أنا وزوجي قررنا عدم إنجاب الأطفال… هل يتركنا المجتمع وشأننا؟

الأربعاء 10 أغسطس 202212:30 م

مر عام تقريباً على زواجي. خلاله، كثيراً ما سمعت: "ربنا يعوض عليك يا حبيبتي"، "مش هنفرح بولادك بقى؟"، "ركزي شوية وهاتيلك حتة عيل أنتِ لسه صغيرة"، والكثير مما شابهها هذه الجمل التي تحمل في ظاهرها حباً أو اهتماماً وفي باطنها تدخّلاً في حياة الآخرين.
وتكون المفاجأة أو الصدمة لقائلي تلك الجُمل حين أقول: "لا أريد إنجاب الأطفال"، إذ تبدأ نظرات المقت والغضب وكأني حرمتهم هم من الأطفال أو منعت عنهم سعادة الكون. فما هو الضرر الذي ألحقه بالآخرين إذا قررت أنا عدم الإنجاب؟

ما هو الضرر الذي ألحقه بالآخرين إذا قررت أنا عدم الإنجاب؟

الأغرب بالنسبة إليَّ هو كيل الاتهامات بأنني غير طبيعية، ولا أقدر نعمة الله، وأنه من المؤكد سيعاقبني بحرماني تلك النعمة إلى الأبد.
"لا أقدر النعمة، أرض بور وغير طبيعية"، اتهامات وآراء غريبة. 
الكثير من المواقف التي يذهلني فيها حكم الآخرين على حياتي، فلم أتوقع أن يصل التدخل في الخصوصيات من الأقارب وحتى المعارف التي تربطنا بهم علاقات في غاية السطحية، إلى ذلك الحد.
مؤخراً، قابلتني والدة إحدى صديقاتي صدفةً بأحد شوارع مدينتا الصغيرة منيا القمح بمحافظة الشرقية. في البداية، اطمأنت على أحوالي وأحوال زوجي وأهلي، وكيف هو حال الزواج معي، وبعض الدعوات بصلاح الحال وسعة الرزقلن تنسى الذرية الصالحة، لتنتقل بعدها لأغرب وأكثر جملة صادمة: "ابقوا ركزوا شوية وقت الحاجات". وفي ذلك تلميح للعلاقة الجنسية معتقدة أن ذلك هو سبب عدم حملي إلى الآن. صمتت لثوانٍ. لم أجد رداً على ذلك التدخل الذي لم أصادف في سفوره من قبل، لأخبرها أن الموضوع ليس كما فهمت وأنه قرار مشترك بيني وبين زوجي بعدم الإنجاب، لتستمر متسائلة: "وكيف تسمح لك أمك بذلك؟". بالنسبة لي، هذا سؤال غريب أيضاً، فما علاقة أمي بحياتي الشخصية؟ هل تمتد السلطة الأبوية إلى هنا أيضاً؟ ولأنهي ذلك الحوار السخيف، قلت لها إن لكل إنسان حياته الشخصية وهو حر فيها ما لم يضر الآخرين. لكنها لم تقتنع بكلامي ورأت أني أضر نفسي. انصرفت وأنا في غاية الدهشة من هذا التدخل غير الطبيعي. فكيف يسمح شخص لنفسه بهذا القدر من التدخل في حياة غيره؟ حقيقة، أشفقت على ابنتها التي لن تتمتع بعد زواجها حتى بحياة وقرارات مستقلة، فما بالك بامرأة تتدخل في شؤون وقرارات صديقات ابنتها، فكيف سيكون الحال مع الابنة نفسها؟ 
إحدى قريباتي قالت لي ذات مرة: "أنتِ فكرتِ صح". وبعد أقل من دقيقة، عادت لتخبرني أني سأندم لاحقاً، رغم شكواها من تدهور صحتها بعد الإنجاب، وعدم قدرتها على الاسترخاء حتى ولو لدقائق. 

دائمًا تتمنى لي أختي الصغرى الإنجاب. في كل مرة أزورها فيها، تقول لي: "يا رب تحملي بالغلط". وتبدأ في سرد مزايا أن يكون لك طفل. في البداية، كانت تلك الجملة تثير أعصابي. لكن، مع الوقت، اعتدت تجاهلها،  واعتادت أختي أيضاً مع الوقت أن لا جدوى من حديثها

دائمًا تتمنى لي أختي الصغرى الإنجاب. في كل مرة أزورها فيها، تقول لي: "يا رب تحملي بالغلط". وتبدأ في سرد مزايا أن يكون لك طفل. في البداية، كانت تلك الجملة تثير أعصابي. لكن، مع الوقت، اعتدت تجاهلها، واعتادت أختي أيضاً مع الوقت أن لا جدوى من حديثها.  
لا أحب دور الأم ولا التضحيات التي تُفرض عليك لمجرد كونك أماً.
أما أمي فتتعجب من قراري ذلك. تتعجب من قولي بأني لا أحب دور الأم ولا التضحيات التي تفرض عليك لمجرد كونك أماً. أمي نفسها قدمت قدراً هائلاً من التضحيات في سبيل راحتنا أنا وإخوتي. وأقدر ذلك لها كثيراً. لكن، لست مستعدة نهائيًا لبذل 0.1 مما ضحت به هي. وهنا، تراودني هذه الأسئلة: "لماذا ارتبطت الأمومة بتقديم التضحيات؟ ألا توجد أم ناجحة من دون تقديم التضحيات؟ هل تلك التضحيات واجبة لضمان نجاحك كأم؟".
ربطُ الأمومة بالتضحية دائماً جعلني لا أفكر فيها كشيء ضروري لا تكتمل دونه حياتي، لأني شخص لا يفضل التضحيات بشكل عام. فما بالك بتضحيات الأمومة التي يضرب بها المثل على الدوام؟

ربطُ الأمومة بالتضحية دائماً جعلني لا أفكر فيها كشيء ضروري لا تكتمل دونه حياتي، لأني شخص لا يفضل التضحيات بشكل عام. فما بالك بتضحيات الأمومة التي يضرب بها المثل على الدوام؟

متى قررت عدم الإنجاب؟

بدأت التفكير في قراري ذلك منذ أن كنت في عامي الدراسي الأول من الجامعة. لا أدري لمَ في ذلك الوقت بالتحديد. لكن، في الغالب لأنه الوقت الذي كوّنت فيه أفكاري وآرائي تجاه الأشياء، ومنها مسألة الأمومة. حقيقةً، كنت لا أنظر وقتها للزواج بالعين نفسها التي أراه بها الآن، فكنت أراه مجرد تقييد للحرية، وسيطرة لكل طرف على حياة الآخر. لم أقتنع بفكرة أنه سيأتي يوم وأتزوج وأنجب وتقيد سلاسل المسؤوليات قدميّ.
وحين قابلت شريكي، ومع مرور السنوات، قررت الزواج وغيرت نظرتي فيه كلياً. لكن رأيي بالأمومة لم يتغير. كم من التضحيات والمسؤوليات لا أقدر عليها. كنت خائفة ألا أجد لدى زوجي الرغبة في عدم الإنجاب مثلي فتصعب بذلك حياتنا معاً. لكن، لحسن الحظ اتفقنا على ذلك القرار ولكل منا أسبابه.

لماذا نرى أنه قرار صحيح؟

كان قرارنا لأسباب واضحة. وبالنسبة لنا، كانت كافية ومقنعة تماماً. فنحن نعيش في مجتمع غير آمن تماماً سواء على الفتيات أو حتى الفتيان، فالمجتمع سيعمل على الإضرار بهم بطريقته. كيف يتحمل قلبك أن تأتي بإنسان ليعاني في تلك الحياة الصعبة؟
كما نرى أن من يقرر الإنجاب وسط تلك الظروف الاقتصادية والاجتماعية المتدنية والتي تستمر في التدني كل يوم أكثر من سابقه، يأخذ قراراً أنانياً، يسعى صاحبه لإرضاء احتياجه للإحساس بمشاعر الأمومة أو الأبوة فقط دون أن يفكر كيف سيعيش ذلك الطفل، وهل سيستطيع حمايته وتوفير حياة سوية له.
بالإضافة إلى ذلك، أن تكون قدوة لإنسان آخر يستقي منك جميع أفعاله ومبادئه وأفكاره مسؤولية في غاية الصعوبة.
أن تربي طفلاً سوياً نفسياً في هذه الظروف أشبه بمعجزة. وإن تحققت معجزتك، فسيكون من الصعب على طفلك الحفاظ على ذلك عند احتكاكه بالمجتمع الخارجي.
إنجاب الأطفال ليس بالقرار السهل كما يعتقد الكثيرون، ويرونه من مسلمات الحياة. وما دمنا تزوجنا، فيجب أن ننجب الأطفال بلا تخطيط أو تفكير مسبق، فالكثيرون يعتقدون أن الزواج يساوي إنجاب أطفال.

كما نرى أن من يقرر الإنجاب وسط تلك الظروف الاقتصادية والاجتماعية المتدنية والتي تستمر في التدني كل يوم أكثر من سابقه، يأخذ قراراً أنانياً، يسعى صاحبه لإرضاء احتياجه للإحساس بمشاعر الأمومة أو الأبوة فقط دون أن يفكر كيف سيعيش ذلك الطفل

"المال والبنون زينة الحياة الدنيا" لكن هل يرضي الله أن أنجب طفلًا لا أقدر على تحمل مسؤوليته؟
أتذكر أنه منذ عام أو أكثر، صرحت الفنانة المصرية منى هلا في أحد اللقاءات عن عدم رغبتها في أن تكون أماً. فانقلب عليها رواد مواقع التواصل الاجتماعي متهمين إياها بأنها تدعو لفساد المجتمع ومحاربة الفطرة، معللين ذلك بقول الله تعالى "المال والبنون زينة الحياة الدنيا"، وغيرها من الأحاديث الشريفة، والآيات الكريمة عن واجبنا في إعمار الأرض وزيادة نسل المسلمين فيها.
صحيح أن الله حثنا على تعمير الأرض، وقال إن الأبناء زينة الحياة، لكن هل يرضي الله أن أنجب طفلاً لا أقدر على تحمل مسؤوليته؟ هل يرضي الله أن يكون ابني الذي سيزيد نسل المسلمين طفلاً ينشأ في مجتمع يدمر الأخلاقيات؟ لا أعمم ذلك لكن يجب أن نعترف بأن الملتزمين بالأخلاق والقيم والمبادئ الحسنة صاروا قلة قليلة، فكيف أجلب طفلاً لذلك المجتمع المشوه؟
أما الأمر المتعلق بمحاربة الفطرة الإنسانية، فيجعلني أفكر وأتساءل: "لماذا ينتقص المجتمع من قدر المرأة التي ترفض الأمومة؟ ولماذا من الأساس تم ربط الأنوثة وفطرتها بالأمومة؟" فقد أكون أنثى حنونة تحب الأطفال وتتعامل معهم بكل لطف وحب لكن لا تسعى لدور الأم.


* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard