تابوهات للعبور

الاثنين 1 أغسطس 202211:00 ص

أحد عشر عاماً مضى على التهجير السوري واللجوء في بلدان الجوار وبلدان العالم الأخرى، تشكلت خلالها عوالم جديدة لاتزال إلى اليوم تحاول تشكيل تعريف وهوية جديدة لمفهوم "البيت"، وهذه هي عوالم المخيمات في بلدان الجوار، مخيمات لبنان والأردن وتركيا والشمال السوري.

خيام فرضتها حالة استثنائية وكانت تلبية مستعجلة لظرف آني، لم يكن من المتوقع أن تصمد لعقد من الزمن، وتصبح مخيماً دائماً كبديل عن المدينة، وخيمة دائمة بديلاً عن البيت. خلال العقد الفائت، ولد في زواريب المخيمات جيل من الأطفال، لا يعرف معنى منزل العائلة أو الحارة أو الانتماء، ولد في مجتمع خلق فجأة دون تخطيط واضح، مجتمع لاتزال محاولات صنع هوية له محدودة حالياً، فعند تكوين هويته يرسخ ويصبح واقعاً ثابتاً وهذا ما يثير الذعر.

أثار فيلم "خيمة 56" الجدل بعد أن نُشر لأول مرة على الإنترنت ليتاح للجميع رؤيته، وبدأت حملة الاتهامات والرفض ضد الفيلم وصانعيه، الحملات التي لا تخفي فورة مجتمع ذكوري أثار الفيلم نفاقه

العديد من الإشكاليات تبرز في مكان استثنائي مثل هذا، وعلى مدار 11 عاماً، أصبحت الإشكاليات العامة واضحة ومعروفة، وظهرت الحاجة للحديث بشكل أكثر عمقاً بعيداً عن التعقيدات الأساسية لحياة المخيمات، بشكل أكثر خصوصية وهو الحديث عن الخصوصية بحد ذاتها في بيئة محاربة من كل الأطراف، بيئة لا تسمح بأن ينفرد شخص بنفسه، مكان خطر أنت مراقب فيه دائماً وأبداً، لا جدران تؤويك، تأوي بردك، جوعك، حزنك، أنت عارٍ ومكشوف ومنتهك دوماً، محروم من أدنى الحقوق، من الحصول على إقامة أو جنسية، من العمل أو السفر، من الأمل حتى.


من فيلم "خيمة 56"

أن تكون ذكراً أو أنثى، أن تعيش ضمن عائلة وأن تحاول تشكيل عائلة، كلها مواضيع إشكالية في مكان منتهك مفتوح ومهدد، هنالك حاجة اليوم للحديث وفتح مواضيع خاصة تعنى بالفرد بشكل خاص، بمعزل عن كونه عنصراً من المجموعة، مواضيع حميمة كالجنس، مواضيع جندرية كسيدة تصارع في بيئة خطرة تهدد فيها من كافة الجهات.

أثار فيلم "خيمة 56" الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي والوسائل الإعلامية، بعد أربع سنوات من إنتاجه وعرضه في مهرجانات، وفوزه بجائزة أفضل فيلم قصير في مهرجان الإسكندرية السينمائي. نُشر لأول مرة على الإنترنت ليتاح للجميع رؤيته، وتبدأ حملة الاتهامات والرفض ضد الفيلم وصانعيه، الحملات التي لا تخفي فورة مجتمع ذكوري أثار الفيلم تحفظه.

11 عاماً مضى على التهجير السوري واللجوء في بلدان الجوار وبلدان العالم الأخرى، تشكلت خلالها عوالم جديدة لاتزال إلى اليوم تحاول تشكيل تعريف وهوية جديدة لمفهوم "البيت"، وهذه هي عوالم المخيمات في بلدان الجوار، مخيمات لبنان والأردن وتركيا والشمال السوري

الفيلم السوري الذي طرح إشكالية الجنس في مخيمات اللجوء، حاول أن يفتح الباب أمام الحديث عن التابوهات الاجتماعية التي بقيت مهمشة حتى اليوم، بحجة الأولوية للظروف والقضايا الحساسة، ولكنه نفس الفيلم الذي فشل وكان طرحه طرحاً استغلالياً لقضية هامة جداً وسطحياً، ما سهّل جعله اليوم يتصدر الحديث والجدل، ويبتعد عن هدفه الأساسي الذي قال صانعوه إنهم يعملون عليه، وهو الخصوصية الجنسية وحق المرأة بأن تقرر أين وكيف ستمارس الجنس مع زوجها، وحقها بالحصول على بيئة آمنة غير مراقبة، وبسبب الطرح السطحي تحولت هذه الموضوعة الحساسة التي بحاجة لمعالجة عميقة، إلى اتهامات بالإباحية و تخلّي عوائل وعشائر عن أبنائها، واتهامات وصلت لتشبيه الفيلم بفيلم بورنو، ضمن مقالات صحفية نشرت في عدة صحف، بالإضافة لإثارته جعجعة ذكورية متوقعة.

تابوهات للعبور

يتحدث الفيلم خلال 19 دقيقة عن واقع أزواج في مخيم سوري للاجئين، عبر شخصية صبا (نوار يوسف) وزوجها أبو سعيد (علاء الزعبي)، الزوجان اللذان يواجهان عوائق أمام إقامتهم لعلاقة جنسية، منها حق صبا الطبيعي برفض إقامة العلاقة أمام الأطفال، وخوفها من التلصص عليهم، وهذا ما حدث بداية الفيلم، لنرى زوجها أبا سعيد غاضباً أغلب الوقت، وينهال بالشتائم عليها وعلى الأطفال. بمساعدة نساء المخيم، ومنهم أميرة صديقة صبا (صفاء سلطان). أميرة المرأة التي تعشق زوجها ولا تتكتم مثل الأخريات عن المواضيع التي تمس التابوهات الاجتماعية، من الجنس إلى الدورة الشهرية، والتي تصرح برغباتها جهراً. تسعى الاثنتان للحصول على موافقة شاويش المخيم، لبناء خيمة جديدة، وهي الخيمة 56، تكون مخصصة للأزواج لقضاء يوم بعيداً عن أبنائهم، ويتاح لهم بعض الخصوصية لممارسة الجنس. تتم الموافقة على بنائها و تتقاسم السيدات مواعيد الخيمة، ولكن تسوء الظروف وتهب عاصفة في موعد المخصص لصبا وزوجها، وتهدم الخيمة، ويعاد إعمارها لتحرق من جديد ليلة ممارسة صبا وأبو سعيد الجنس فيها.

خيام فرضتها حالة استثنائية وكانت تلبية مستعجلة لظرف آني، لم يكن من المتوقع أن تصمد لعقد من الزمن، وتصبح مخيماً دائماً كبديل عن المدينة، وخيمة دائمة بديلاً عن البيت

لم تقدم الفكرة فنياً بشكل يلامس المشاهد أو ينقل له شعور القلق من التلصص، هذا الشعور المهيمن في الواقع، والذي استُبدل بمراهق اقتحم خصوصية الأزواج ضمن الفيلم، فهو يراقب الخيم ويراقب الحظيرة التي تستخدمها أميرة وزوجها كبديل عن الخيمة دون سبب واضح، بالرغم من أن الفكرة قائمة على أساس شديد الأهمية في مجتمعنا، وهو حق المرأة بالمطالبة بالخصوصية في الجنس، وحقها الطبيعي في المطالبة بالحصول على حميمية أكثر لا تسمح بيئة المخيم لها بالحصول عليها. وسط هذه الحبكة غير الواقعية نسبياً بسبب عدة إشكاليات، منها سياسات المخيمات التي تجاهلها القائمون على العمل. كانت الفكرة تقدم ضمن طابع كوميدي، وهذا الطابع و الاستهتار بالجانب المجتمعي والإنساني جعل منها وليمة سهلة للمهاجمة.

تحمل الحبكة العديد من الإشكاليات، إذ يبدو العمل قد أنجز "على غفلة"، فيظهر أن صبا وأبا سعيد  يستطيعان إرسال أبنائهم إلى خيمة أخرى، حيث يستطيعان الاستقلال والحصول على خصوصية في خيمتهم.

