زينب الغزالي... عندما أراد الإخوان صناعة "رابعة العدوية" الجديدة

الثلاثاء 15 يونيو 202102:28 م


في أربعينيات القرن الماضي، أمسكت الحاجة زينب الغزالي، ورقة صغيرة، تُقرّ فيها بتسليم روحها وكلّ ما يعزّ عليها لمؤسس جماعة الإخوان المسلمين، حسن البنا، وكتبت: "سيدي الإمام، المرشد العام للإخوان المسلمين... زينب الغزالي الجبيلي: اليوم، ومن الساعة، هي جارية أنت تملك التصرف فيها، تملك أن تبيعها لحساب الدعوة، تملك أن تستثمرها بما تشاء لحساب الدعوة، هي أمة لا يستطيع أن يتصرف في هذه الأمة غيرك... أبايعكم على ذلك".

عاد الردّ من البنا، بتحديد لقاء يجمعهما في دار الشبان المسلمين، وفيه جددت دعوتها وجهاً لوجه: "اللهم إني أبايعك على العمل لقيام دولة الإسلام، وأرخص ما أقدم في سبيلها دمي"، فرد البنا: "وأنا قبلت البيعة"، وذلك وفقاً لما أوردته في مذكراتها "أيام من حياتي".

توفي البنا في فبراير عام 1949، ودخلت الجماعة في صراعات جديدة مع رجال ثورة يوليو في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، وبرز نجم زينب الغزالي، مما زاد من إثارة الجدل حولها، فبين من يراها أشهر امرأة في مجال الدعوة في القرن العشرين، وبين من يؤكد أن سيرتها حافلة بوابل من الأكاذيب!

الحاجة زينب... عرّابة الإخوان التي أحيت الجماعة

"لما كانت جماعة الإخوان معطلاً نشاطها بسبب قرار الحل الجاهلي لسنة 1954، كان ضرورياً أن يعود إحياء هذا النشاط، لكنه بالطبع سيكون سرياً".

بتلك الكلمات من مذكراتها "أيام من حياتي" عقدت زينب الغزالي ورفاقها، العزمَ على إحياء الجماعة مُجدداً، فجمعها لقاء في رحلة الحج عام 1957 بعبد الفتاح إسماعيل، الذي يوصف بأنه "دينامو تنظيم 1965"، وروت تفاصيل اللقاء بقولها: "بعد ركعتي الطواف، جلسنا خلف بئر زمزم بالقرب من مقام إبراهيم، وأخذنا نتحدث عن بطلان قرار حل جماعة الإخوان المسلمين ووجوب تنظيم صفوف الجماعة وإعادة نشاطها. واتفقنا على أن نتصل بعد العودة من الأرض المقدسة، بالإمام حسن الهضيبي، المرشد العام، لنستأذنه في العمل".

من هنا كانت زينب الغزالي هي شرارة تكوين تنظيم 1965، الذي وصفه محمد عبد العزيز الصروي، أحد المشاركين في التنظيم في كتابه "الإخوان المسلمون... تنظيم 1965 الزلزال والصحوة"، بأنه "أثر في تاريخ الإخوان، وتاريخ مصر، بل والأمة العربية كلها (...) وكان هذا التنظيم أول مسمار في نعش عبد الناصر".

تنظيم بهذه السرية كان بحاجة إلى أب روحي يعوض رحيل البنا، المؤسس الأول. ففي عام 1962 التقت زينب الغزالي ــ كما تقول في مذكراتها ـ بشقيقات الإمام الفقيه والمجاهد الكبير الشهيد سيد قطب، لمحاولة الاتصال به، وأخذ رأيه في فكرة التنظيم الجديد.

بعد فترة، عادت حَمِيدة، شقيقة سيد قطب، بمسودة كتاب "قالت: إن سيد يعده للطبع، واسمه (معالم في الطريق)، وكان سيد قد ألفه في السجن"، فكان هذا الكتاب بمثابة الدستور الذي سيسير عليه التنظيم فيما بعد.

يضيف علام في كتابه: "ادعت زينب أنها تعرضت لتعذيب كان يكفي لقتل مئة رجل وليس امرأة واحدة"

واحتاج التنظيم إلى سلاح، لينفذ المخطط بشكل وافٍ، وهنا يقول أحد المشتركين في التنظيم، علي عشماوي في كتابه "التاريخ السرّى للإخوان المسلمين: "أحضر لنا الأخ أحمد سلام بعض الأسلحة والقنابل اليدوية، واضطررنا لشراء بعض الكتب والمراجع الخاصة بصناعة المفرقعات حتى أنني لجأت إلى مكتبة السفارة الأمريكية للبحث عن هذه الكتب، ووجدت بعضها ونقلت منها بعض الموضوعات، واستعنّا أيضاً ببعض الكتب التي اشتريناها من الأسواق، وكان بحثنا كلّه يجري في اتجاه صناعة مادة TNT شديدة الانفجار".

لكن لم تجرِ الأمور بما تشتهي سفن عشماوي ورفاقه، إذ جلَبَ "تنظيم 65" محنة كبرى للجماعة، انتهت بإعدام سيد قطب، والقبض على المئات من المشاركين في التنظيم، من بينهم زينب الغزالي، وهي التجربة التي ألهمتها برواية ما جرى لها بين جدران السجن في كتابها الأشهر "أيام من حياتي".

أيام من حياتها... ذكريات المعتقل

"في فجر 20 أغسطس 1965، اقتحم رجال الطاغوت منزلي، ولما طلبت منهم إذناً بالتفتيش، قالوا: أي إذن يا مجانين؟ نحن في عهد عبد الناصر، نفعل ما نشاء معكم يا كلاب".

بهذه الكلمات سردت زينب الغزالي قصة اعتقالها منذ اللحظة الأولى، في مذكراتها "أيام من حياتي" المنشورة عام 1978، وبعدها ــ بحسب روايتها ــ تعرضت لأبشع أنواع التعذيب.

تقول زينب: "خرج بي الشيطان (تقصد أحد الجنود) وهو ممسك بذراعي، وسار معنا اثنان من الشياطين سود الوجوه ممسكان بالكرابيج. ساروا بي في أنحاء متعددة من السجن الحربي. ورأيت الإخوان المسلمين معلقين على الأعواد والسياط تلهب أجسادهم العارية، وبعضهم سلطت عليه الكلاب الضالة لتمزق جسده بعد السياط (...). ابتلعتني الحجرة فقلت: بسم الله، السلام عليكم، وأُغلِقَ الباب وأُضيئت الكهرباء قوية! إنها للتعذيب. الحجرة مليئة بالكلاب، لا أدري كم. أغمضت عينيّ ووضعت يدي على صدري من شدة الفزع، وسمعت باب الحجرة يُغلق بالسلاسل والأقفال وتعلقت الكلاب بكل جسمي، رأسي ويدي، صدري وظهري، كل موضع في جسمي أحسست أن أنياب الكلاب تغوص. فتحت عيني من شدة الفزع وبسرعة أغمضتهما لهول ما أرى، ووضعت يدي تحت إبطي وأخذت أتلو أسماء الله الحسنى (...). مرت ساعات ثم فُتح الباب وأخرجت من الحجرة. كنت أتصور أن ثيابي البيضاء مغموسة في الدماء، كذلك كنت أحس وأتصور أن الكلاب قد فعلت. لكن يا لدهشتي، الثياب كأن لم يكن بها شيء، كأن ناباً واحداً لم ينشب في جسد. سبحانك يا رب!"

روايات زينب الغزالي عن معاناتها داخل السجن، وصلت إلى حد التأكيد بأنها تعرضت لمحاولة اغتصاب على يد أحد الجنود، بقولها: "دخل صفوت (تقصد أحد الضباط) ومعه مارد أسود، أخذ يتحسس سوطه بيده اليسرى، ثم يضرب الأرض والحائط، وكأنه يستحث لهيبه، أو يستفز حميته. وقف صفوت وألقى أوامره وتعليماته إلى هذا المارد بأن يرتكب أبشع جريمة ممكن أن يقترفها بشر (...). انشغلت عن هذا السفه بالله سبحانه، وسألته متوسلة إليه: اللهم إني أمتك، وعلى عهدك ما استطعت. أدعوك بضعفي وقلة حيلتي وانكساري وهواني على الناس، أن تدفع عني شر الأشرار، وتحميني بقدرتك وتعينني على ظلمهم".

أمسكت الحاجة زينب الغزالي، ورقة صغيرة، تُقرّ فيها بتسليم روحها وكلّ ما يعزّ عليها لمؤسس جماعة الإخوان المسلمين

تروي الحاجة زينب أن عملية الاغتصاب لم تتم، بسبب مناجاتها، وليس هذا فقط، بل أعادت الجندي لدينِه ورشده، بقولها: "قال بصوت منخفض فيه شفافية: لا تخافي يا خالة... لن أؤذيك، ولوقطعوني". وتضيف: "هل تعرف الوضوء؟ فقال: طبعاً، أنا كنت مواظباً على الصلاة، لكن جيش حليمة (تقصد العصر الناصري) لو رأوني أصلّي يسجنونني. فقلت له: صلِّ، ولو سجنوك، فالله معك"!

ذكريات مُفبركة... أين الحقيقة يا حاجة زينب؟!

لم تمرّ مذكرات زينب الغزالي مرور الكرام لدى مؤرخي تلك الحقبة، وخاصة أحد الضالعين في الجهاز الأمني، مثل اللواء فؤاد علام، وكيل جهاز مباحث أمن الدولة السابق، الذي خصص جزءاً من كتابه "الإخوان وأنا... من المنشية إلى المنصة" لتفنيد ما رآه "أكاذيب" ذكرتها الحاجة زينب، أو بحسب وصفه لها مستنكراً "رابعة العدوية"!

يقول علام: "التقيت بزينب الغزالي لأول مرة بعد نقلها إلى سجن النساء بالقناطر، وكنت مع اللواء أحمد رشدي نحقق مع بعض المعتقلات، وكان أحمد رشدي هو المسؤول الأول عن التحقيقات مع الإخوان سنة 1965 ممثلاً لجهاز مباحث أمن الدولة".

ويضيف علام في كتابه: "ادعت زينب أنها تعرضت لتعذيب كان يكفي لقتل مئة رجل وليس امرأة واحدة، وأن مأساتها بدأت في 20 أغسطس 1965، عندما كانت في السجن الحربي ورأت شاباً مصلوباً، فتهتفت أمام السجان: صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة!".

وينفي علام قصة محاولة اغتصابها بالجملة، بقوله: "أما ما ذكرته بخصوص فعل الفحشاء بها في السجن، فيحتاج إلى خيال مؤلف من طراز نادر".

لم تتوقف تفنيدات ما أوردته زينب الغزالي عند رجل أمن الدولة فؤاد علام فقط، بل أتى التفنيد مجدداً من داخل الجماعة ذاتها، وذلك عندما أورد القيادي الإخواني الحالي، عصام تليمة، في برنامجه "الجماعة"، في حلقة بعنوان "تاريخ الإخوان بعيداً عن مبالغات زينب الغزالي": "هتلاقي بعض المواقف ماتتخشش دماغك، زي مثلاً في كتاب الحاجة زينب الغزالي، كمية التعذيب اللي نالتها، تقول إزاي تتحمل؟َ!".

"جنازة عبد الناصر" تكشف عن المؤلف الحقيقي لكتاب الحاجة زنيب

عام 2014، ظهرت واقعة قلبت مذكرات زينب الغزالي رأساً على عقب، حين سرد الدكتور محمد السعيد إدريس شهادة لأحد القيادات الإخوانية السابقة، وهو أبو العلا ماضي، رئيس حزب الوسط، المنشق عن الجماعة.

روى السعيد إدريس في مقاله بجريدة الأهرام "الكذب والسياسة... الإخوان نموذجاً" أن "أبو العلا ماضي كتب مقالاً عنوانه (بيننا وبينكم الجنائز). ما قصده المهندس أبو العلا بهذا العنوان الغريب والمثير هو مقولة: مؤكدة وردت على لسان الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه في منازلته الفكرية مع خصومه، عندما أراد أن يحسم أمر هذا الخلاف بالاستشهاد بمقولة أن جنازة المرء شاهد له أو شاهد عليه".

انفجر يوسف ندا ضاحكاً وقال: أنا مؤلف هذا الكتاب!

ويضيف السعيد إدريس: "استخدم المهندس أبو العلا هذا العنوان ليتحدث عن الزعيم جمال عبد الناصر الذي بدأ يراه، على عكس الإخوان، زعيماً وطنياً محترماً، وقال إذا أخذنا بمقولة الإمام أحمد بن حنبل أن جنازة المرء شاهد له أو عليه، فإن جنازة جمال عبد الناصر، التي لم ير التاريخ مثيلاً لها، تشهد للرجل، وأنها معيار مؤكد على مدى اقترابه من الله".

تلك المقالة الداعمة للرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر، كانت محور حديث حاد بين أبو العلا ماضي، وزعيم إخواني آخر، هو يوسف ندا، والذي يُعدّ أحد أكبر قادة وممولي الإخوان، ومفوض العلاقات الدولية للجماعة، وحاصل على الجنسية الإيطالية، ومؤسس بنك التقوى، وأحد المتهمين في قضية محاولة اغتيال الزعيم جمال عبد الناصر عام 1954، والهارب خارج مصر لسنوات طويلة.

ما جرى في النقاش الحاد، يرويه السعيد إدريس، وفقاً لما نقله له أبو العلا ماضي نفسه، بقوله: "وجه يوسف ندا عتاباً شديداً لشخص أبو العلا لدفاعه عن جمال عبد الناصر في هذه المقالة، لكن أبو العلا رد عليه قائلاً: أرجوك أن ترد عليّ، هل مقولة الإمام أحمد بن حنبل صحيحة أم لا؟ فأجابه: صحيحة. فكان رد أبو العلا: ولماذا ننكر الأمر على جمال عبد الناصر؟ جنازة الرجل كانت أعظم جنازة في التاريخ، وهذه الجنازة وفقاً لمعيار الإمام أحمد بن حنبل خير شاهد للرجل عند الله سبحانه وتعالى!"

ويستطرد السعيد إدريس في مقاله عن شهادة أبو العلا ماضي: "غضب يوسف ندا من قوة حجة أبو العلا، لكنه عاب على أبو العلا دفاعه عن عبد الناصر الذي يراه مسئولاً عن تعذيب الإسلاميين في سجونه، لكن أبو العلا فاجأه بالسؤال: "بالنسبة لروايات تعذيب الإخوان، هل تستطيع أن تقول إنها كانت صادقة وبأي نسبة؟ ويا ريت تخصص الحديث عن روايات التعذيب الواردة في كتاب (أيام من حياتي) الصادر باسم السيدة زينب الغزالي... هنا بالتحديد كانت القنبلة، إذ انفجر يوسف ندا ضاحكاً وقال: أنا مؤلف هذا الكتاب!".

يقول إدريس، إن صدمة أبو العلا "كانت هائلة، حسب ما روي لي، ورد عليه: كيف تؤلّف، وأنت مقيم في سويسرا، كتاباً يحتوي كل هذه التلفيقات عن الرجل وأنت بعيد عن تفاصيل أحداث عام 1965 التي تحدث عنها كتاب زينب الغزالي؟ أليس هذا محرماً دينياً؟! وجاءت الصدمة الثانية عندما رد يوسف ندا: اللي تغلب به العب به!"

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard