مولاي إدريس زرهون... عاصمة المغرب المنسية

الأحد 7 أغسطس 202202:02 م

لا يعرف كل زوّار المغرب عواصمه القديمة، فهناك منها ما طاله النسيان، كما هو الحال مع مدينة مولاي إدريس زرهون، وهي مدينة تقع غير بعيد عن مدينة مكناس (شرق الرباط).

من هذه المدينة "العريقة" انطلقت الشرارة الأولى للدول "الإسلامية" في المغرب، فكانت أول عاصمة مستقلة عن الخلافة. لقد كانت، ولا زالت، تُنعت بموطن إدريس بن عبد الله الكامل، بن الحسن المثنى، بن الحسن السبط، ويصل نسبه إلى النبي محمد.

العاصمة الإسلامية الأولى

جاء في كتاب "الدرر السنية في أخبار السلالة الإدريسية"، لمحمد بن علي السنوسي الإدريسي، أنه في البداية جاء المولى إدريس الأكبر مع مولاه راشد إلى مصر، ثم إلى المغرب الأقصى هرباً من العباسيين سنة 172 هجرية، وذلك بعدما تمكن العباسيون من القضاء على "ثورة" الحسين بن علي بن الحسن في معركة فخ في مكة المكرمة. وقد مرّ بتلمسان ووقف في طنجة التي كادت أن تصير مقراً له ليكمل طريقه إلى أن وصل إلى مدينة زرهون. المدينة حينئذ كانت تحت سلطة عبد الحميد بن مصعب الأوْرَبِيِّ، الذي بايع المولى إدريس الأول وتنازل له عن الحكم، وتولى مهمّة وزيره الذي سيزوّجه ابنته كنزة الأَوْرَبِيّة (نسبة إلى القبيلة البربرية النافذة حينها في المنطقة والتي أسهمت في بناء دولة الأدارسة).

توالت الدول وتغيرت العواصم من حينها، فما الذي بقي من "مهد" الدولة في المغرب الأقصى؟

ما الذي تبقّى ؟

وصلتُ إلى مدينة مولاي إدريس زرهون، "مدينة الأولياء والشرفاء وأهل الله"، كما يعدّها كثيرون، يوم جمعة، وكان الطريق إلى مولاي إدريس عبر "تاكسي أجرة" من النوع الكبير التي تحمل ستة زبائن، وتنطلق من مدينة مكناس. ما أن تطأ الأقدام المدينة حتى تجد الصّفاء والنقاء. استقبلتنا المدينة بشمسها الدافئة وسمائها الزرقاء، وبساطة سكانها وروح الكرم الغائرة فيهم.

ملامح السكان تظهر فيها كل أشكال التواضع والحياء والبساطة التي تنتشر في المجتمعات الريفيّة. على جنبات المدينة تنتشر حقول الزيتون والخصوبة والاخضرار. الفلاحة، هنا، تشكّل مورداً مهمّاً لفلّاحي المنطقة، فضلاً عن بعض الأنشطة الفلاحية الأخرى، خصوصاً أن للمنطقة تربةً خصبةً شهيرةً منذ آلاف السنين، وهو ما يضفي عليها خضرةً شبه دائمة.

توالت الدول وتغيرت العواصم، فما الذي بقي من "مهد" الدولة في المغرب الأقصى؟

وصلنا إلى زرهون قبل صلاة الجمعة بساعات. بدأت الجولة انطلاقاً من ساحة كبيرة في المدينة داخل الأزقة الصغيرة، وتحديداً انطلاقاً من ضريح مولاي إدريس. قبل البدء بالجولة صادفنا شاباً أمام باب الضريح، فعرض علينا أن يرافقنا في جولة لرؤية المدينة من نقطة عالية تطل على ضريح مولاي إدريس وبقية معالم هذه المدينة الصغيرة.

كان العرض مهماً بالنسبة لفريق رصيف22، وكانت الطريق صعبةً لكثرة العقبات. طوال مسيرنا تحدث الشاب بنبرة البسطاء الذين يبحثون عن سبيل ضيّق للعيش في مدينة أُنهكت اقتصادياً، وتفاقم الوضع بعد إجراءات مواجهة كوفيد19، طوال عامين وما رافقها من منع لزيارة الأضرحة وإقامة المناسبات الدينية التي كانت تساعد في حضور سيّاح كثر إليها. في مسيرنا وقفنا على ضريح صغير لمولاي عبد الله الحجام وبجانبه بعض قبور أسرة هذا "الولي".

على مدى مسيرنا، رحنا نسجل جمالية الأزقة من الطلاء إلى البناء؛ تعابير عمرانية بسيطة وبليغة بأبوابها الخشبية وبساطة الماريّن الذين يلقون التحية على كل زائر. وصلنا إلى آخر الزقاق في أعلى التلة، حيث تتجلى رؤية أخرى غير التي تظهر من أسفل. هنا تتجانس ألوان السماء مع الطلاء الأبيض الذي يكسو البيوت والأخضر الذي يزيّن قبة ضريح مولاي إدريس؛ وما أن تمعن النظر حتى تلمح مساحات خضراء في التلّة المقابلة حيث الماء والخضرة والجو الحسن. لم يذهب الجهد في السير إلى هذه النقطة سدى.

"مختلف الأشياء التي تُستعمل لزيارة الضريح في مولاي إدريس زرهون محرك أساسي للعلاقات التجارية في المدينة، ولذلك " كانعيشو غي بالبركة ديال الله"

يتحدث إلينا أحد السكان، وهو بائع في الساحة الموجودة وسط المدينة، عن الماضي الجميل "حين كانت الزيارات غفيرةً وكانت لنا فرص أوفر لبيع الشموع والبخور والحلي وأشياء تحفظ الذاكرة ومختلف أنواع السّبحات... إلخ. كنا نجني مدخولاً محترماً من ذلك، وكان الناس والزوار راضين عن الوضع ويلتقطون صوراً تذكاريةً معنا".

باعة الشمع والعطور وماء الورد والمواد التقليدية الأخرى، الذين مررنا بهم، جزء من اقتصاد المدينة. يستمرّ محدثنا في القول إن "مختلف الأشياء التي تُستعمل لزيارة الضريح محرك أساسي للعلاقات التجارية في المدينة، ولذلك " كانعيشو غي بالبركة ديال الله".

في طريق العودة، أخذ الشاب المرشد يشرح لنا تفاصيل موسم مولاي إدريس وعن الحضرة وطقوس المدينة.

زرهون محج الفقراء وموسم مولاي إدريس

مدينة مولاي إدريس زرهون هي كذلك، بحسب رواية الشاب، ملاذ للفقراء والأولياء والباحثين عن الحضرة والعشق الإلهي. هي مدينة "عيساوة" نسبة إلى الطريقة الصوفية التي أسّسها الشيخ الكامل محمد الهادي بن عيسى المغربي، ويقام له موسم غير بعيد في مكناس. أما هنا فيقام موسم مولاي إدريس الذي سمّيت المدينة على اسمه، وذاع صيت موسمه وصار من المواسم الكبرى في المغرب، التي تحظى بعناية خاصة؛ لذلك، يأخذ الاستعداد له جهداً ووقتاً كبيرين من طرف المؤسسة القائمة على الضريح وذلك لتمر أيام الموسم في أبهى حلة وتجلب مزيداً من الزوار سواء من الطوائف الصوفية وأهل العرفان أو من زوار يحجون لمعرفة ما يجري خلال هذا الموسم.

موسم مولاي إدريس فرصة ليجتمع "الفقراء" على المديح والسماع وذكر النبي، وكذلك الحصول على فرصة معاينة طقوس الحضرة العيساوية

يقول لنا أحد "الشرفاء" القائمين على الضريح، بينما ينتظر موعد صلاة الجمعة: موسم مولاي إدريس فرصة ليجتمع الفقراء على المديح والسماع وذكر النبي، وكذلك الحصول على فرصة معاينة طقوس الحضرة العيساوية، حيث لا صوت يعلو على صوت الفارين من ملذات الدنيا بحثاً عن لحظات تجلٍّ داخل مقام الولي الصالح مولاي إدريس، أو في أزقة المدينة التي تتدثّر بِأحسنِ ما لديها، فرحاً وبهجةً بهذا اليوم؛ كما تفتح الأسر أبوابها فرحاً بقدوم الزوّار إذ يستقبلك كل بيت بالبخور والند والعطر التقليدي وماء الورد.

يتوافد الزوار من "فقراء" و"أهل الله" وطوائف صوفية وجماعات عيساوية، ويجتمع الكل للاتجاه صوب الضريح حاملين الذبيحة والقربان للولي الصالح مولاي إدريس، وخلفهم الأطفال والنسوة يرددون ما تيسّر من المديح والذكر. وهكذا يستمر الذكر داخل ضريح إدريس الأكبر وفي محيطه، حيث يتواجد باعة الشموع البيضاء وبعض الحلي التي تخطف العين؛ ولا بد لكلّ عابر من هنا أن يأخذ من بركة هؤلاء ويأخذ تذكاراً من المدينة إما عبر اقتناء السّبحة بغية الذكر أو اقتناء البخور أو أعواد الند أو الصندل أو المسك أو البخور لإبطال السحر والعين بوضعها في المِجْمَر، فضلاً عن اقتناء الحلوى المعروفة عند المحالّ والباعة بحلوى مولاي إدريس.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard