سرير أكثر اتساعاً من العالم

السبت 6 أغسطس 202212:47 م

سرير الورد


كنت طفلة إنطوائية، لا أجيد التفاعل مع الناس، إن وضعتني في مكان وتركتني ساعات ثم عدت ستجدني لا زلت جالسة في أدب. لم يشدني في طفولتي سوى الأقلام والورق على مكتب جدي. جلست لأرسم عصفورة أحبها في سماء أتمنى الطيران فيها.

زوّد ذلك خوف أسرتي علي، فأصبح خروجي بمقدار محسوب ونادر، كان عالمي محدوداً وبسيطاً أوله حواديت جدتي وآخره التلفاز.

أستيقظ مبكراً، أجلس جانب جدتي، وبينما تحضر هي الطعام وتقوم بمهام المنزل، أشاهد أنا الكارتون وأتخيل البشر في الخارج مثله. تخليت الدنيا أراضي خضراء واسعة، نيلاً طويلاً مياهه صافية رائقة، وحدائق من الورود تملأ كل ركن من أركان الكون.

بعدها أكتشفت القراءة في مجلة ميكي وفلاش وقصص سندريلا وعقلة الإصبع، ثم تطور الأمر معي إلى "رجل المستحيل" و"ما وراء الطبيعة" مع الكثير مسلسلات سبيس تون، فأصبح النوم في سريري الصغير ثروة بالنسبة لي، أعوض فيه كل خروج مُنعت منه.

يلا تنام يلا تنام وأهدي لك طير الحمام

لم أنم إلا على أغنية جدتي يلا تنام يلا تنام وأهدي لك طير الحمام. تخليت إنني بمجرد أن أغلق عينيِّ سأرى الحمام في حلمي، وألعب معه، سيطير فوق رأسي، ويحاوطني، سيخلق الله لي جناحين مثلهم في المنام، لأسابقهم، سأفوز حتماً، فالله، كما قالت جدتي، يسمعنا. كنت أطلب منه جناحين كل يوم، حتى أطير مثل العصافير واليمام وحمام جدتي.

عندما داعبت أصابعها خصلات شعري وظهري، شاهدت نفسي على سريري الصغير، لكنه يرتفع، حتى وصل إلى السماء، حاوطني الحمام من كل جانب، رفرف على شعري وقدمي وذراعي.

سيخلق الله لي جناحين مثلهم في المنام، لأسابقهم، سأفوز حتماً، فالله، كما قالت جدتي، يسمعنا. كنت أطلب منه جناحين كل يوم، حتى أطير مثل العصافير واليمام وحمام جدتي... مجاز

ابتسمت في سعادة، فظهرت حمامة كبيرة لونها لبني، عيونها فيروزية، وكل جناح فيها ملون بلون من الألوان الطيف، أخذتني خلف ظهرها، حملتني إلى عالم جميل، طافت بي السموات، لم تتركني إلا وقد لفت بي السماء كلها.

شاهدت السحاب، وألقيت تحيتي على الشمس، التي عرفتني على صديقها القمر، ولوحت للنجوم النائمة حتى يأتي المساء لتمارس عملها. رأيت العالم كله من أعلى، شعرت به يتحول إلى صفحة في كتاب، طويتها في قبضة يدي، هذا قبل أن أفتح عيني في الصباح. وقتها كان سريري بمثابة نافذة أتطلع منها على عالم أكثر رحابة من عالمي.

كوخ بعيد عن عيون الناس

عندما يضيق العالم في عيني كخرم إبرة، وتعجز الحلول أمامي، أجيد الهروب إلى عالم الأحلام، أدلف إلى السرير الذي يساعدني على التحليق.

إنه كوخ بعيد عن عيون الناس، أتعرى فيه، أنكشف على الحلم، أشاهد فيه أناساً  غير موجودين في الواقع، أشخاصاً مُحبين خيرين، جميلين ورقيقين، يعرفون أن يحبوا ويعطوا ويواسوا. شخصيات أفلاطونية تشبهني، تبحث عن عالم اليوتوبيا المسلوب من العالم، أعيش معهم. أنطلق من خلال السرير إلى الخيال المفقود في الدنيا.

رحم سري

تتكأ حياتي علي قلب مغتال، وأحاول إحياءه فاشلة، أشعر بأنني تلاشيت منذ زمن، كأنني وقعت في مثلث زمني جعلني أعانق الخفاء، غدوت كائناً ليس بحي، ولا أستطع تعرفا عليه، يبحث عن تنهيدة راحة، فلا يجدها، فأجهش بنوبة بكاء شديدة، استنكر سؤال: ما جدوي البكاء؟ ولمَ؟

هل على ماض سحقك أم حاضر يطحنك أم رعب من مستقبل مجهول يخيفني، كأنه سيف يبارزني يوميا وأنا عزلاء بلا أي أسلحة، تحتشد حولي، أصدقائي الأوفياء، أولهم دموعي التي افترشت لها خدي فراشاً دافئاً بعدما طردتهم عيناي القاسيتان، ثانيهم تجعيدة تلوح لي منذ زمن، تخبرني ببداية عهد جديد من الكهولة المبكرة، وثالثهم أشباحي العارية،  مثل شبح الغربة وشبح الفراق وشبح العدمية، يتراقصون أمامي، فتدور بي الأرض، أما روحي فتتوق إلى الحرية من سجن الجسد، فألوذ كل ليلة إلى سريري كرحم، أرقد كجنين، يحتضن كلي بعضي، يداي تلامس ركبتيِّ، أتقوقع تماماً، أتوحد مع نفسي، وأستعد للطيران.

بين الصحو والمنام

في لحظة بين الصحو والمنام، أشاهد مناماً عجيباً بشكل متكرر، تأتيني طفلة ترتدي فستاناً أبيض، مزركشاً بالورود الحمراء الصغيرة، على رأسها قبعة زرقاء تشبه قبعات هوانم جاردن سيتي، يتدلى شعرها البني الطويل من أسفل القبعة، تقترب مني، ثم تجلس على طرف السرير، أعتدل في جلستي، أدقق النظر في وجهها، أجدها عابسة وعيناها ممتلئتان بالدموع، لكنها تحبسها. أشعر بوخزات في قلبي.

كان سريري بمثابة نافذة أتطلع منها على عالم أكثر رحابة من عالمي... مجاز

أعطيها الدمى القديمة التي كنت ألعب بها، يزداد عبوسها. أحاول إضحاكها بتحريك لساني وعيني بحركات عبثية بهلوانية، تطلق دموعها. قلبي يؤلمني على صوت بكائها. لا أعلم ماذا أفعل لتهدأ. أحاول حملها، تركلني مقاومة. لا أستسلم، أقاوم ركلاتها وأحملها غصباً. يعلو صوت بكائها، أقرّبها من صدري، تضع رأسها علي وإصبعها في فمها، تفرك عينيها قليلاً، أهدهدها بخفة، تغمض عينيها وتستسلم للنوم.

السرير أكثر اتساعاً من العالم

يقول الأطباء النفسيون إن كل منا داخله طفل داخلي، مهما كبرنا وأصبحنا عجائز، يقبع هذا الطفل في أعمق نقطة في كياننا، يختبئ، وعندما تأتيه الفرصة المناسبة للظهور ينطلق ويتحرر، يأتي ذلك في صورة فرحة بوردة صغيرة، ضحكة من القلب على مزحة أطلقها صديق مقرب، أو حتى انفعال على شيء بسيط لكنه أثار توترنا، أو ركلة نضربها للأرض عندما تعاندنا الدنيا في أمر نتمنى تحقيقه.

عندما تظهر الطفلة في أحلامي أعرف أنني حزينة، غير راضية، أشعر بوحدة تعانقني حتى تبتلعني، في تلك اللحظة أدسّ نفسي في سريري، لأحتضن وجعي بيدي، ولا أنتظر أحداً.

أحياناً أنام بالكاد ساعتين متقطعتين بسبب الأرق، وأحياناً أخرى أنام عشرات الساعات، وفي الحالتين أكون متعبة نفسياً، ألجأ إلى النوم كمهرب من أزمة مرهقة، لا أجد لها حلولاً.

هنا يكون السرير أكثر اتساعاً من كل الغرف، البيوت، العالم، أنطلق منه إلى عوالم آخرى من الأحلام التي أعيش فيها، ولا أريد لخيالي أن ينتهي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard