فيلم "خيمة 56"... عن الجنس في المخيمات "بدون صوت ليصحوا الأولاد"

السبت 6 أغسطس 202212:46 م
أثار فيلم "خيمة 56" للمخرج سيف الشيخ نجيب والكاتبة سندس برهوم الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي بسبب استخدامه لهجة الجنوب السوري "الحورانية" في طرح قضية "العلاقات الزوجية" وكيف تمارس ضمن المخيمات، الأمر الذي اعتبره البعض إساءة لـ"الحَوَرانة"، فيما ذهب البعض إلى اتهام صنّاع العمل بتعمد الإساءة لسكان المخيمات.

 نص سلس

عالج النص فكرة تجيب في ظاهرها على سؤال "كيف يمارس الجنس في المخيمات"، لكن الفيلم الذي لم تتجاوز مدته 20 دقيقة ذهب نحو قضايا إنسانية متعددة، فالحرمان الذي تعيشه نساء المخيمات جاء بمعنى فقدان البيئة الآمنة أولاً، فثمة من يتلصص عليهن حتى وهن يقمن بإرضاع أطفالهن، بل إن السكن في خيمة قد يجبرها على إرضاء زوجها دون أن يكون لديها القدرة على الوصول لحقها الطبيعي في الحب.
فنساء المخيمات محرومات مثلاً من "قبلة"، لكونها قد تمارس الجنس مع زوجها في مكان غير نظيف مثل "زريبة"، أو قد تُجبر على أن تراقب الطريق من ثقب في الخيمة خشية دخول أحد أطفالها فجأة بينما يكون زوجها ينفذ "حركة ميكانيكية"، وسريعة دون أي حب في الممارسة، مما يحوّل حرية ارتداء ثوب مغر أو "لانجري" إلى حلم.

مكان آمن لممارسة الجنس "بالدُّور"

في هذه الفرضية، وفق رؤية الكاتبة تقوم إحدى الشخصيات النسوية في الفيلم بإقناع  الأخريات باختراع مكان بديل، خيمة تكون ملاذاً آمناً لممارسة الجنس مع أزواجهن وفقاً لجدول منظم، بحيث تتم مقاسمة حق الاستفادة من هذا المكان بين سكان المخيم، وهم من لجؤوا للمخيمات أساساً بحثاً عن مكان آمن من نيران الحرب التي تعيشها بلادهم.
تقوم إحدى الشخصيات النسوية في الفيلم بإقناع  الأخريات باختراع مكان بديل، خيمة تكون ملاذاً آمناً لممارسة الجنس مع أزواجهن وفقاً لجدول منظم
تتحول الخيمة لقضية مهمة بين سكان المخيم من المتزوجين، لكن ما بني على أرض هشة مثل النزوح سيبقى هشاً، فلا أمان خارج حدود المكان الطبيعي للسكن، فقد يدخل من يريد سرقة اللحظات الحلوة من سكانه بحجة الخطأ كما حدث في مشهد محاولة المراهق اختلاس النظر لزوجين كانا يشغلان الخيمة بحجة أنه أخطأ الطريق.
وقد تقتلع ريح ما هذا المكان وتترك أمنية أصحابه بـ"ليلة عشق" تضيع في مهب الهواء مثلما ضاع وطن كامل. حتى وإن أعيد ترقيع هذا المكان مجدداً فقد تصله نار نتيجة لـ "سهوة سكانه" وتحرقه مرة أخرى، لكن الكاتبة تصر على أن يكون هناك جهد جماعي لإعادة بناء هذا المكان وكأنها تدفع السوريين نحو التفكير ولو مرة واحدة بالوقوف بعضهم مع بعض لإعادة بناء مكانهم (وطنهم)، ليكون آمناً من خلال تقاسم الإيمان بهذا المكان وضرورته.
الفيلم ناقش كيف تحاول نساء المخيم الهرب من الإنجاب من خلال الحصول على "حبوب المانع" من شاويش المخيم، الذي يكون مسؤولاً عن تلبية احتياجات السكان  باعتباره "المختار".
لكن بعض سكان المخيم يرغبون بالتناسل رغم عدم توافر بيئة ملائمة للإنجاب والتربية، وهي قضية، وإن كان الفيلم قد مرّ بها سريعاً، موجودة وتشير إلى سلطوية الرجال في اتخاذ قرار الإنجاب إلى الحد الذي يستبيحون فيه تعنيف النساء إن لم يحملن.
اللافت أن عدد الولادات التي تُسجل في مخيمات اللاجئين الواقعة ضمن الأراضي السورية أو خارجها مرتفع، وهنالك تزايد في تعداد سكان المخيمات أكثر من المعدل الطبيعي للولادات حتى في سورية قبل الحرب.
الفيلم ناقش كيف تحاول النساء التهرب من الإنجاب عبر الحصول على "حبوب المانع" من شاويش المخيم، الذي يكون مسؤولاً عن تلبية احتياجات السكان  باعتباره "المختار"
لم يذهب مخرج العمل نحو مشاهد جنس مباشرة، ولم يقدم على صناعة مشاهد إباحية بهدف جذب الجمهور، كما أن الاعتراض على استخدام لهجة الجنوب السوري لم يكن في محله، فالمتابع لتباين اللهجات في المناطق السورية يدرك أن لا وجود للهجة تحكم سكان المخيم الذي ظهر في الفيلم، فهي مزيج من "البدوية - الشاوية - الحورانية" وفي مجملها لهجات لسكان مناطق متباعدة جغرافياً وإن كانت قريبة من بعضها من حيث اللفظ.
ثم إن الواقع يقول إن غالبية سكان المخيمات في لبنان والأردن على الأقل هم من سكان المنطقتين الشرقية والجنوبية، وبالتالي كان سيصعب على الكاتبة أو المخرج استخدام لهجة من خارج سورية تفادياً لتهمة التنميط أو الإساءة.

في الواقع... "حماتي تحرس باب الخيمة لنخلّص"

يقول "أبو يوسف" لرصيف22 وهو أحد سكان مخيم "أبو خشب"، بريف دير الزور الشمالي الغربي، إن "خلوته الشرعية" بزوجته لم تكن لتتم بشكل طبيعي منذ أن وطأت قدماه المخيم في العام 2017. فالعلاقة الجنسية تتم سريعاً، وغالباً في صمت مطبق خشية استفاقة أحد أطفاله الذين يكونون أساساً في الخيمة.
ويضيف الرجل الذي يبلغ 45 عاماً أنه قد يضطر لإلغاء فكرة ممارسة الجنس مع زوجته لعدم توفر المياه الساخنة اللازمة للاستحمام، أو قد يضطر لوقف العملية الجنسية بشكل مفاجئ إذا ما استيقظ أحد أطفاله ليشرب أو ليذهب للحمام.
أما خالد العزيز الذي يقترب عمره من 35 عاماً فيقول إن البحث عن مكان مناسب قد يدفعه لممارسة الجنس في صندوق شاحنته التي نزح بها إلى مخيم عشوائي جنوب دمشق، وقد أعد صندوق الشاحنة وأغلقه بالشوادر ليستخدمه من أجل بيع المنظفات المصنّعة يدوياً بعد أن غادر مدينة رأس العين بريف الحسكة الشمالي منذ العام 2012. وضمن هذا المكان "المستور"، يمد خالد فرشة إسفنجية  في صندوق الشاحنة ليقضي ساعة مع زوجته بحرّية مطلقة، وغالباً ما يتسلل وإياها نحو مكانها الآمن بعد نوم أطفالهما، وبحذر يشبه حذر اللصوص خشية من استيقاظ أحدهم.
يضحك قائلاً: "نسرق الوقت لخلوة تنتهي سريعاً لنعود إلى الخيمة قبل أن يستيقظ أي من الأطفال ويذعر إن لم يجدنا".
وتقول رابعة التي تسكن مخيماً عشوائياً بالقرب من بلدة الصور بريف دير الزور الشمالي إن وجود والدة زوجها معهم يمنع حدوث اتصال جنسي بينها وبين زوجها ليلاً، وغالباً ما تضطر للبوح بموعد الممارسة لحماتها نهاراً، وهنا يكون للحماة التي بلغت من العمر 70 عاماً دور في العلاقة الجنسية بين ابنها وزوجته، تلعبه بالجلوس قرب باب الخيمة كـ "حارس"، يمنع أي من الأطفال من الدخول.
تضطر الزوجة للبوح بموعد الممارسة لحماتها، التي يكون لها دور الحارس في العلاقة، من خلال الجلوس قرب باب الخيمة ومنع الأطفال من الدخول
وعن آلية إبلاغ والدة الزوج بالسر المحرج تقول رابعة لرصيف22: "حينما يبلغني زوجي برغبته، نتفق على أن يغادر الخيمة صباحاً ويعود في ساعة متفق عليها، وعليّ حينها أن أقول لوالدته أنه سيعود في الساعة كذا لأحممه، ودون أي شرح إضافي تفهم ما يجب أن تفعله، إلا أن الطرافة قد تحدث في بعض المواقف، كأن تقول في اليوم البارد جداً أو المرتفع الحرارة إن عليه أن يؤجل حمامه، معلنة بذلك رفضها الخروج من الخيمة، وعدم السماح بحدوث الخلوة".

"أنا والمرا وين نروح بحالنا"

"علاء" من الشبان الذين عملوا مع جميعة خيرية تنشط في مخيمات سوريا، ويقول لرصيف22: "سمعت أكثر من مرة خلال زياراتنا لـ "مراكز الإيواء" أن أكثر من نازح يسأل عن إمكانية منحه غرفة ثانية بشكل دائم، وغالبا ما كنا نسمع جملة (أنا والمرا وين نروح بحالنا)"، ويضيف علاء: "كان الأمر مستغرباً بالنسبة لنا كمتطوعين أو عاملين في الجمعيات، كنا نحضر لنقدم لهم المساعدات العينية والمادية المتعلقة بالضروريات، وكل عائلة كانت تمنح غرفة في مدرسة هي بالأساس قاعة دراسية مساحتها جيدة، وحين مرورنا ببعض الغرف كنا نشاهد أن هناك من قسمها ببعض من الشراشف أو البطانيات ليبني خيمة أو يعزل قسماً من هذه الغرفة فتكون أشبه بغرفة نوم للزوجين، والأمر طبيعي، فالعلاقة الحميمة حق طبيعي لكلا الزوجين".
يمد خالد فرشة إسفنجية  في صندوق الشاحنة ليقضي ساعة مع زوجته بحرّية بعد نوم أطفالهما، وبحذر يشبه حذر اللصوص خشية من استيقاظ أحدهم
أما إيناس التي تعمل مع جمعية محلية سورية فتقول: "كنا نتحدث للنساء عن ضرورة تنظيم الإنجاب في ظروف الحرب على الأقل، لكن كل نشاطنا كان مجرد لقاءات لا تعيرها أي من النسوة اهتماماً، إذ يخضعن غالباً لسطوة الرجال في قرار الإنجاب، وغالباً ما كانت كميات حليب وفوط الأطفال المطلوبة لتأمين احتياجات مراكز الإيواء تتزايد كلما زادت مدة إقامة العوائل في هذه المراكز، وأعتقد أن الحال ذاته يحصل في مخيمات اللجوء والنزوح الخاصة بالسوريين في الخارج".


إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard