التحالف الروسي-الإيراني إلى توسّع... "عديقان" مجبران على التعاون

الجمعة 5 أغسطس 202204:46 م

بالتزامن مع زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى طهران، لحضور مؤتمر أستانا، وقّعت شركتا النفط، الإيرانية الوطنية وغازبروم الروسية، مذكرة تفاهم بقيمة 40 مليار دولار تقريباً، تساعد "غازبروم" بموجبها شركة النفط الإيرانية الوطنية على تطوير حقلي غاز وستة حقول نفط، فضلاً عن المشاركة في مشروعات الغاز الطبيعي المسال ومد خطوط أنابيب لتصدير الغاز.

إذ استضافت العاصمة الإيرانية، طهران، في 19 تموز/ يوليو الفائت، القمة السابعة لقادة دول مسار أستانا الذي تأسس إثر توافق روسي-تركي عام 2017، انضوت إيران فيه لاحقاً. وبالرغم من أنّ الاجتماع كان مخصصاً للمسألة السورية، فقد ناقش الزعماء الثلاثة أهم القضايا على الساحتين الإقليمية والدولية، كالحرب الأوكرانية، وأزمة الغذاء والطاقة؛ بالإضافة إلى قضايا ثنائية.

سعى بوتين من خلال لقائه بالمسؤولين الإيرانيين، وفي مقدمتهم المرشد الأعلى علي خامنئي، إلى ترسيخ التحالف الإيراني-الروسي، كثقل موازٍ للجهود التي تقودها الولايات المتحدة لاحتواء الدولتين.

وقال مكتب خامنئي في بيان إثر اللقاء، إن "الحرب مسعى عنيف وصعب، والجمهورية الإسلامية ليست سعيدةً على الإطلاق لأن الناس محاصرون في الحرب، لكن في حالة أوكرانيا، إذا لم تتولَ القيادة الروسية المبادرة، لكان الطرف الآخر قد فعل ذلك وبدأ الحرب"، وأشار البيان إلى أهمية التعاون بين البلدين في ظل العقوبات الغربية على روسيا، ومثيلاتها التي خنقت الاقتصاد الإيراني لسنوات.

سعى بوتين من خلال لقائه بالمسؤولين الإيرانيين، وفي مقدمتهم المرشد الأعلى علي خامنئي، إلى ترسيخ التحالف الإيراني-الروسي

في المقابل، صرّح مستشار الأمن القومي الأمريكي جيك سوليفان، بأن "الولايات المتحدة تلقت معلومات تشير إلى أن إيران تخطط لتزويد روسيا بمئات الطائرات من دون طيار لمساعدتها في حربها في أوكرانيا"، مضيفاً أنّ "تعميق روسيا لتحالفها مع إيران من أجل قتل الأوكرانيين، أمر ينبغي للعالم بأسره النظر إليه كتهديد حقيقي".

وبعد القمّة، تداولت معلومات صحافية قيام وفود روسية بزيارة إلى مطار كاشان جنوب طهران مرتين خلال الشهر الماضي للاطلاع على طائرات شاهد191، وشاهد129، من دون طيار، اللتين يمكن تجهيزهما بصواريخ دقيقة التوجيه.

تتويج التفاهم

يرى الأكاديمي والمحلل السياسي الخبير في الشأن الروسي، نصر اليوسف، أن "العلاقة الطيبة بين موسكو وطهران في مستويات متقدمة قد تحملها إلى شراكة إستراتيجية. ولطالما دافعت موسكو عن إيران في مجلس الأمن والمحافل الدولية، وكانت من الداعمين الرئيسيين لاتفاقية الملف النووي الإيراني عام 2015، بالإضافة إلى استخدام موسكو للأراضي الإيرانية كنقطة لوجيستية لتنفيذ عملياتها العسكرية في سوريا. وبالرغم من تشعب العلاقات بينهما إلا أن ما يجمعهما أكثر مما يفرقهما".

ويضيف في حديثه إلى رصيف22: "أدت القمّة الثلاثية التي عُقدت في طهران مؤخراً إلى تفاهمات ثنائية للارتقاء بالعلاقات بين البلدين إلى مستوى الشراكة الإستراتيجية، كتتويج لحالة التفاهم والتناغم بين البلدين في النظر إلى كثير من الأحداث والصراعات التي يشهدها العالم بدءاً من سوريا وأذربيجان وأرمينيا والعلاقات بين الشرق والغرب عموماً".

ومن المفارقات أن سوريا التي ساهمت أحداثها في خلق نوع من التقارب/ الشراكة الروسية-الإيرانية، شكلت في الوقت ذاته سبباً للخلاف الذي يظهر بحدة أحياناً ليشكّل أكبر تهديد للعلاقة بين الجانبين.

وينفي الدبلوماسي السوري السابق، بسام بربندي، وجود تنافس روسي إيراني، فـ"العلاقة بينهما علاقة تكامل وتفاهم، يمكن وصفها بالمرحلة الإيجابية، وصل خلالها التبادل التجاري بين موسكو وطهران إلى أربع مليارات دولار، مع الاتفاق على زيادته إلى أربعين ملياراً".

جاءت العملية العسكرية التي تخوضها موسكو في أوكرانيا محفزاً لبحث موسكو عن شركاء جدد، لتحقيق ما تبتغيه وتعلن عنه منذ زمن بعيد من إقامة نظام عالمي متعدد الأقطاب، وتمثل إيران أحد الداعمين لهذا التوجه

ويضيف بربندي لرصيف22: "حينما طلبت روسيا من المجتمع الغربي (أمريكا وفرنسا وبريطانيا وألمانيا)، ألا يشمل علاقتها بإيران أي حظر مما فُرض عليها بسبب الحرب الأوكرانية، ثم أبدت الأخيرة تفهمها للطلب الروسي بعد امتعاضها منه بدايةً، بسبب تأثيره على المفاوضات النووية، مما يوحي بحالة التفاهم والتناغم بين الدولتين".

التحالف الإستراتيجي

ينظر الباحث المشارك في مركز تحليل السياسات الإيرانية، مصطفى النعيمي، إلى الغزو الروسي لأوكرانيا كمساهم في تشكيل تحالف إستراتيجي بين إيران وروسيا، من منظور حالة التخادم بين الطرفين في مواجهة العقوبات الأمريكية، بالإضافة إلى الدعم العسكري في ما بينهما، ومساعي إيران إلى استغلال نفوذ روسيا لتحقيق مآربها في المجالات كافة.

وعليه، يفسر النعيمي، في حديثه إلى رصيف22، ترك الباب مفتوحاً من قبل طهران أمام تزويد روسيا للصين بالنفط، إذ "يأتي هذا التفهم في إطار إستراتيجية تخدم الضرورة وأولويات الأهداف للأطراف الثلاثة بعيداً عن أنظمة التجارة العالمية "سويفت"، مع مساعي الدول الثلاث إلى إنشاء تحالف اقتصادي CIPS، بديل من نظام سويفت، يقوم بإيصال المال عبر الحدود بين بنوك الدول الثلاث، ما يمنحها هامش القدرة على تجاوز العقوبات بنسبة تتعدى 30% وتساهم في تعافي اقتصاداتها التي تتجه صوب حافة الانهيار".

صرّح المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، سعيد خطيب زاده، أنّ "صياغة وثيقة التعاون التي تبلغ مدتها 20 عاماً مع روسيا أوشكت أن تنتهي"

وفي مستهلّ زيارته إلى روسيا مطلع هذا العام، صرّح الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي، بأنّ المصالح المشتركة بين إيران وروسيا في المنطقة "ستضمن الأمن وتضع حداً لنهج الأحادية في المنطقة. ويمكن للبلدین توظيف إمكاناتهما لتحسين الأوضاع في المنطقة".

وبالتزامن مع تلك الزيارة، صرّح المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، سعيد خطيب زاده، أنّ "صياغة وثيقة التعاون التي تبلغ مدتها 20 عاماً مع روسيا أوشكت أن تنتهي"، وأنّها ستكون مماثلةً لـ"وثيقة التعاون الإيرانية الصينية التي تبلغ مدتها 25 عاماً".

وُقعت هذه الاتفاقية للمرة الأولى في 12 آذار/ مارس 2001، في موسكو، بحضور رئيسي البلدين، محمد خاتمي وفلاديمير بوتين، تحت عنوان "قانون الاتفاقية الأساسية للعلاقات المتبادلة ومبادئ التعاون بين جمهورية إيران الإسلامية والاتحاد الروسي"، وهي تنصّ على إبرامها لمدة 10 سنوات، و"إذا لم يقم أي من الطرفين بإخطار الطرف الآخر كتابياً بنيته إنهاء الاتفاقية قبل عام واحد على الأقل من انتهاء سريانها، فسيتم تمديدها تلقائياً لمدة 5 سنوات".

وتحتوي الاتفاقية مقدمةً و21 مادةً. وتشير المادة 6 من المعاهدة، إلى التعاون بين البلدين في مجال الطاقة، بما في ذلك الطاقة النووية، وتنص على أن "يتعاون الطرفان بهدف توسيع علاقات طويلة الأمد لتنفيذ مشاريع مشتركة في مجالي النقل والطاقة، بما في ذلك الاستخدام السلمي للطاقة النووية وبناء محطات الطاقة النووية والصناعات والعلوم والتكنولوجيا والزراعة والصحة العامة".

بحسب اليوسف، فإن "التنافس الظاهر بين موسكو وطهران لا يصل إلى حد العداء، بل على العكس، تستنجد طهران بموسكو كلّما ضاق الأمر عليها والمثال السوري حاضر، كذلك الوقوف الواضح للدولتين إلى جانب أرمينيا في صراعها مع أذربيجان، على الرغم من العامل الأيديولوجي المذهبي الذي يجمع إيران بأذربيجان. وجاءت العملية العسكرية التي تخوضها موسكو في أوكرانيا محفزاً لبحث موسكو عن شركاء جدد، لتحقيق ما تبتغيه وتعلن عنه منذ زمن بعيد من إقامة نظام عالمي متعدد الأقطاب، وتمثل إيران أحد الداعمين لهذا التوجه".

تكامل الأدوار

يقول بربندي، إن "حالة تقاسم الأدوار ظاهرة بين روسيا وإيران، بالرغم من الأهداف المتمايزة بينهما، فكلتاهما تسعيان إلى ضرب المصالح الأمريكية أو مواجهتها بالحد الأدنى، كما أن الأهداف التي تجمعهما أكثر مما يفرقهما، وهذا يصب في خانة الأهداف الإستراتيجية. بالإضافة إلى أن تضاعف حدة اللهجة الأمريكية ضد روسيا بسبب أوكرانيا، وضد إيران بسبب مشروعها النووي، قوّت روابط العلاقة بينهما، ناهيك عن النظر إلى تقاطع المصالح بين موسكو وطهران حول بحر قزوين ومنظمة شنغهاي ودول وسط آسيا".

ويمثل التعاون فى المجالين النووي والعسكري حيزاً كبيراً من الشراكة بين البلدين، إذ تُعدّ روسيا الشريك الأساسي لإيران في برنامجها النووي ومصدر تزويدها بالتكنولوجيا النووية، بالإضافة إلى التعاون في الحفاظ على "أمن المنطقة". مع ذلك امتنعت موسكو حتى الآن، عن تزويد طهران بالأسلحة التقليدية المتطورة، ومنها منظومة الدفاع الصاروخي أس 400.

ويرى اليوسف أن العلاقة القوية بين دولة عظمى عالمية ودولة عظمى إقليمية تفيد الطرفين، وعليه، فروسيا التي تسعى إلى تشكيل عالم متعدد الأقطاب ستستفيد من الوزن الإقليمي لإيران، في مقابل استفادة الأخيرة من وجود محامٍ عنها يمتلك حق الفيتو في مجلس الأمن.

إلا أن العقدة الروسية في تحقيق التوازن بين علاقتها بطهران، وعلاقتها بدول الخليج العربي، من خلال إقناع الطرفين بأن العلاقة مع أحدهما ليست موجهةً ضد الطرف الآخر. ولكن هل تتمكن موسكو من إقامة هذا التوازن في العلاقات؟ يسأل اليوسف.

العقدة الروسية في تحقيق التوازن بين علاقتها بطهران، وعلاقتها بدول الخليج العربي، من خلال إقناع الطرفين بأن العلاقة مع أحدهما ليست موجهةً ضد الطرف الآخر. ولكن هل تتمكن موسكو من إقامة هذا التوازن في العلاقات؟

ويضيف: "بعد إحجام الكرملين عن بيع أسلحة متطورة إلى طهران في السنوات الماضية، خشية وقوع الشركات الروسية تحت مقصلة العقوبات الغربية، فإن العقوبات الأخيرة والشديدة على الجانب الروسي فتحت الباب أمامها من أجل تزويد طهران بهذه الأسلحة. فلم يعد أمام الكرملين والشركات الروسية ما تخشاه، بعد أن فعل الغرب ما في استطاعته فعله".

لسنوات مضت كانت موسكو حريصةً على عدم الاقتراب أكثر من اللازم من طهران، بالرغم من العدائية المشتركة بينهما للولايات المتحدة الأمريكية، وتعاون موسكو وطهران عسكرياً في حرب سوريا. فبالنسبة إلى بوتين، ضيّقت محاولاته بناء علاقات مع إسرائيل والدول العربية من هامش مناوراته في إقامة تحالف كامل مع طهران، إلا أن الحرب الأوكرانية غيّرت المعادلة.

غير أن النعيمي، يرى أن "الحاجة الماسة إلى إمداد القوات الروسية المساهمة في غزوها لأوكرانيا والعقوبات المفروضة على موسكو تصّعبان رجحان كفة على أخرى لدى موسكو التي تمسك العصا من المنتصف في تفاهماتها، لا سيما العسكرية في مناطق التوتر والنزاع، ضمن أولويات إدارة الأزمة في روسيا، بالإضافة إلى حالة عدم الثقة التي يبديها الجانب الإيراني تجاه روسيا، نظراً إلى انحياز موسكو الواضح إلى حلفائها بعيداً عن الأولوية الإيرانية".

وعليه، "من المبكر جداً الحديث عن صفقات عسكرية وفقاً للتكتيكات التي تتبعها روسيا مع حلفائها وخصومها لما قد يعود من أضرار على بنية المؤسسة العسكرية الروسية، خاصةً أنها تخوض معركةً تُعدّ الأكبر في الحروب التي تجري في العالم، لكنها تترك الباب مفتوحاً تجاه تأمين عجزها الحاد في مجال المسيّرات مستعينةً بطهران لسد العجز الحاصل عن تعثر تقدم قواتها في المعارك المختلفة التي تحوضها في أوكرانيا"، يختم النعيمي.

يلخص أحد كبار الباحثين الروس المتخصصين في الشأن الإيراني، رجب سافاروف، في حديث صحافي، العلاقة الروسية الإيرانية بالقول: "إيران الموجّهة نحو الغرب ستكون أسوأ لروسيا من إيران المسلّحة نووياً، وستقود إلى انهيار روسيا". 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard