صفحة من رواية "إشراقة شجرة البرقوق الأخضر" لـشُكوفه آذر

الجمعة 12 أغسطس 202210:00 ص

صاح أحد الرجال وكان يقف بعيداً وهو يسجّل مقطع ڤيديو: «هيا ضاجِعها! هذا رائع جداً. سأرسله للجميع عبر البلوتوث».

توقّف الشاب عن محاولة تقبيل حورية البحر المسكينة بيتا؛ وتقدّم ثلاثة رجال آخرين لمساعدته، ولووا يدي بيتا بإحكام ورفعوهما حتى يتمكّن الشاب من إنزال سحاب سرواله بسهولة. فأخرج قضيبه الذي كان قد انتصب بهذه السرعة، بيد واحدة، وبالأخرى كان يبحث عن مهبل بيتا وسط حراشف فضية كانت تتلألأ وكأن القمر في ليلة الرابع عشر. ولكن مهما تحسّس وغرس إصبعه في الحراشف لم يجد شيئاً؛ وبعد فضول وانزعاج جلس على صدر بيتا وبدأ في التمعّن وتحسّس جسمها. وفي النهاية انتفض من مكانه وصاح: «ولكن هذه ليس لديها ثقب أصلاً!».

منذ ساعتين التفّ حولها سكّان المنطقة وراحوا يصيحون: «اقتل حورية البحر! اقتلها!».

كانت بيتا، حورية البحر التي نضجت وصارت أكثر جمالاً يوماً بعد يوم طوال هذه السنوات، قد غطّت صدرها العاري بيديها وشعرها الطويل وانكفأت على نفسها، وراحت تنظر إلى عيونهم الجشعة والحيوانية برعب وترتجف. وقد أحاط الرجال بها تماماً ولم يعد لديها أيّ مفرّ؛ وجّه أحدهم وهو يرتدي ملابس الحرس الثوري وله لحية وشارب سوداوان طويلان، سلاحه تجاهها ناظراً إليها في عبوس تام.

كان صائد الحورية المسنّ الذي ثبّت بخطّافه دودة، يدليها فوق رأس بيتا ويضحك بأسنان مسوّسة ويقول: «تناوليها!»، ويجعل الطُّعم والخطّاف يلامسان فم بيتا ويضحك. أبعدت بيتا وجهها مشمئزّة، وراحت تنظر إلى البحر من بين الأجساد المتعرّقة للمهاجمين من بائعي البرتقال، والصيّادين وبائعي الأرز. كم كان البحر قريباً منها؛ قريباً لدرجة أنه كان بمقدورها القفز وثبة واحدة لتنهي هذا الكابوس وتتعهّد لنفسها بألّا تطأ قدمها البرّ مرة أخرى على الإطلاق، وألّا تبذل أيسر الجهد لرؤيتنا مجدداً. آخ، ما أسوأ ما قد صار الوضع! إذ تابعت اليوم الحلم الذي قد رأته البارحة ووصل بها الحال إلى هنا. لم يكن ثمة أثر لنا في ذاكرتها التي تشبه ذاكرة السمكة إلا أن حلم البارحة الملعون هذا، جعلها تتذكّر كل شيء فجأة، وجاءت إلى الشاطئ المعتاد لترى أحدنا بعد كل هذه السنوات.

رواية  "إشراقة شجرة البرقوق الأخضر" لـشُكوفه آذر ترجمة غسان حمدان صدرت عن دار سرد ودار ممدوح عدوان، نكتشف فيها شخصيات محاصرة في فوضى ما بعد الثورة الإسلامية الإيرانية 1979 التي تجتاح البلاد

علا الصياح مجدّداً؛ وها قد التفّ حولها أناسٌ أكثر. كان الرجال يركنون جرّاراتهم، ودرّاجاتهم النارية وشاحناتهم الخاصة بحمل الحمضيات والسمك والأرز في كلا الاتجاهين، ويأتون مهرولين من أجل الفرجة. كما أن أولئك الذين وقفوا صامتين، أولئك الذين ربما لم يكونوا مؤيّدين بشدة لقتلها، أخرجوا هواتفهم من جيوبهم وشرعوا بأيديهم الخشنة من كثرة أعمالهم اليدوية، بتسجيل الڤيديوهات والتقاط الصور. عادت بعض النساء اللواتي كنّ يقفن بعيداً ويراقبن الوضع بفضول، إلى منازلهن سريعاً، لأن الرجال قد قالوا لهن: «إن الأمر خاص بالرجال». بينما كان الآخرون يهتفون في نبرة واحد: «اقتلها! اقتلها! إنها علامة الساعة». وفي خضم الصخب كان هناك بضعة أشخاص يتجادلون، وقد كان الأول يقول: «لماذا تريدون قتلها؟ ما الذي اقترفته المسكينة؟!».

- ألا ترى أنها عارية؟! يجب قتلها حتى تكون عبرة للأخريات. فإني أخشى أن تودّ بعضهن المجيء هنا أيضاً!

سأل المعارض قائلاً: «أي أخريات؟».

- بقيّتها.. الكائنات الأسطورية!

أردف المعارض: «حقاً.. أيّ أسطورة.. ألا ترى؟!».

استأنف الأول: «إذاً أين كانت حتى الآن؟ رجاء قلْ على نحوٍ واضح إن المردة والجان والحوريات كائنات حقيقية أيضاً».

أصرّ المعارض ثانية: «ولكنها لم تؤذِ أحداً. يجب أن نتحدّث معها».

ثم وهو يسجّل ڤيديو بالهاتف، نحّى الآخرين واقترب من الحورية بيتا المذعورة والمتوتّرة. وجثا بجوارها وسألها: «ما الذي تريدينه هنا؟».

أنَّتْ بيتا التي رأت الشفقة في عينيه، منتحبة: «جئتُ لرؤية أبي وأمي فقط؛ هذا فحسب. ولو تركتموني وشأني فسوف أقسم على الرحيل وعدم العودة مطلقاً».

لم يفهم الرجال شيئاً؛ مع أنها كانت تفهم حديث البشر بسهولة، كان صوتها شبيهاً بأنين وصفير الدلافين بالنسبة لأولئك الرجال. ضحك أحدهم وقال: «يا له من صوت مضحك!»، بينما لم يفهم الشاب المعارض لقتلها شيئاً، ولكنه تظاهر أنه يفهم في سبيل التضامن معها، لذلك استأنف: «هل سيأتي أحد آخر؟ أعني.. من الكائنات الأسطورية؟».

أردفت بيتا مندهشة: «الكائنات الأسطورية؟ كيف لي أن أعلم؟ جئت فقط لأمرّ على أسرتي. بالله عليكم ارحموني. دعوني أعود إلى المنزل!».

لم يسمع أحدٌ منها سوى صوت يشبه صوت الدلفين، ومع ذلك سأل الرجل مجدداً: «ما أسماؤهم؟ أخبريني كي ندعك وشأنك!».

صاحت بيتا الضجرة والباكية، وهي تخدش وجهها بأظفارها: «ما أدراني، إنني لا أعرف كائنات أخرى سوى الأسماك وحوريات البحر. لأننا نعيش في مكان بعيد جداً أيضاً. في تلك المحيطات».

وأشارت بيدها إلى أفق بحر قزوين البعيد.

نظر الشاب إلى ذلك الاتجاه وقال: «وكأنها تقول إن الباقين سيأتون من تلك الناحية من المياه».

همهم الرجال برعب؛ ولكن مع هذا التفت الشاب إليهم واستأنف كلامه: «دعوها تذهب. فهي لم تفعل شيئاً».

فردَّ أحدهم قائلاً: «إلى أين؟ كي تخبر الآخرين حتى يأتوا أيضاً؟».

وقال شخص آخر: «تخيّل فقط أن تستيقظ من النوم ذات يوم وترى الجان والحوريات والأرواح يأتون من داخل البحر والغابات صوبنا. ليبعدهم الله عنا!».

فعلّق رجل آخر أيضاً: «كم عمّت الفوضى! ليحفظنا الله!».

كانت بيتا، حورية البحر التي نضجت وصارت أكثر جمالاً يوماً بعد يوم طوال هذه السنوات، قد غطّت صدرها العاري بيديها وشعرها الطويل وانكفأت على نفسها، وراحت تنظر إلى عيونهم الجشعة والحيوانية برعب وترتجف

كانت بيتا تنظر إلى أفواه الرجال متحيّرة؛ وراحت تأمل في خلاصها للحظة وتفقد أملها في لحظة أخرى. كانت قذرة وملطّخة بالدماء وباكية ومتعبة؛ وكل قطعة في جسدها تؤلمها. ودّتْ لو يدعونها وشأنها لتبكي على حالها حتى الموت. كم كانت حمقاء! فقد ظنّت أن بإمكانها المجيء إلى الشاطئ في يوم مشرق وأن تنتظرنا.

وفي أثناء ما كان الرجال يتحدّثون مندمجين، رأت من بين أقدامهم المنتعلة الجزمات زاوية صغيرة من البحر. كانت بحاجة إلى وثبة واحدة فقط، فوثبتْ، وتدحرجت على الرمال حتى تدفع نفسها إلى البحر من بين الأحذية الطويلة الرقبة الموحلة. إلا أن الرجال انتبهوا على الفور وأمسكوا بيديها وذيلها وكتفيها وألقوها مجدداً في الوسط.

دفع الرجالُ الرجلَ الذي كان يعارض إعدامها إلى الخلف، واقتربوا من الحورية أكثر. كانت عدسات هواتفهم مركّزة على نهدي بيتا الصلبين والبضّين، وعلى مؤخّرتها وخاصرتها وذيلها المتناسق الفاتن. خاطب شابٌّ شخصاً يقف بجانبه وهو يسجّل ڤيديو: «كم هي رائعة! كم هي جميلة!»، فردَّ الآخر: «انظر إلى شعرها، انظر إلى مؤخرتها المدوّرة. إنها تُسيل اللعاب!».

ضيّق عدة أشخاص الدائرة، وفي النهاية اقترب شخصٌ ما كثيراً لدرجة أنه نجح في لمس كتف بيتا. تبلّلت يده وصارت لزجة. وضحك مقهقهاً وقال: «رائع جداً! إنها سمكة بالفعل!»، واستنشق رائحة يديه وأردف قائلاً: «حتى إن رائحة السمك تفوح منها، رائحة السمك النافق!».

ضحك الباقون مقهقهين واقتربوا بجرأة أكبر. وأخذوا يتحسّسون شعرها، وكتفيها، ومؤخرتها، وثدييها، ويعصرون أجزاء من جسمها بأيديهم ويضحكون مقهقهين بأسنانهم وشواربهم الصفراء بسبب التدخين. لم يعد يعلو صوت «اقتل حورية البحر»، وشيئاً فشيئاً صار اللمس بالأيدي أكثر شهوانية وعنفاً. كانت بيتا تصرخ وتذرف الدموع وتزيح أيديهم الشهوانية بيديها. وفي النهاية أمسك أحد الشباب بمعصميها وفتحهما بعنف في كلتا الجهتين وطرحها على الأرض وارتمى عليها.

...

الغلاف الخلفي للكتاب

بعد هجوم الثوريين المتحمّسين على بيت "هوشنك" وإحراقهم لآلات العزف والكتب وجميع الأشياء التي يعتبرونها ممنوعة، يقرّر مغادرة طهران مصطحباً زوجته "روزا"، وابنيه "سهراب" و"بيتا"، وطيف الابنة الثالثة "بهار"، ليستقرّوا في قرية بعيدة، آملين الحفاظ على حريتهم الفكرية وحياتهم. لكنهم سرعان ما يجدون أنفسهم محاصرين في فوضى ما بعد الثورة الإسلامية الإيرانية 1979 التي تجتاح البلاد.

بعد هجوم الثوريين المتحمّسين على بيت "هوشنك" وإحراقهم لآلات العزف والكتب وجميع الأشياء التي يعتبرونها ممنوعة، يقرّر مغادرة طهران مع عائلته، ليستقرّوا في قرية بعيدة، آملين الحفاظ على حريتهم الفكرية وحياتهم. لكنهم سرعان ما يجدون أنفسهم محاصرين في فوضى ما بعد الثورة الإسلامية الإيرانية

تتغيّر مصائر أفراد الأسرة جميعهم، وينقسمون بين الألم والذاكرة، بين عالم الأحياء وعالم الأموات، وتتداخل الأزمنة والأحداث والفضاءات الروائية التي ترويها "بهار" مازجةً العنف والوحشية بالتصوف والتأمل والسحر والأساطير، مستحضرةً تقاليد السرد الشفوي لمواجهة القسوة بقوة الخيال.

رواية "إشراقة شجرة البرقوق الأخضر" رحلة رائعة عبر التاريخ والميثولوجيا الفارسية، منسوجةٌ بأسلوب الواقعية السحرية، لتستكشف مصير الأمل والحلم في إيران.

..

شُكوفه آذر: كاتبة وصحفية إيرانية-استراليّة رُشحت روايتها "إشراقة شجرة البرقوق الأخضر" إلى جائزة ستيلا وجائزة البوكر الدوليّة، صدر لها عام 2020 كتاب بعنوان "لم مازال الإيرانيون يبحثون عن ملجأ في استراليا".

غسان حمدان: مترجم وشاعر عراقي، درس علم الاجتماع في جامعة طهران، ترجم الكثير من الروايات والدواوين الشعرية من الفارسية إلى العربيّة.

جميع الحقوق محفوظة لدار سرد للنشر و دار ممدوح عدوان للنشر والتوزيع.

الرواية متوافرة في المكتبات ويمكن الحصول عليها من نيل وفرات.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard