أحفاد ابن رشد وأحفاد الغزالي... سلمان رشدي ومصير الإنسانية في مواجهة الأوبئة

الأربعاء 22 أبريل 202012:06 م

(تعجّ أماكن العبادة بالرجال والنساء الخائفين الذين يطلبون حماية الله)، قال رفات الغزالي لرفات ابن رشد.

في روايته "سنتان وثمانية شهور وثمان وعشرون ليلة"، يوظف الروائي سلمان رشدي أغلب العناصر التي ميزت مسيرته الأدبية، فموضوعة الرواية الأساسية هي الصراع بين الإيمان خوفاً وبين العقل، متجسداً بالجدل المستمر بين الغزالي وابن رشد، وذلك بعد موتهما، وكما في رواياته السابقة، يوظف سلمان رشدي الفانتازي أو الما فوق طبيعي ليبحث في موضوعة روايته، والفانتازي هنا هو عالم الجان. فيضع تحت تصرف الغزالي الجني العظيم زمرد شاه، وبينما يقف إلى جانب ابن رشد أحفاده من قصة زواج تربطه بدنيا ملكة الجنيات، لتنتشر في الأرض ظواهر الغرابة من أوبئة، عواصف، أمراض وممارسات متعصبة من القتل والتحريم، يكون سببها صراع عالم الجان على تطويع البشر، الذي يستمر حسب عنوان الرواية "سنتان 8 شهور و28 ليلة" وهو العدد المساوي لأيام ألف ليلة وليلة التي يستلهمها المؤلف في روايته أيضاً، ويجعلها عنواناً للرواية.

يهيّئ الروائي جيداً لما يريد أن يستخدمه في حبكة حكايته، فيستعير صوت الأنثروبولوجي في السرد أحياناً، ليبين لنا حضور الجان المستمر في الثقافة الإنسانية التي كتبت الكثير عنهم، إلا أنها ما زالت تجهل الكثير عنهم: "وأقصد هنا طبيعة الجان الحقيقة. تلك الكائنات المخلوقة من نار بلا دخان. وسواء أكانت تلك المخلوقات طيبة أم شريرة، من طبيعة شيطانية أم ملائكية، فلا تزال هذه الأسئلة مطروحة بقوة". ولكن النقطة الأهم في رسم الروائي لعالم الجان، هو جعلهم قريبيين من البشر، فالبشر والجان يشتركون بعنصر الإيمان والإلحاد: "البشر يشاركون تلك المخلوقات الخيالية بصفات محددة على الأقل. فبالنسبة إلى الإيمان مثلاً، يوجد في صفوف الجان أتباع ومؤمنون من كل عقيدة على وجه البسيطة، وهناك منهم من تبدو لهم فكرة الآلهة والملائكة فكرة غريبة تماماً".

بدايةً، تعود بنا الرواية إلى العام 1195 م، لتطلعنا على الحال الذي هو عليه ابن رشد: لقد أدين الفيلسوف العظيم حين كان قاضي إشبيلية وأحرقت كتبه، وبعد بدء منفاه بفترة وجيزة، ظهرت أمام داره فتاة قالت إنها لا تملك مصدر رزق ولا تريد أن تعمل في المبغى. وهكذا تزوج العالم من الجنية، التي حملت اسم "دنيا"، أي العالم لأن عالماً سيتدفق منها حسب نبوءتها، دون أن يدرك ابن رشد بأن أطفاله ينتمون إلى نسل أم ليست من البشر.

كانت الجنية دنيا شهوانية للجنس، لكن العالم ابن رشد اكتشف أن بإمكانه إطفاء لهيب شهوتها برواية الحكايات: "احك لي قصة"، كانت تقول له. كان يستعمل عبارات يجدها معاصريه صادمة: العقل، المنطق والعلم، التي تشكل أعمدة فكره الثلاثة. لكنه رغم ذلك، لقد خسر معركته أمام رجل دين فارسي متوف يدعى الغزالي من مدينة طوس، فقد ألف الغزالي قبل مائة سنة كتاباً بعنوان تهافت الفلاسفة، هاجم فيه الفلسفة في تاريخ العالم.

لقد حاول ابن رشد في جميع كتاباته التوفيق بين العقل والمنطق والعلم، مع عبارات الله والإيمان والقرآن، لكنه لم يفلح، والمنع المحكوم به، جعله يلجأ إلى مناقشة الغزالي في الأحلام، حيث يمكنه استخدام ما يشاء من العبارات ونطق ما يريد من الأفكار. وقد واصل هو وخصمه جدالهما ما وراء القبر: "لأنه لا نهاية لمناقشة وجدال المفكرين العظماء، لأن فكرة الجدال نفسها هي أداة لتطوير العقل".

أحفاد ابن رشد وأحفاد الغزالي... سلمان رشدي ومصير الإنسانية في مواجهة الأوبئة والقوى الغيبية

في الفصل الثاني يبدأ الزمن الحاضر في الرواية، لقد مات ابن رشد ومن قبله الغزالي، والأرض الآن تعيش مرحلة من لعنة الغرابة التي ستدوم سنتين وثمانية شهور وثمان وعشرين ليلة، وتبدأ بالعاصفة العظيمة. وبعد مرور مئة يوم ويوم على هبوب العاصفة العظيمة، بدا أن ابن رشد الراقد منسياً في قبره في مقبرة عائلته في قرطبة، قد بدأ يتواصل بطريقة ما مع خصمه المتوفى أيضاً، الغزالي، الراقد في قبر متواضع على مشارف بلدة طوس في إقليم خراسان.

الأرض الآن تعيش مرحلة من لعنة الغرابة التي ستدوم سنتين وثمانية شهور وثمان وعشرين ليلة، وتبدأ بالعاصفة العظيمة... قراءة لرواية سلمان رشدي سنتان وثمانية شهور وثمان وعشرون ليلة

يقول الغزالي: "إن الإيمان هو الهبة التي أنعم الله علينا بها، والعقل هو تمردنا المراهق ضده. وعندما نكبر سنتحول كلية إلى الإيمان كما فطرنا على عمل ذلك"، بينما يجيبه ابن رشد: "سترى في النهاية أن الدين هو الذي سيجعل البشر يبتعدون عن الله. إن المتدينين هم أسوأ المدافعين عن الله. وعندما سيتقلص الدين وينكمش، عندها فقط سنبدأ نعيش في حقيقة الله". يعتقد ابن رشد أنه وبمرور الزمن، ستنتقل الإنسانية من مرحلة الإيمان إلى مرحلة العقل.

تصبح الرواية صراعاً بين أحفاد ابن رشد وأحفاد الغزالي. من النماذج التي يختارها الروائي لتكون أحفاداً لابن رشد، الطفلة "ستورم دو" التي تملك قدرة غريبة على كشف الفساد والانحطاط على وجوه المنحلين، الفاسدين أخلاقياً، المتلاعبين بسجلات النفقات والموظفين الذين يقبضون أموالاً سراً لقاء إبرام عقود مع البلدية، فما إن تنظر إليهم "ستورم دو"، أو تدخل إلى مكاتبهم في دوائرهم، حتى تتفسخ جلودهم، فراح المنحرفون يعترفون حتى قبل أن تقترب منهم الطفلة المعجزة، أو يهربون من المبنى ليلاحقهم القانون.

"لأننا لم نتخلص تماماً من الفساد، لهذا السبب فإننا نتوق إلى الكوابيس"

وكذلك كاتب المقالات هوغو كاستربردج، الذي يكتب عن أشكال الغرابة الآخذة في التزايد في العالم، فقد دمرت العواصف العاتية فيجي وماليزيا، وانتشرت الحرائق في استراليا وكالفورنيا، فنقرأ في مقالاته: "إننا نقول إن البشر هم الذين خلقوا الإله. في اليوم الذي اخترع فيه آدم وحواء الإله، فقدا القدرة على السيطرة عليه على الفور. هذه هي بداية التاريخ السري للعالم. لقد اخترع الرجل والمرأة الإله الذي انسل من قبضتيهما على الفور وأصبح أقوى من خالقيه، مثل الحاسوب العملاق في فيلم ترميناتور".

أما أتباع الغزالي فهو العفريت العظيم زمرده شاه، الذي يكلفه الغزالي أن يزرع الخوف في نفوس الناس: "فالخوف وحده يقرب الإنسان الآثم من الله. إن الخوف جزء من الله، أي أنه الاستجابة الملائمة للإنسان، المخلوق الضعيف، لقوة الله اللامتناهية وذات الطبيعة العقابية". فينشر الجني العظيم زمرد شاه الظواهر الغريبة لإخافة سكان الأرض، ومن بين الأحداث التي تدفع الناس إلى الخوف في الرواية حدوث وباء يأخذ بالانتشار، وإن لم يصدوه أو يحموا أنفسهم منه فلا بد أنه سيصيبهم كلهم. وبدأ الذين يؤمنون بأشياء كهذه يصرخون في الشوارع المذعورة بأن نهاية العالم قد أزفت.

ثم تظهر مجموعة الجان "المجدون"، والأمر الوحيد الذي أمعنوا بالجد فيه هو فن تحريم الأشياء، وخلال فترة قصيرة حرموا الرسم، النحت، الموسيقى، المسرح، السينما، الصحافة، الحشيش، التصويت، الانتخابات والمتعة. وينتشر الجان الطفيليون أيضاً، من مدينة إلى مدينة ومن بلد إلى آخر، لتنشر صورهم وهم يلتهمون وجوه الأشخاص، وهم يجلدون ويرجمون نساء بالحجارة حتى الموت في بعض الأماكن في الصحراء، وينفذون عمليات انتحارية لتفجير أجسادهم في قواعد عسكرية، في إشارة واضحة إلى تنظيم داعش.

كل هذا من جراء تعاليم الغزالي عن ضرورة الخوف لإقتراب الناس من الله، فيقول للجني زمرد شاه: "علمهم الخوف، فالخوف قدر الإنسان. إذ يولد الإنسان وهو خائف، من الظلام، من المجهول، من الغرباء، من الفشل ومن النساء. فالخوف يقوده إلى الإيمان، لا كعلاج للخوف، إنما كقبول بأن الخوف من الله هو الأمر الطبيعي السليم في قدر الإنسان". لكن الجني "زمرد شاه يتمرد على الغزالي"، لتعصف بشدة أكثر الحروب والكوراث. لكن النهاية ستكون بانتصار أحفاد ابن رشد على الجان الأسود، وذلك لحظة انتصارهم على الخوف. إذن، لم تتحقق رؤية الغزالي بأن الخوف قادر على التحكم بالناس، على العكس تبين لنا الرواية أن الخلاص ليس إلا بكسر الخوف.

يرغب رشدي أن يقول أخيراً بأن الخوف لم يدفع الناس إلى أذرع الله، بل تم التغلب عليه، وبهزيمته أصبح بإمكان الرجال والنساء وضع الله جانباً، كما يضع الصبية والبنات ألعاب طفولتهم جانباً، أو كما يغادر الشباب والشابات بيوت ذويهم ليقيموا بيوتاً جديدة لهم في مكان آخر تحت الشمس. وهكذا انتهى زمن الغرابة الذي دام سنتين وثمانية شهور وثمان وعشرين ليلة. لكن الرواية لا تنتهي بهذه النظرة المتفائلة فقط، فيخصص رشدي صفحات الرواية الأخيرة لخاتمة مستقلة عن الرواية يكتبها للقارئ، ليورد في فقرتها الأخيرة:

"بعد انتصار الإنسان على الخوف تسير حياتنا على ما يرام، لكننا نتمنى في بعض الأحيان أن تعود الأحلام، لأننا لم نتخلص تماماً من الفساد، لهذا السبب فإننا نتوق إلى الكوابيس".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard