اليوميات المتخيلة

الأحد 7 أغسطس 202203:33 م

خلافاً لما تدعيه بعض البحوث النقدية والأحكام الأجناسية من أن اليوميات ليس لها شكل، نعتقد أنها أكثر فنون الكتابة وضوحاً في مستوى الشكل، والعلامات الدالة عليها هي التقطيع والتأريخ والتسلسل، كما توصل إلى ذلك المنظر الفرنسي فيليب لوجون. وهذا الوضوح في الشكل هو ما جعلها وجهة الكتّاب والفنانين وهم يخوضون تجاربهم الفنية والأدبية، فكان شكلها أحد تمظهرات أدائهم الفني وقالباً لنتائج التخييل عندهم. غير أن هذا الاهتمام بفن اليوميات من الروائيين والقصاصين ومحاكاته شكلياً أسقط الكثير من النقاد في أخطاء تجنيس تلك الأعمال، واعتبروها يوميات حقيقية ولم تكن سوى روايات أو قصصاً أو مسرحيات.

فاليوميات لا تعتبر كذلك إلا إذا ارتبطت بميثاق أجناسي صريح يدرجها ضمن هذا الفن، أما ما عدى ذلك فهي أعمال إبداعية تخييلية مثلها مثل الأعمال الأدبية التي تظهر على شكل رسائل أو على شكل سير ذاتية وهي روايات تراسلية أو روايات بضمير المتكلم.

الكتب لا تقرأ من عناوينها

استعمل الكثير من الكتاب في العالم كلمة "يوميات" في عناوين مؤلفاتهم، مع أنها لا تنتمي لليوميات بل لأجناس أخرى، ولعل أهم تلك الأعمال "يوميات لص" للفرنسي جان جينيه، وهو عمل أدبي سيرذاتي، يروي فيه جان جينيه جزءاً من حياته المارقة، وهو لئن انتمى إلى أدب الكتابة عن الذات فإنه لا يندرج ضمن فن اليوميات.

استعمل الكثير من الكتاب في العالم كلمة يوميات في عناوين مؤلفاتهم، مع أنها لا تنتمي لليوميات بل لأجناس أخرى. من أهم تلك الأعمال "يوميات نائب في الأرياف" لتوفيق الحكيم، و"يوميات خادمة" لأوكتاف ميربو، و"يوميات آدم وحواء" لمارك توين، و"مذكرات الأرقش" لميخائيل نعيمة

كان عنوان الكتاب مضللاً، ولا يمكن أن يقود المتلقي إلى قراءة أجناسية صحيحة للعمل، فجان جينيه لم يكتبه يوماً بيوم، ولم يكن يسجل أيام ممارسته اللصوصية وأثناء إقامته بالسجون والإصلاحيات أي نوع من التسجيل الذي ورد في الكتاب، إنما ينتمي الكتاب إلى جنس المذكرات.

ولعل أشهر الأعمال التي حملت في عنوانها كلمة يوميات هي رواية "يوميات" للروائي الأمريكي تشاك بولانيك، الذي اشتهر برواية "نادي القتال". لم يختر بولانيك مجرد إدراج كلمة يوميات بالعنوان، بل لم يردفها بشيء وهو ما يوهم أن الكتاب يوميات الكاتب. بينما الرواية هي يوميات البطلة الفنانة ميستي ويلموت التي تعمل نادلة، والتي تنقلب حياتها على عقب بعد أن يسقط زوجها المتقاعد محتضراً إثر محاولة فاشلة للانتحار.

يقول تشاك بولانيك في الرواية نفسها: "كل شيء يوميات"، مشيراً إلى قدرة اليوميات على التهام كل شيء وصناعة نفسها بكل شيء.

كتب الروسي غوغول قصته "يوميات مجنون" عدة مرات قبل أن تصل إلينا في صياغتها الأخيرة، وهي قصة موظف يدعى أكسنتي إيفانوفيتش بوبريشين، ينتمي إلى الطبقات الاجتماعية المسحوقة، مصاب بانفصام في الشخصية، يروي فيها حياته اليومية يوماً بيوم،  على شكل يوميات حتى سقوطه في الجنون.

من جهة أخرى، اعتمد بعض المبدعين فن اليوميات لإنتاج سلسلة للشباب أو الكبار صارت بعد ذلك من أكثر الأعمال تأثيراً في العالم، حتى دخل بعضها عالم الصناعة، مثل ما فعل جيفري باتريك كيني، الكاتب ومصمم الألعاب الأمريكي، الذي ابتدع شخصية غريغ هيفلي  ضمن سلسلة "يوميات الفتى الجبان" والتي نقل معظمها للعربية تحت عنوان "مذكرات طالب"، واقتبست منها هوليوود العديد من الأعمال للسينما.

كما يمكن أن نستحضر  سلسة الكاتب الهولندي الساخر هندريك جرون، المعروف بـ"اليوميات السرية لهندريك جرون" والذي ابتدع شخصية العجوز الثمانيني المشاكس، الذي يتمرد على واقع بيت المسنين، وينطلق من جديد في حياة نشيطة أخرى، رافضاً واقع العجز الذي يعيشه سكان بيت المسنين واستسلامهم لانتظار الموت. حوّل الكتاب إلى مسلسل تلفزيوني حقق نجاحاً كبيراً في هولندا، وترجم الكتاب إلى عشرات اللغات.  

"سنة أخرى، وما زلت لا أطيق كبار السن، نفاذ صبرهم غير المعقول، الشكاوى اللانهائية، الشاي بالبسكويت، آلام البطن... أنا؟ عمري ثلاثة وثمانين سنة"

يبدأ الكاتب الساخر كتابه  بيومية  بتاريخ الثلاثاء 1 كانون الثاني/يناير 2013: "سنة أخرى، وما زلت لا أطيق كبار السن، نفاذ صبرهم غير المعقول، الشكاوى اللانهائية، الشاي بالبسكويت، آلام البطن... أنا؟ عمري ثلاثة وثمانين سنة". ومع كل ذلك الفرح والتمرد على الواقع العمري يظل الموت مخيماً على الكتاب كحقيقة  أبدية، تأتي لتعبث باللاعبين وتذكرهم أنها لحظة قادمة.

هذا الصراع التراجيدي الإغريقي بين الإنسان والإله يتشكل في هذا النص الإبداعي عبر الإنسان المعاصر والجسد العجوز الذي يصنفه الفرنسي ديفيد لبروتون في صنف الأجساد المهزومة والمتقاعدة والخارجة عن الخدمة، تلك الأجساد التي لم نعد في حاجة إليها، فنرميها في دور المسنين لتنتظر موعدها المؤكد مع الموت. غير أن الكاتب يخلق هذا الصراع الإغريقي من جديد عبر هذه اليوميات، لا لينفي الموت بل ليسخر منه حتى وهو يؤكده.

يكتب يوم الأحد 29 كانون الأول/ديسمبر: "ماتت ايفجي، في الساعة 11 مساء أمس قبلتها على جبينها المتجعّد،  وهمست: أراك في الصباح. انسحبت بسلام بعد ساعة. أنا فقط ذهبت للنظر إليها. كانت لاتزال تبدو جميلة جداً. أتمنى أن أكون سعيداً من أجلها، لكني حزين جدا لذلك الآن. نحن نبدأ عام 2014 بجنازة. عام جديد غير سعيد".

  ترى الكاتبة الأمريكية، المتخصصة في تدريس فن اليوميات، ريتا. د. جاكوب، في كتابها "الطريق في كتابه اليوميات لاكتشاف الذات"، أن كتابة اليوميات صارت تمارس على نطاق واسع، ولا سيما في القرن العشرين، فكثيراً ما يُنشئ الروائيون يوميات في أعمالهم كوسيلة لفهم الدوافع النفسية  للشخصيات وطبائعها بشكل أعمق، ما يؤدي إلى تعاطفه معها، وضربت أمثلة لذلك عند الفرنسي أندريه جيد، والأمريكي سكوت فيتزجيرالد، والأيرلندي أوسكار وايلد، ومارتا كولاي صاحبة رواية "عاملة الأرشيف".

"يوميات نائب في الأرياف" وفخ الحكيم

تورط عدد غير قليل من القراء، كما بعض النقاد والأساتذة الجامعيين العرب، في اعتبار "يوميات نائب في الأرياف" لتوفيق الحكيم، يوميات حقيقية، وأقحمها البعض في البرنامج الدراسي كنموذج لفن اليوميات، وظل ذلك الخطأ يتكرّر من معهد إلى آخر ومن جامعة عربية إلى أخرى ومن مقالة إلى أخرى.

تورط عدد غير قليل من القراء، كما بعض النقاد والأساتذة الجامعيين العرب، في اعتبار "يوميات نائب في الأرياف" لتوفيق الحكيم، يوميات حقيقية، وأقحمها البعض في البرنامج الدراسي كنموذج لفن اليوميات، وظل ذلك الخطأ يتكرّر من معهد إلى آخر ومن جامعة عربية إلى أخرى

لم يكن عنوان  الكتاب وحده من تسبب في هذا الخطأ، ولا شكل المتن المحاكي لفن اليوميات فقط، بل الميثاق الأجناسي الذي  صدّر به الحكيم كتابه، والذي ورّط الجميع في حسم أمر تجنيس الكتاب باعتباره يوميات: "لماذا أدوّن حياتي في يوميات؟ ألأنها حياة هنيئة؟ كلا. إن صاحب الحياة الهنيئة لا يدونها، إنما يحياها. إني أعيش مع  الجريمة في أصفاد واحدة. إنها رفيقي وزوجي أطالع  وجهها  في كل يوم، ولا أستطيع أن أحادثها على انفراد. هنا في هذه  اليوميات أملك الكلام عنها، وعن نفسي، وعن الكائنات  جميعا. أيتها الصفحات التي لن تنشر. ما أنتِ  إلا نافذة  مفتوحة أطلق منها حريّتي في ساعات الضيق..".

غير أن هذا الميثاق المزيف الذي وضعه توفيق الحكيم في أول الكتاب، والذي جرّ كل ذلك الخطأ في التلقي بعد ذلك، يكشف عن زيفه بنفسه فيه، عندما يقول راوي الميثاق بأن هذه اليوميات لن تنشر، والحال أن الكتاب نُشر في حياة توفيق الحكيم، وكان سبباً في شهرته عالمياً، إذ كان أول كتاب يترجم له إلى الإنجليزية. ولعل اهتمام الإنجليز به، وزيادة على قيمته الأدبية وأسئلة متنه، هو هذا التلاعب بفن اليوميات، ذلك الفن العريق في الثقافة الإنجليزية.

أما السبب الخارجي الأكبر للسقوط في خطأ التجنيس، فهو البحث في سيرة الكاتب، حيث استند من صنّفها ضمن اليوميات والحكي الحقيقي إلى اختصاص توفيق الحكيم ووظيفته؛ دراسته الحقوق واشتغاله لوقت قصير "وكيل نيابة".

وقد ساهم مترجموه إلى اللغات الأجنبية في ترسيخ ذلك الوهم بأن العمل سيرذاتي، وأنها يوميات فعلية، ونضرب على ذلك مثلاً الطبعة الخاصة التي نشرت في عدد محدود من الترجمة الفرنسية، لتوقّع من الكاتب، والتي تظهرها كدفتر يوميات مجلد، مشبوكة دفتيه بكفين من المعدن، كما تقدم دفاتر اليوميات الفخمة.


مصدر الصورة

لقد نقل لنا توفيق الحكيم، عبر تلك اللعبة الفنية، واقع الريف المصري  وتطاحن طبقاته الاجتماعية، في ظل سلطة ديكتاتورية فاسدة يعمل على خدمتها صغار الموظفين في الدولة، والذين يضحون بالحقيقة والعدالة والحق من أجل بقاء السلطة مطمئنة وثابتة.

" دي دايماً طريقتي في الانتخابات: الحرية المطلقة، أترك الناس تنتخب على كيفها، لغاية ما تتم عملية الانتخابات، وبعدين أقوم بكل بساطة شايل صندوق الأصوات وأرميه في الترعة، وأروح واضع مطرحه الصندوق اللي أحنا موضّبينه على مهلنا"

وقد عكس واقع الفساد السياسي والاجتماعي من خلال واقع الجريمة في الريف المصري، وتعامل النيابة معها، حيث تزهق الأرواح وترمى الجثث في "الترعة" كما ترمى صناديق الاقتراع في الانتخابات السياسية. وقد لخّص توفيق الحكيم ذلك الواقع البائس في ذلك الحوار الساخر الذي دار بين النائب العام ومأمور المركز: "تصدق بالله؟ أنا مأمور مركز بالشرف. أنا مش مأمور من المآمير الي أنت عارفهم، أنا ولا عمري أتدخل في انتخابات، ولا عمري قلت انتخبوا  هذا وأسقطوا هذا. أبداً، أبداً، أبداً. أنا مبدئي ترك الناس أحرار تنتخب كما تشاء...

فقاطعت المأمور وأنا لا أملك نفسي من الإعجاب: شيء عظيم يا حضرة المأمور، بس الكلام ده مش خطر على منصبك؟  أنت على كده، أنت رجل عظيم..

فمضى  المأمور يقول: دي دايما طريقتي في الانتخابات: الحرية المطلقة، أترك الناس تنتخب على كيفها، لغاية ما تتم عملية الانتخابات، وبعدين أقوم بكل بساطة شايل صندوق الأصوات وأرميه في الترعة، وأروح واضع مطرحه الصندوق اللي  أحنا موضّبينه على مهلنا".

"مذكرات الأرقش" لميخائيل نعيمة

تعتبر "مذكرات الأرقش" لميخائيل نعيمة واحدة من أهم النصوص التخييلية التي استفادت من فن اليوميات، وقد صدّرها ميخائيل نعيمة بتوطئة في بعض الصفحات، يروي فيها قصة اليوميات التي اقتنصها من صاحب مقهى بنيويورك، فقد جلس وصاحبه في ذلك المقهى بالصدفة، توقياً من المطر، فاذا بصاحب المقهى، وهو عربي، يحدثهما عن نادله الذي تركه، وأخذ يتحسّر على  أيامه عندما كان يشتغل عنده ويؤمن طلبات الزبائن، واعترف أنه لم يعرف عنه شيئاً حتى اسمه، لذلك اجترح له اسم الأرقش لأن وجهه فيه آثار جدري.

وفي آخر الجلسة يأخذ صاحب المقهى ميخائيل نعيمة وصاحبه ليريهما الحجرة التي كان يشغلها الأرقش قبل اختفائه، ثم يكشف لهم عن صندوق صغير ترك فيه كتاب العهد الجديد ودفتراً، لاحظ ميخائيل نعيمة أن عليه عبارة "مذكراتي"، فاقترح على صاحب المقهى أن يبيعه الدفتر فتنازل له عنه هدية، فهو أمي لا يفقه فك الحروف ولا كتابتها، ويعتقد أن الأرقش قد مات ولن يعود ليأخذها، وبعد مضي سنوات، يقول نعيمة، قرر أن ينشر المذكرات للناس لعلهم يجدون فيها ذات المتعة التي وجدها، فيقول في آخر التوطئة:

تعتبر "مذكرات الأرقش" لميخائيل نعيمة واحدة من أهم النصوص التخييلية التي استفادت من فن اليوميات، وقد صدّرها ميخائيل نعيمة بتوطئة في بعض الصفحات، يروي فيها قصة اليوميات التي اقتنصها من صاحب مقهى بنيويورك

"أما الآن وقد تلوتها بدل المرة مرات، وقد انقضى على غياب صاحبها ردح من الدهر، فلست أرى بأساً من نشرها لعلّ بعض القراء يجد فيها مثل ما وجدته من المتعة والسلوى. وأما طريقة الأرقش في تدوين مذكراته بذكره أيام الأسبوع لا غير، دون تاريخ اليوم والشهر والسنة، فلا يمكنني الاعتراض عليها وإن لم أفهم الغاية منها. هذا كل ما أعرفه عن الأرقش. فلا تسألوني زيادة. م. ن".

إن هذا التوقيع بالحروف الأولى  لاسم الكاتب هيأ للبعض أن يتلقاها كيوميات حقيقية وجدها نعيمة، وما هي إلا لعبة فنية لرواية قصة الأرقش التي يفتتحها بهذه اليومية:

"الاثنين

الناس قسمان: متكلّمون وساكتون. أنا قسم الإنسانية الساكت. وما بقي فمتكلّمون. أما البكم والرضّع فلغاية ختمت الحكمة الأزلية على أفواههم فلا يتكلّمون. في حين  أنّي ختمت على فمي  بيدي. وقد أدركت حلاوة السكوت ولم يدرك المتكلمون  مرارة الكلام.  لذلك سكتّ والناس يتكلّمون".

بهذا النص الافتتاحي يحاول الأرقش تقديم نفسه وتفسير ما نقله عن صاحب المقهى من أنه قليل الكلام ولا يكاد يقول غير" نعم" و"لا"، مع أنه يتقن عديد اللغات، ثم ينطلق في اليومية الموالية لكشف قصة إصابته بالجدري، وكيف فلسف بها حياته مع الناس، إذ اعتبر أنهم استباحوا جسده وجعلوه مشاعاً لألسنتهم، ولذلك سيّج روحه بالسكوت، واعتبر أنه بذلك السكوت قد سيطر عليهم.

يقول:"رأوا آثار الجدري في وجهي فلقبوني بالأرقش. أما روحي الملتفّ بالسكوت، البعيد عن أبصارهم الكفيفة، فلم يجدوا  له اسماً. لذلك يحسبوني مختل الشعور. ولكنّي من وراء سكوتي أستطيع أن أبصر ما في قلوبهم وأقرأ ما في أفكارهم، لأنني أحكم على أفكارهم لا بما ينطقون، بل بما لا ينطقون. لذاك سكتّ والناس ستكلّمون".

لقد اعتمد ميخائيل نعيمة كل ضروب تشكل فن اليوميات بدقة شديدة، من التأريخ للنصوص باليوم، والكتابة بضمير المتكلم، وتشظي للأفكار والخواطر الواردة في اليوميات، ما ينتج ذلك التشظي الذي تعرف به اليوميات، كما حقق من خلال تلك البياضات في بعض الأيام أو الاكتفاء بكلمات محدودة، تلك الصفة التي تهم فن اليوميات، وهي الصمت والتوقف عن الكتابة وعدم توازن المقاطع السردية، والتي تخضع لمزاج كاتب اليوميات.

وقد انشغلت "يوميات الأرقش" بقضايا الإنسان من الموت والحياة والمجتمع وعلاقته بالطبيعة والآخر وبالكتابة والجنس والمال والدين والوحدة والقيامة... ويجرب ميخائيل نعيمة أحياناً ضمير المخاطب في كتابة اليوميات، فيبدو الأرقش وهو يخاطب نفسه كمن يستحضر قرينه أو يتخارج عن ذاته ليكتبها. كما جرب في اليوميات كل فنون السرد، من القص إلى الحوار، فاقتصرت بعض اليوميات على حواريات لا تدخل فيها للراوي إلا من حيث هو شخصية مشاركة في حوار أو مناجاة، أو مواجهة بين الكاتب ونفسه حول العبودية والحرية والمعرفة.

تنتهي يوميات الأرقش بيومية مناجاة وفجيعة، تقول إنه تذكر كل شيء، ويعتبر ذلك طامة كبرى لحقت به وأخرجته من طمأنينته، ويشير إلى واقعة قتله لحبيبته، ملمحاً إلى خيانة.

"ذبحت حبي بيدي. فما شأن الناس معي؟ ولكنك تضع العرض فوق الحب يا سليمان، وأضع  الحب فوق كل شيء. وقد ثأرت لعرضك. وأي الثأر ثأرك؟ نبشت الأرقش من قبره لنفسه إلا من نفسه؟ أنا الذابح والمذبوح. ذبحتها فانذبحتُ بيدي، بيدي هذه  ذبحتُ حبي. لأنه فوق ما يتحمله  جسدي ودون ما تشتاقه روحي. وأي الناس أدرى مني بما يتحمله جسدي وتشتاقه روحي؟ فما شأنهم معي؟ ارفعوا عني أكفكم، واحجبوا لحاظكم، وألجموا ألسنتكم.  ارتدوا. ارتدوا. ما مات الأرقش بعد، لا، ما مات  الأرقش".

ويذيل ميخائل نعيمة الكتاب بنصين، الأول خبر صحفي عن جريمة قتل قام بها عريس، من عائلة لبنانية سورية في حق عروسه التي يحب، حيث فسّر ذبحه لها وفراره على أنه حب جارف، أكدته رسالة نسبت له خطأ تقول: "ذبحت حبي بيدي، لأنه فوق ما يتحمله جسدي ودون ما تشتاقه روحي"، ونص آخر في شكل  رسالة إلى الأرقش، يبث من خلالها نعيمة حبه القوي للأرقش وتعلقه به، ويجدد ذرائعه لنشر اليوميات باعتبارها أمانة عنده، وصلته بقدرية لا يخالها صدفة، لكنه يواصل في إيهامه بواقعية الأحداث عبر تلك الإشارات التي يطلقها حتى آخر النص، كأن يسجل آخر الضحية بالحروف الأولى التي تشبه حروف اسمه الذي وقع به التوطئة الأولى "السيد س. ن".  وكل ذلك يعيد تأصيل الرواية، التي تبدو طيلة متنها فلسفية، تبحث في الوجود الإنساني، في واقعها وبيئتها.

ولا شك في أن ميخائيل نعيمة  استفاد من ثقافته الغربية التي منحته وعياً أجناسياً كبيراً، مكنه من التلاعب بسيرته عبر أجناس أدبية مختلفة، منها "كتاب مرداد " و"اليوم الأخير"  و"سبعون"، وهو الذي جرب الكتابة في حقل الكتابة الأوتوبيوغرافية بكل أنواعها، حتى السيرة الغيرية، عندما ألف  كتاب "جبران خليل جبران، حياته، موته، أدبه، فنه".

يوميات خادمة لأوكتاف ميربو

تعتبر "يوميات خادمة "للفرنسي اوكتاف ميربو، من أشهر الروايات العالمية التي اعتمدت فن اليوميات كشكل فني، ظهرت سنة 1900، وقد افتتحها صاحبها بما يشبه البيان أو الميثاق الذي يرسّخ العمل في جنس أدبي من ناحية، ويعترف بخرقه من ناحية ثانية، يقول فيه: "هذا الكتاب الذي أنشره تحت عنوان (يوميات خادمة) كتبته حقيقة الآنسة سيليستين ر. خادمة".

ويعترف أن الآنسة سيليستين طلبت منه مراجعة العمل وإضافة بعض اللمسات، لكنه رفض، لأن العمل كان قذراً وأصيلاً، ولا ينبغي أن يضع يده فيه، لكن جمال الآنسة المذهل جعله يقبل في النهاية، ويشارك في إنتاج هذا العمل، لكنه يشعر بأن ذلك القرار كان خاطئاً، ويفوض النقاد في الحسم فيه.

كان ذلك البيان مجرد لعبة فنية وجزءاً من بناء الرواية القائم على اليوميات، للإيهام بالواقعية، وكانت الرواية تسلط الضوء على الانتهاكات الجنسية والعنصرية التي يتعرّض لها أفراد الطبقات السفلى من الطبقة البرجوازية، في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. وقد نجح الكاتب في الاستناد إلى أسلوب اليوميات ليشكّل جيداً صوت الضحية فيما يشبه الشهادة على ذلك المجتمع الطبقي وفضحه من الداخل، عبر الشخصية النموذجية القادرة على التغلغل فيه ومعرفة أسراره: الخادمة.

"يوميات آدم وحواء" لمارك توين

وتظل "يوميات آدم وحواء" التي ألفها الأمريكي مارك توين سنة 1906 من أعرق الكتب التخييلية التي استعارت من فن اليوميات شكله، ليخلق الكاتب عالماً افتراضياً ينقل لنا عبره رؤيته لبداية الخلق. فيقطّع الحكاية إلى أيام يروي عبرها كرونولوجيا تطور الأحداث مع آدم ورفيقته حواء. يكتب مارك توين دهشة آدم من ظهور حواء لأول مرة، تحت يوم الاثنين: "إن هذا المخلوق الجديد، ذا الشعر الطويل، يضايقني كثيراً.

تظل "يوميات آدم وحواء" التي ألفها الأمريكي مارك توين سنة 1906 من أعرق الكتب التخييلية التي استعارت من فن اليوميات شكله، ليخلق الكاتب عالماً افتراضياً ينقل لنا عبره رؤيته لبداية الخلق

إنه دائم الحركة، يتبعني أينما ذهبت. إنني أكره ذلك؛ فلست معتاداً وجود آخرين معي، إنني أتمنّى أن يبقى هذا المخلوق مع الحيوانات الأخرى... إن اليوم كثير السحب، والرياح تهبّ من الشرق، أظن إننا سنرى المطر قريبا. (إننا)... من أين تعلّمت هذه الكلمة؟ آه تذكرت، إن هذا المخلوق الجديد كثيراً ما يستعملها".

يوميات جسد لدانييل باناك

ولعل أحدث الروايات الناجحة في هذا الشكل، رواية الفرنسي دانييل باناك "يوميات جسد"، التي بدأها بعبارة: "أريد كتابة يوميات جسدي لأن الجميع يتحدثون عن أشياء أخرى".

وهذا البيان ينطلق به الكتاب، معلناً بين حروفه جهلنا بأجسادنا، فنحن لا نكتب اليوميات لأننا  لا نعلم كما في السيرة الذاتية، بل نكتب اليوميات لأننا لا نعلم، ونريد أن نرصد أنفسنا لعلنا نتعرف عليها، فنحن كما يقول ميلان كونديرا: "نموت دون أن نعرف أنفسنا"، وهو ذات مصير كاتب اليوميات في الرواية التي ينهيها بقوله: "كنت أصبو أن أقول كل شيء، لكني ما قلت إلا قليلاً، بالكاد لامست الجسد الذي أردت وصفه".

وضمن هذه التراجيديا، بين محاولة المعرفة واستحالتها، تنشأ عوالم هذه الرواية التي تبدو فلسفية من ناحية، ولكنها شديدة الواقعية من ناحية ثانية، كما هو الحال مع "مذكرات الأرقش" لميخائيل نعيمة.

تشترك كل النماذج السابقة التي عرضناها في تيمة فضح المسكوت عنه، سياسياً كان أم اجتماعياً أم وجودياً، أو سبر أغوار المجهول والميتافيزيقي، وكثيراً ما ارتبط فن اليوميات، كما السير الذاتية، بظاهرة الاعتراف في الديانة المسيحية، حتى أنه هناك فرع كامل في مدونة اليوميات منشغل بالتجربة الروحية، ويكفي أن نشير هنا إلى يوميات البابا يوحنا الثالث والعشرين، والتي انطلق في تسجيلها متتبعاً "تطوره الروحي" منذ كان مراهقاً إلى آخر حياته، ماراً على تاريخه الشخصي، من المدرسة الدينية إلى مهنة الكاهن والدبلوماسي البابوي الأوروبي وبطرك البندقية.

وعلى هذا النحو مما كتبه الحكيم وميربو وتوين، وضع كتاب القصص القصيرة قصصهم أيضاً، غير أنه جدير بنا التذكير أنه مهما تقاطعت تلك اليوميات مع  حياة الكاتب، فهي تظل عملاً تخييلياً، ولا يمكن إدراجها في فن اليوميات، ولا يعطيه أسلوب اليوميات إلا مزيداً من الإيهام بالواقعية، تلك السمة التي تسعى إليها كل كتابة تخييلية، كما يقول كولن ولسن في كتابه "فن الرواية".

ومن ثم، فالفن الذي لا شكل له، كما ادعى بعض النقاد، بإمكانه أن ينتج عدداً كبيراً من الأعمال الأدبية والفنية التي يشترط بعضها حبكات دقيقة ومركبة، كالرواية والفيلم، إذ اليوميات، بطابعها الشذري والآني، تؤمّن ذلك الفضول والتشويق، وتوفّر تلك الدهشة التي تطلبها بعض الأعمال الفنية، حيث يكون الراوي؛ صاحب اليوميات والقارئ، على نفس الدرجة من الأحداث، فكلاهما لا يعرف عن الغد شيئاً، وهكذا كان النائب في "يوميات نائب في الأرياف" لتوفيق الحكيم، والخادمة في "يوميات خادمة" لأوكتاف ميربو، وميستي ويلموت  في "يوميات" تشاك بولانيك، وآدم في "يوميات آدم وحواء" لمارك توين، والأرقش في "مذكرات الأرقش" لميخائيل نعيمة، والمجنون في "يوميات مجنون" لغوغول.   

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard