الولاء الخفيّ للتسعينيات وشبحها... مسلسل "ريفو" مثالاً

الأربعاء 3 أغسطس 202202:35 م

منذ ثلاث سنوات أو أكثر، اتجهت كل قنوات التلفزيون الفضائية التي تستهدف المشاهد المصري نحو بث مسلسلات تدور أحداثها في فترة ستينيات القرن الماضي، وأحياناً ما قبلها، صانعةً غلافاً سكّرياً من الحنين إلى فترة يظن المتفرج أنها كانت أفضل اقتصادياً واجتماعياً، فأصبح المشاهدون في حالة من الخدر الجماعي أمام زمن لم يعيشوا فيه، لكن في دواخلهم إيماناً قوياً بأن هذه الفترات كانت أفضل على كل الأصعدة، ما يخلق حالةً من الحنين إلى هذه الحقبة التاريخية بعلاقاتها وأزيائها وشوارعها.

وفي نهاية العام 2021، أنتجت منصة شاهد، مسلسل "بيمبو"، الذي تدور أحداثه في الوقت الحاضر، إلا أن اسمه، والموسيقى التصويرية، وأزياءه، كان يظهر فيها شبح التسعينيات بشكل واضح. وبالرغم من تخلخل بنائه، وافتقاره إلى الحبكة الدرامية التي جعلت من كل مشهد "سكتش" منفصلاً بذاته، واعتماده بشكل أساسي على الإنفلونسرز الذين تم الزج بهم في المسلسل من خارج السياق، فقط لجمع المشاهدات، إلا أنه حقق نجاحاً بين الأجيال الأصغر سناً، وغالباً كان السر وراء ذلك حالة "فيلتر" التسعينيات، التي عادت موسيقاها، وأزياؤها، ورياضتها للرواج بين الشباب والمراهقين اليوم.

في أول مشاهدة للعمل، تراءى لي أن العمل يستهدف مشاهدين من مواليد حقبة الألفية الجديدة، الذي يريدون التعرف على آبائهم في مرحلة شبابهم، إلا أن "ريفو"، في الحقيقة، نجح بين مجموعة أخرى من المشاهدين، هم الجيل نفسه الذي قضى فترة شبابه في التسعينيات

مساحة للتعارف

في وقتنا الحالي، والذي يعتمد بشكل أساسي على مواقع التواصل الإلكتروني، ويعتمد فيه المراهقون والشباب وحتى الأكبر سناً على حصد أكبر عدد من "اللايكات" و"الشير" للشعور بالإطراء والتعاطف، تنتشر في "الرييلز" ومقاطع التيكتوك ألوان التسعينيات وموضتها بقوة، والتي وجد فيها شباب اليوم مساحةً للتعارف على فترة شباب آبائهم. وبالكثير من الألوان والمرح، والموسيقى الشبابية، روِّج لهذه الفترة بين المشاهدين الأصغر سناً، ما أكد لمنصات الإنتاج أن خروج أي عمل عن إطار هذه الفترة سيضمن أرباحاً مؤكدةً.

خلال الشهر الماضي، أنتجت منصة "ووتش إت"، أول مسلسلاتها المصرية "ريفو" (2022)، الذي يحكي عن فرقة في التسعينيات ظهرت وخبا نجمها سريعاً، وتتقفى أثرها ابنة مخرج توفي وهو في طور كتابة عمل سينمائي عنها.

في أول مشاهدة للعمل، تراءى لي أن العمل يستهدف مشاهدين من مواليد حقبة الألفية الجديدة، الذي يريدون التعرف على آبائهم في مرحلة شبابهم، إلا أن "ريفو"، في الحقيقة، نجح بين مجموعة أخرى من المشاهدين، هم الجيل نفسه الذي قضى فترة شبابه في التسعينيات.
بالرغم من أن شخصيات العمل ليست الشخصيات "العادية" التي عاصرت التسعينيات، إلا أن معظم من قضوا شبابهم ومراهقتهم في ذاك العقد الزمني، وجدوا أنفسهم على اتصال وثيق بأحداث المسلسل، فتشكلت غالبية معجبيه من مواليد السبعينيات والثمانينيات.

بالنظر على فترة التسعينيات في مصر، فهي فترة الالتفاف حول الذات، إذ لا متنفس للتعبير عن الرأي، ولا أحداث جماعية سوى دخول مصر إلى كأس العالم في مطلع التسعينيات وزلزال الـ92.

الوعي الجمعي لمواليد السبعينيات والثمانينيات في مصر

إن كنت من مواليد النصف الثاني من السبعينيات ومن جيل الثمانينيات في مصر، فأنت غالباً إما وُلدت بعد كل المآسي والانتصارات الكبرى، أو وُلدت ولم يتشكل وعيك الأكبر وقتها، فلم تحضر النكسة، ولا التهجير، ولا حرب الاستنزاف، ولا حرب تشرين الأول/ أكتوبر، ولا إعادة فتح قناة السويس، وربما وُلدت عام "ثورة الجياع" ومعاهدة كامب ديفيد، ثم تلى ذلك استقرار تولد عنه ملل رتيب كانت أكبر الانتصارات فيه مشروع توشكى. ثم جاءت فترة شبابك أو مراهقتك في تلك المرحلة الرتيبة، مرحلة التسعينيات.

بالنظر على فترة التسعينيات في مصر، فهي فترة الالتفاف حول الذات، إذ لا متنفس للتعبير عن الرأي، ولا أحداث جماعية سوى دخول مصر إلى كأس العالم في مطلع التسعينيات وزلزال الـ92. ثم جاءت بعدها فترة من السكون، تعارف البعض خلالها في النوادي الاجتماعية، ونوادي الفيديو، وعند أكشاك الكاسيت، والتدريبات الجماعية للعبة "الباتيناج". وإن كنت من الأسر التي التزمت دينياً وقتها، فأنت غالباً لم تشارك حتى في ذلك. وتلك فترة، بالرغم من أن ألوانها جذابة، إلا أنها فترة هادئة، أكثر ما يميزها الأفلام والمسلسلات التي غالباً ما تدور حول أحداث يومية، من دون أحداث مؤثرة جماعية.
مواليد السبعينيات والثمانينيات في مصر لم يحالفهم الحظ في حضور نصر كبير. فبعد انعقاد فترة التسعينيات، بدأت الانتفاضة الفلسطينية الثانية التي انتهت بقمة شرم الشيخ 2005، ثم الثورة التي تركت جرحاً غائراً عند غالبية جيلها.
وبالرغم من اعتقادي الأولي بأن مسلسل "ريفو" يستهدف بألوانه البراقة جيل الألفية، وجدت حفاوةً كبيرةً به بين جيل أواخر السبعينيات والثمانينيات، فبدا هذا الجيل مسروراً بأن أحداً تناول فترة شبابه ومراهقته وليس فقط على النحو "العادي" بل بالتركيز على حلم كبير بفرقة موسيقية واعدة، انتهى بموت المغنّي الأساسي فيها. حلم وصفه كثيرون من هذا الجيل بأنه كان حلماً مشتركاً، بين فرق موسيقية وفرق تمثيلية وخلافها، وكلها أو معظمها وُئد في المهد، أو ربما تشابه مع السمة العامة لهذا الجيل: أحلام مبتورة.

في إحدى اللقاءات التلفزيونية، يقول المؤلف محمد ناير، إنه كتب "ريفو" لأنه يمثل الجيل الذي ينتمي إليه الجميع في كل البيوت الآن، ولأنها الفترة التي يحن إليها الجميع، وإن فكرة العمل نفسها تعود إلى أكثر من اثني عشر عاماً. ولكن السؤال: هل يمكن لزمن بعينه أن يعبر على فترات اضطراب ما بعد الصدمة لجيل كامل؟

اضطراب ما بعد الصدمة

في إحدى اللقاءات التلفزيونية، يقول المؤلف محمد ناير، إنه كتب "ريفو" لأنه يمثل الجيل الذي ينتمي إليه الجميع في كل البيوت الآن، ولأنها الفترة التي يحن إليها الجميع، وإن فكرة العمل نفسها تعود إلى أكثر من اثني عشر عاماً. ولكن السؤال: هل يمكن لزمن بعينه أن يعبر على فترات اضطراب ما بعد الصدمة لجيل كامل؟
هناك تفسيرات سيكولوجية للتراوما بأنها ليست فقط الأحداث الحزينة أو العنيفة التي مر بها المرء، بل أحياناً هي الأحداث السعيدة التي كان متوقعاً حدوثها ولم تحدث، وبالنظر إلى الأحداث التاريخية التي عاصرها هذا الجيل، والأحداث التي سبقته، سنجد أن فترة التسعينيات غالباً هي فترة انطوى فيها الجميع على أنفسهم في اتجاهات عدة أبرزها الفني والرياضي والاجتماعي. ربما عبّر هذا الانزواء عن اضطراب ما بعد الصدمة المجتمعية ويلي فترات مشحونةً في تاريخ البلد، وسبق فترات مشحونةً أخرى. هل تحنّ كل الأجيال المعاصرة لهذه الفترة إلى ألوانها البراقة فحسب، أم إلى تمثيلها فترة الالتفاف حول الذات وإلى محاولات شخصية؟

بالرغم من افتقار المسلسل للكتابة القوية، ومشكلات فنية عدة أخرى، إلا أنه لاقى نجاحاً لا بأس به كان سببه الأساسي نوستالجيا وهوس التسعينيات، بين أجيال عاصرت هذا الزمن الذي بدأت فيه العولمة والانفتاح على أنواع فنون مختلفة مما عبّر عن شكل من أشكال الاختلاف، وبين أنه كان فاصلاً قبل خروج هذه الأجيال إلى المسؤوليات الشخصية أو حتى الجماعية ناحية البلاد.

بالرغم من افتقار المسلسل للكتابة القوية، ومشكلات فنية عدة أخرى، إلا أنه لاقى نجاحاً لا بأس به كان سببه الأساسي نوستالجيا وهوس التسعينيات

الولاء الخفي للآباء ولفترات حياتية بعينها

المسلسل يعرض قصة فرقة موسيقية انتهت قبل أن تبدأ، وأصدقاء تشتت جمعهم في بلدان شتى وتضاربت مصالحهم، من خلال فتاة تحاول أن تسير على خطى أبيها المؤلف المشهور وتكمل سيناريو الفيلم الذي بدأه ومات قبل أن ينهيه، كنوع من أنواع الولاء الخفي لأبيها الذي تماهت فيه كينونتها، ولم تدرك أنها لسنوات طويلة كانت تتصرف كامتداد له. وعلى النقيض منها أخوها شادي الذي يحاول أن يتخلص من شبح انتماء موهبته إلى أبيه -زوج والدته- الكاتب الشهير. بين من أدرك الشعور بالولاء الخفي للآباء، وبين من لم يدركه، تسير الشخصيتان الرئيسيتان في المسلسل بتخبط شديد.
لكن الولاء الخفي للآباء لم يكن هو الولاء الوحيد في المسلسل، بل الولاء لفترة التسعينيات التي جعلت من العمل تحيةً عاطفيةً لهذه الفترة أكثر منه عملاً ذا قصة متماسكة، وكذلك خرجت آراء معظم معجبيه بأنه حالة شجن وحنين إلى فترة افتقدوها، كما افتقدوا الالتفاف حول الذات والغوص فيها.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard