تمرد على الإخوان وخدعه يوسف ندا... الغزالي محرضاً على مصادرة الإبداع والأرواح

الخميس 4 أغسطس 202205:00 م

القبضة البوليسية منعت دفاع المتعاطفين مع تنظيم الإخوان عن استحلالهم الكذب، بعد نشر مقالي السابق في رصيف22، عن اختلاق أنور الجندي لكاتب أمريكي وهمي نسب إليه تأليف كتاب عن حسن البنا. لكن رسالة وصلتني ضمن مجموعة مغلقة في وسيلة للتواصل الاجتماعي يطلب كاتبها "بطاقة تعريف كاملة وواضحة" عني.

وبعد نحو ساعتين كتب أنه بحث في ويكيبيديا، وما قرأه "نبذة وجيزة جداً عن هذا الروائي لا توضح أصله ومؤهلاته العلمية والأدبية وأساتذته ومعلمه وآراء المفكرين والأدباء المتخصصين في كتابته ومنهجه". وأتبعها برسالة ظالمة تتهمني "بالتهكم والاستهزاء والسخرية من قامة رفيعة مثل الكاتب الأديب الأستاذ أنور الجندي... وهو بالنسبة له ناطحة سحاب".

هذه الرسائل، وما تلاها، تتجاهل "الموضوعي" وتستهدف "الذاتي". الموضوعي في مقالي هو واقعة التزوير، واستمراء التضليل. وجسم الجريمة كتاب لا يزال يعاد طبعه، ويتناسل وينمو في كتابات إخوانية تستشهد بأنور الجندي مرة، وتسطو عليه مرات.

هذا الإلحاح طويل المدى يجعل الكذب حقيقة يقدسها الخائفون من توابع فكرة الشك. وأنتظر باحثاً دؤوباً يرصد أكاذيب الجهاز الخفي للإخوان، ودور يوسف ندا، وكيف كشفته مصادفات.

على العكس من كذب فكاهي، يسهل على العامة السخرية منه، مثل تصريح القيادي الإخواني صبحي صالح بأنه تابع البيان الأول لعبور الجيش قناة السويس، وهو يتغدى مع صديق، في الساعة الثانية وخمس دقائق، يوم السادس من تشرين الأول/أكتوبر 1973.

من أسباب إعجابي بالغزالي جرأته على اتخاذ قرار الخروج من الإخوان. من يعرف التربية الإخوانية يلتمس العذر لشباب الجماعة، أسرى تربية نفسية لا نجاة منها إلا بمعجزة

لو أطلق كذبة تتعلق بأي حدث آخر لما انتبه إلا المدققون. ليته قال إنه كان يأكل وكفى؛ فيفهم المشاهدون أنه كان يفطر بعد صيام يوم طويل. وقع الرجل ضحية دقة مفتعلة، بذكره توقيت بدء الحرب، وإطلاق نيران المدفعية. ولم تقترن تلك النيران بعبور أو بيان، في الثانية وخمس دقائق.

حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973 استثناء نادر، تعانق فيها التاريخان الميلادي والهجري، ويُحتفل بها في العاشر من رمضان سنوياً. فكيف كان يتغدى في رمضان؟ للخيال الواسع مخاطر تضر ضعاف الذاكرة. وبيان العبور الشهير هو البيان السابع لا الأول، وأذيع في السابعة والنصف، بعد نجاح القوات المصرية في السيطرة على الضفة الشرقية لقناة السويس.

لا سابقة لزينب الغزالي في الكتابة، ولم ترفض أن يؤلف الداهية يوسف ندا ميلودراما في كتاب يحمل اسمها. أما محمد الغزالي فيخطب ويكتب، ولن يقبل أن يفصّل له يوسف قميصاً أو كتاباً، كما أن حياته تخلو من دراما السجون. وجمعته دراما هادئة بجمال عبد الناصر عام 1962، في جلسة لمناقشة الميثاق الوطني.

في النقاش حقوق المرأة لا فرق بين خطاب الشيخ والرئيس، إلا في الدرجة لا النوع. ينطلق الخطابان من مبدأ محافظ، ذكوري وصائي. ولا يقل التصفيق والاستحسان لمنطق الشيخ عن التصفيق لرد الرئيس. مشهد دالّ على طبيعة سياق اجتماعي صاحَب تجربة ما بعد تموز/يوليو 1952، واستعداده لانقلاب أنور السادات.

ما لم يتم بالتأليف يتحقق بالتزييف. عرف يوسف ندا كيف يستغل حماسة محمد الغزالي. دسّ له تقريراً مزيفاً بتوقيع عبد الناصر، وهدفه "محاربة الإسلام". وفي كتابه "قذائف الحق" خصص الغزالي للوثيقة فصلاً عنوانه "تقرير يفضح النيات المبيّتة للإسلام". ولم أعرف هذا الكتاب، في سنوات الضلال، وكنت معجباً بالشيخ، وتابعته مبكراً في مجلة "الدعوة" الإخوانية حتى توقُّفِها عام 1981، ومجلة "الأمة" القطرية، وذاكرت كتابه "هموم داعية". وأخذت عليه التساهل والتفريط أحياناً، والميل إلى كبح اندفاع المتحمسين لنشر دعوة الإسلام، والسخرية من المتشددين المغالين في ما سماه "فقه دورة المياه". ثم تذبذبتْ مشاعري تجاهه، حتى حسمها تسويغه لقتل فرج فودة عام 1992.

اسم جماعة الإخوان المسلمين يوحي باستئثار أعضائها بالإسلام، من دون غيرهم من المسلمين

من أسباب إعجابي بالغزالي جرأته على اتخاذ قرار الخروج من الإخوان. من يعرف التربية الإخوانية يلتمس العذر لشباب الجماعة، أسرى تربية نفسية لا نجاة منها إلا بمعجزة. والحل الأمني لا يجدي في ردعهم. اسم جماعة الإخوان المسلمين يوحي باستئثار أعضائها بالإسلام، من دون غيرهم من المسلمين.

في عام 1951 خرج الغزالي من الجماعة، واستنكر أن يعتبر الإخوان أنفسهم "جماعة المسلمين". وقبل انتخابات الرئاسية بين محمد مرسي وأحمد شفيق عام 2012، أنعش المرشد السابق مهدي عاكف ذاكرتنا، قائلاً إن "مرسي مرشح الله والثورة". في التنافس السياسي لا مجال للحلال والحرام، وإنما للصواب والخطأ. وبإقحام الله في الانتخابات، يكون الآخرون مرشحي الشيطان.

في الجامعة، توثقت علاقتي بمثقفي اليسار، ونشرت في مجلاتهم قصصاً قصيرة. في ذلك التيه، بحثت عن يقين، وأردت أن أعرف الشيخ الغزالي. اتصلت به، وفي 31 كانون الثاني/يناير 1989 دعاني إلى بيته، وأهداني بضعة كتب، واختار كتابه" حصاد الغرور"، وكتب إهداءً بخط جميل: "إلى ابننا العزيز سعد القرش. مع دعوات التوفيق"، ولم يكتب إهداء على كتبه الأخرى، ومنها "مستقبل الإسلام خارج أرضه... كيف نفكر فيه؟"، و"الإسلام في مواجهة الزحف الأحمر". سألته عن المسيخ الدجال فغضب: "دعك من هذه الأوهام". وسألته عن أمر فقهي، فأجاب بتواضع: "أنا مهتم بالفكر، اسأل الدكتور القرضاوي". ولعله ظن أنني ما دمتُ أعرفه فإن لي علاقة بالقرضاوي.

الْتهمتُ كتبه. تحت عنوان "الحاقدون على الشريعة"، في كتابه "الحقّ المر"، قرأت: "القوى الكبرى المعادية للإسلام قررت مخاصمة العودة إلى التشريع الإسلامي، وهددت من يفعل ذلك! وتلك إشارة البدء بالهجوم على الإسلام كله واقتلاعه من جذوره!... لقد خرجت الأفاعي من جحورها تتحدث عن الإسلام بحقد غريب! ولما كانت الدساتير الموضوعة تقرر أن الإسلام دين الدولة والمصدر الرئيسي لتشريعها فلا مناص من دفع أولئك الحاقدين بأنهم يريدون نقض البناء الاجتماعي لحساب قوى خارجية، وأنهم يقترفون جريمة الخيانة العظمى، أو بتعبير الإسلام يرتكبون جريمة الارتداد. إن محاربة التطرف لن تكون أبداً سبيلاً لمحاربة الإسلام نفسه ولن ندع هؤلاء يمضون في عبثهم الشائن".

بسببه أنكرت نفسي. كنت أستمع يومياً إلى أم كلثوم بداية من الساعة الخامسة عصراً، ثم أغنية أخرى في ختام الإرسال، وبينهما أغنيات لغير أم كلثوم. وصدمني الغزالي في فصل عنوانه "أرفض الغناء" بأنه يستمع إلى أغنية "فلسطين"، لمحمد عبد الوهاب. ويقول مطلعها: "أخي جاوز الظالمون المدى"، وهي قصيدة للشاعر علي محمود طه، "فتشجيني وأتجاوب معها، ثم أسمع للشاعر نفسه والمغني نفسه قصيدة (كليوباترة) فأغلق الراديو وألعن الكلمات وملحّنها ومذيعها". وتحت عنوان "لماذا يكرهون الدولة المسلمة" يردد كلاماً عن الاستعمار الثقافي، وأنصار الديمقراطية الذين يريدون "حرية الفسوق والعصيان... إذا كان الإسلام ديناً ودولة، فأنتم تكرهون الدولة المسلمة، لأنكم تكرهون الدين نفسه".

مع تنظيم يفجر في الخصومة، ويستحل الافتراء ويتسلح بالتقية، تصير الحياة حرباً مفتوحة مع أعداء يجب خداعهم. تبدأ الحرب بمصادرة رواية، وتنتهي بمصادرة الأرواح

وتحت عنوان "المطالبون بالعلمانية آثمون"، يسجل بيقين الفقيه أن العلمانية "شعارها تغيير الفقه والتشريع وتغيير الأدب والتربية وتغيير العلاقة بالله". وفي الكتاب نفسه فصل عنوانه "الماركسية قمة الإلحاد". أدهشني الاتهام السهل لماركسيين أُصادقهم، ولا أجد منهم عداوة للدين أو للمتدينين، وأراهم أكثر احتراماً لروح الدين، وأرحم بالناس، وأبعد عن فظاظة الإسلاميين وغلظتهم وخشونة ألفاظهم وسلوكهم. لم يعتذر الإخوان عن جرائم التنظيم الخاص، بل إن المرشد السادس للجماعة، المستشار مأمون الهضيبي، وهو ابن المستشار حسن الهضيبي المرشد الثاني للجماعة، قال في مناظرة مع فرج فودة في معرض القاهرة للكتاب، مطلع عام 1992: "نحن نتعبد للّه بأعمال النظام الخاص قبل الثورة 1952".

حملت تلك المناظرة عنوان "مصر بين الدولة الدينية والدولة المدنية". مثّل محمد أحمد خلف الله وفرج فودة التيار المدني، في مواجهة الهضيبي والغزالي ومحمد عمارة. واحتشد لممثلي اليمين الديني جمهور كبير، تواصلت هتافاته قبل بدء الندوة: "الله أكبر ولله الحمد"، وعلا نشيد الإخوان: "الله غايتنا، والرسول زعيمنا، والقرآن دستورنا، والجهاد سبيلنا، والموت في سبيل الله أسمى أمانينا".

وبدا المشهد في القاعة إعلان حرب بين الإسلام والعلمانية، وليس مناظرة علمية يؤخذ من كلام المشاركين فيها ويرد. أحس كلا الفريقين بالنصرـ وبعد ستة أشهر قتل فرج فودة، يوم 8 حزيران/يونيو 1992. قتله شابان تنفيذاً لفتوى بكفره. لم يستنكر الإخوان القتل أو الفتوى.

شهادة الغزالي (1917 ـ 1996) في المحكمة إدانة للضحية. قال إن فودة "كافر ومرتد... ويجوز أن يقوم أفراد الأمة بإقامة الحدود عند تعطيلها، وإن كان في هذا افتئات على حق السلطة، ولكن ليس عليه عقوبة"، وأوضح أن خطأ الشابين ليس قتل الرجل الأعزل، بل الافتئات على القيام بما يجب أن تقوم به السلطة. والسلطة آنذاك لا تخضع لدين الإخوان. بعد ذلك لم يكن لي أن أحب شيخاً لا يثق بأن هذا الدين متين، وإن فاته التحريض على القتل تداركه بالتسويغ للقتلة. ثم كشفت محاولة قتل نجيب محفوظ، في تشرين الأول/أكتوبر 1994، صحيفة سوابق الغزالي المجاهد في سبيل منع رواية "أولاد حارتنا".

نشرت الرواية مسلسلة في "الأهرام" عام 1959، ولم تسجل واقعة ارتداد أيّ من قرائها عن الإسلام. لكن الغزالي كتب تقريراً تسبب في عدم طبعها في كتاب. كان سليمان فياض يعمل بوزارة الأوقاف سكرتيراً للجنة "الدفاع عن الإسلام"، مع الغزالي والسيد سابق، وفي إحدى جلسات تلك اللجنة "قدم الشيخ الغزالي ورقتين معدتين من قبل يستعرض فيهما (أولاد حارتنا) من زاوية الاتهام وحدها... كانت الإدانة لأولاد حارتنا في غيبة من الدفاع والمتهم. ومنذ ذلك الحين وقصة التكفير والاتهام بالإلحاد لا تتوقف"، كما شهد فياض. نجا محفوظ، وطبعت الرواية في حياة الغزالي، في عدد خاص من صحيفة "الأهالي" الحزبية، في 30 تشرين الأول/أكتوبر 1994.

تواطأت على المنع سلطة عبد الناصر والأزهر، فالفرق بينهما ليس نوعياً. وفي الشهر التالي لمحاولة اغتياله محفوظ، زاره الغزالي، وأثيرت قضية "أولاد حارتنا". قال محفوظ إنه قرر ألا تنشر في مصر إلا بموافقة الأزهر، وعلقت زوجته بأن الرواية في أيدي القراء، فقال الغزالي بخشونة إن السموم محظورة وتنتشر بين الناس. ولعل الغزالي قلّب الرواية، في صحيفة الأهالي، وتحسّر على ضياع عمره في السراب، وإعلانه الحرب على الخيال. لا أقول إنه مات وفي قلبه شيء من الإخوان أو من الدواعش، وإنما تحسرتُ عليه عام 2006، والراوية منشورة في دار الشروق، بمقدمة لأحمد كمال أبو المجد، وكلمة الغلاف الخلفي لمحمد سليم العوا.

السراب الذي لم يندم عليه الغزالي هو حربه على وثيقة مغشوشة. ربما أراد يوسف ندا الانتقام بها للإخوان، من الغزالي وعبد الناصر معاً. تحتل الوثيقة سبع صفحات في كتاب "قذائف الحق" المنشور عام 1973، في بدايات الهجوم الساداتي على عبد الناصر. تنطلق الوثيقة المزورة بتوقيع مسؤولي المخابرات والأمن وعبد الناصر من استئصال الإخوان إلى "محاربة الإسلام".

وتحدد إجراءات لمنع عدوى أفكار الإخوان من الانتقال إلى غيرهم، ومحو فكرة ارتباط الإسلام بالسياسة، وتغيير مناهج تدريس التاريخ الإسلامي وربطها بالمعتقدات الاشتراكية مع إبراز مفاسد الخلافة، وتضييق فرص الظهور والعمل أمام المتدينين عموماً في المجالات كافة، ومنع المتدينين من السفر للدراسة أو العمل.

تضمنت الوثيقة أيضاً منع قبول أقرباء الإخوان حتى الدرجة الثالثة من الانخراط في الجيش والشرطة، وسرعة عزل الموجودين من هؤلاء من هذه الأماكن، ومصادرة ممتلكات الإخوان واعتقالهم وتعذيبهم، والتضييق على زوجاتهم حتى يتحررن ويتمردن لغياب عائلهن، وحاجتهن المادية قد تؤدي إلى انزلاقهن، وتوقيف الأبناء عن الدراسة. وفي المرحلة الثانية "إعدام كل من يُنظر إليهم بينهم كداعية". وظلت الوثيقة سارية المصداقية حتى كتب هيثم أبو زيد، قصة الكذبة الإخوانية الخالدة، عام 2013. وكان أبو زيد قد استقال من الإخوان عام 2005، وانضم إلى حزب الوسط، وصار المدير التنفيذي للحزب. وفي عام 2008 أطلعه أبو العلا ماضي رئيس حزب الوسط على "قنبلة".

وصفُ قنبلة لرئيس الحزب، وقد زاره المهندس الإخواني مراد جميل الزيات الذي اعتقل في الستينيات، وفي السبعينيات التقى مفوض العلاقات الدولية يوسف ندا في أوروبا، وجاء ذكر التعذيب في المعتقلات، والوثيقة الواردة في كتاب الغزالي. قهقه ندا، وقال: "أنا من وضع هذه الوثيقة، لتشويه نظام الحكم الناصري". فقال الزيات: "لكن هذه فبركة". رد ندا بثقة: "الحرب خدعة". أبو العلا وأبو زيد قابلا محمد سليم العوا، بحضور ثلاثة من قادة حزب الوسط أحدهم حسام خلف زوج علا يوسف القرضاوي. أبو العلا خاطَب العوا بما سمعه من مراد الزيات، فقاطعه العوا: "نعم، هذه رواية حقيقية، وأنا أعلم بها من نحو أربعين سنة!!".

الدكتور سليم العوا، المرشح الرئاسي عام 2012، لم يكتف بدور الشيطان الأخرس. تواطأ أربعين سنة على كذبة تاريخية، وفاجأهم بأنه يحتفظ بالوثيقة التي كتبها يوسف ندا، وأنه مكث مع المحامي الإخواني حسن العشماوي، ليلة كاملة في مكتب الأخير بالكويت، لتجهيز "الرد الفقهي والشرعي بالأسانيد على يوسف ندا، والتأكيد على أن الافتراء والفبركة لا تجوز". أبو العلا طالب العوا بإعلان الحقيقة، "فهز الرجل أكتافه قائلاً: "وأنا مالي". انتهت رواية هيثم أبو زيد، ولا تنتهي ألغام روايات الإخوان. مع تنظيم يفجر في الخصومة، ويستحل الافتراء ويتسلح بالتقية، تصير الحياة حرباً مفتوحة مع أعداء يجب خداعهم. تبدأ الحرب بمصادرة رواية، وتنتهي بمصادرة الأرواح. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard