العذب الذي يصف الطلّة والمشية والجمال فلا نستشعر به نفساً هجومياً. 

ربما، وأقول ربما، تبنى شعراء جدد هوس نزار قباني بالنهود التي تكاثرت في السنوات الأخيرة هي والنبيذ تاركين الأرداف للأغنيات الشعبية، وربما لا تعطي الأرداف تلك الرومانسية المفتعلة، لكن ماذا يمكن أن يكون أغزل من هذا البيت: 

عظُمتْ روادفُها فآذتْ خصرها/ ووشاحها قلقٌ كقلب المغرم 

وهذا البيت الأخير تحديداً مُهدى للرجل الجاد المتكئ على عمود الكهرباء، وللمرأة العبلاء التي مرت من أمامه. 

Website by WhiteBeard