الاستغلال

يلعب الاستغلال دوراً أساسياً في توضيح لماذا فشل الفيلم، ويحمل عدة نواحي، فصانعو الفيلم قاموا باختيار المخيم كبيئة لأحداث الفيلم دون دراسة متعمقة في بنية هذا المخيم، فهو يشير بشكل واضح لمخيم الزعتري في الأردن (وقد يكون أي مخيم) وجردوا البيئة هذه من واقعها وماضيها ومستقبلها غير المعروف، ليقدموها بصورة هشة، مجردة، ترتكز فقط على المحور الذي قرروا تناوله، وقدموا الشخصيات كأنماط، حيث كانت اللهجة أقرب إلى لهجة أهل درعا، بحكم أن أغلب سكان الزعتري هم من درعا، إلا أنها كانت لهجة هجينة، وهذا ما صرّحت به كاتبة العمل سندس برهوم، بقولها إنها "لم تقصد درعا، وأن الممثلين هم من قاموا باختيار اللهجة"، وهذا ينتج عن عدم اكتراث أو وعي بثقل الموضوعة المختارة للفيلم، بالإضافة لفقدان الحساسية تجاه المخيمات وسكانها، ولم تقدم الشخصيات بخصوصيتها، فهي اكتفت بأن تكوّن أنماطاً قد تعمم في أي مخيم، وكأن الناس هم كتلة واحدة، لا يمكن التمييز فيما بينهم، وهمومهم واحدة أيضاً.

مخيّم الزعتري

فيلم "خيمة 56" فيلم سوري طرح إشكالية الجنس في مخيمات اللجوء، وحاول أن يفتح الباب أمام الحديث عن التابوهات الاجتماعية التي بقيت مهمشة حتى اليوم، بحجة الأولوية للظروف والقضايا الحساسة، ولكنه نفس الفيلم الذي فشل، وكان طرحه طرحاً استغلالياً لقضية هامة جداً وسطحياً، ما سهّل جعله اليوم يتصدر الحديث والجدل

وبالرغم من تنميط الناس و جعل اللهجة هجينة وخليطة، قام العمل بتقديم مشهد مع خلفية لأغنية "ريم الفلا" وهي أغنية من التراث الدرعاوي، مع كل هذه الإشارات الواضحة للمجتمع الذي يتحدث عنه الفيلم، قام الفيلم بحذف بنية هذا المجتمع وهمومه وعاداته، ليقدمه كنمط واحد لإنسان لاجئ، محدود بقضية واحدة وهي مقولة الفيلم: الجنس ضمن المخيمات، ما جعل القيمة الاجتماعية الهامة لهذه القضية تقف على أرضية هشة، وما سهّل تقويل الفيلم ما لا يقوله.

ولم يراعِ الفيلم القيام بدراسة بسيطة لسياسات المخيمات، فأي باحث عن خلفية الخيمات وكيفية الحياة فيها، يعلم أن في أغلبها يوجد قوانين تمنع "بناء، إصلاح أو ترميم خيمة"، أما في الفيلم نرى أن من السهولة الحصول على خيمة بعد اتفاق جمعي من سكان المخيم، وسهولة إقامتها، أما بالنسبة للخيام بشكل عام، فعُرضت وكأنها أنشئت البارحة، الكل يتكدس في غرفة واحدة، بالرغم من أن المخيم هو أقسى تجربة قد يعيشها إنسان، إلا أن المخيمات وقاطنيها يبذلون قصارى جهدهم لتقريب الخيمة لمنزل، فلا خيمة تخلو من غرف، حيث تم تقسيمها وترتيبها محاولة من سكانها لتقبلها أو جعلها تتقبلهم.

أما الناحية الثانية، وهي المرأة والجنس ضمن المخيمات، هي موضوعة قد تحمل، كما قيل، جانباً توعوياً هاماً، بالإضافة لكونها إشكالية إنسانية حساسة، ولم تتناول من قبل بشكل خاص، إلا أنها قدمت بشكل كوميدي بسيط، لم تتعمق لتصل جذر المشكلة، وهمّ قاطني وقاطنات المخيم، فهي لم تُربط بأي سياق، سواء سياسي أو اجتماعي، لم يتم توضيح العامل النفسي الحسّاس لسكان محجوزين ضمن خيم في برد الشتاء وحر الصيف، من سكان مراقبين في كل تفصيل من تفاصيل حياتهم، ولم يتعمّق بحثاً في هموم المرأة في المخيم، النساء اللواتي يعانين على مدى 11 عاماً، ما بين واقعهم و مستقبلهم المبهم، اللواتي يحاولن بكل السبل جعل هذا المخيم منزلاً لهم، يحاولن المحافظة على عائلاتهن، بالإضافة لتعرض العديد منهن لعنف قائم على النوع الاجتماعي، فهن من الحلقات الأضعف في بيئة اللجوء، انتهاكات متواصلة يعشنها يومياً، من اغتصاب زوجي إلى زواج قاصرات بالإكراه، وعدم القدرة على الاستقلالية وقلة فرص التعليم. هن الحلقة الأكثر تأثراً في بيئة اللجوء، والأكثر تضرراً، والإشكالية الأكبر أن القائمين على العمل اعتبروا الفيلم خلال تصريحاتهم "فيلماً يحمل قضية توعوية"، إلا أن طرحها بهذا الشكل الكوميدي المبسط، المليء بالثغرات الفنية، جعل الفيلم و مقولته أشبه بلوحة أو سكيتش من مسلسل "بقعة ضوء"، إلا أن المساحة في السينما أكبر لتعرض قضايا أهم وأكثر جرأة.

كيف نتحدث عن امرأة تعيش واقعاً مشوهاً، آنياً غير ثابت، مزعزعاً؟ قراءة في الجدل المثار حول فيلم خيمة 56

لم تقدم هموم وتحديات المرأة إلا بشكل عرضي، ضمن حوار جانبي بين بطلتي العمل، صبا وأميرة، عن جارتهم التي تضرب من قبل زوجها بسبب عدم قدرتها على الحمل والإنجاب. تحدثت كاتبة العمل عن عملها مع نساء في مخيمات لبنان، ولكن هذا غير ملموس ضمن ما قُدم في الفيلم، كيف نتحدث عن امرأة تعيش واقعاً مشوهاً، آنياً غير ثابت، مزعزعاً، واقع فكك حتى نظرتها لنفسها كامرأة ونظرتها للجنس والعلاقة مع زوجها. ما قدمه العمل مجرد صراع للحصول على خصوصية، دون الغوص في "هل العلاقة فقط هي ما تريده المرأة؟". لقد قدم الفيلم مشهداً لتزيين الخيمة 56 وجعلها أكثر حميمة، ولكن هذا غير كاف أبداً لاستغلاله لإشكالية حرجة جداً، وبحاجة دراسة قبل أن تقدم بشكل سطحي ومشوه لجمهور متعطش لأي موضوع يستفز ذكوريته.

كان من الممكن العمل على الموضوعة التوعوية الهامة بشكل أكثر حساسية ودقة، وهي حق المرأة بالمطالبة بحقوقها، وحقها في قول "لا" عندما لا تريد ممارسة العلاقة، وحقها في اختيار وتحديد شروطها لممارسة الجنس مع زوجها، كان يمكن استخدام هذه الموضوعات للوصول لوعي النساء فعلاً، ومس العقلية التملكية الذكورية بشكل يهدد وجودها ويجعلها تفكر قبل أن تثور ثورتها ضد الفيلم.

لطالما كان هاجس معرفة المرأة ومطالبتها بحقوقها يمس جذر الذكورية في المجتمع، والتطرق لمواضيع الجنس والعلاقة كذلك. الفيلم لم يفشل لأنه تكلم عن الجنس وعن المرأة أبداً، ولكن لأنه لم يعرف كيف يعالج هذه القضية بشكل يعطيها قيمتها الحقيقة، وبشكل نستطيع عدم توجيه تساؤلات أخلاقية حوله، تساؤلات مثل استغلال الفيلم لبيئة المخيم، ولهجة أهل منطقة، وتنميط الناس للتحدث عن موضوعة إشكالية، وان كان الفيلم هدفه توعوي لما كان يعرض لمدة أربع سنوات لجمهور ليس جمهوره.

ما يمكننا من القول إن الفيلم هدفه تقديم مادة قائمة على معاناة إنسانية، وصنع منها تريند عالمي بعيد عن الناس الذين يشكلون خام هذه المادة.

ومن مبدأ "التقية والتستر" ثارت ثورة الجمهور على وسائل التواصل الاجتماعي، لمحاسبة الفيلم والقائمين عليه، وإزالة هذا الفيلم الذي أهان نساء المخيم ونساء درعا حصراً، إذ لا تزال إلى اليوم إشكالية الجنس وكل ما يخص المرأة من التابوهات التي يحتم الواجب الذكوري الفورة تجاه من يمسها، بسبب توجيه النقد نحو الفيلم بهذا الاتجاه أو باتجاه معاكس، ركز على انتقاد هذه الذكورية "المعروفة مسبقاً" دون التطرق لفحوى الفيلم وإشكالياته، وهذا ما سهّل على العاملين بالعمل و المنتقدين ممارسة توجيه الاتهامات لبعضهم البعض، فيما يبقى المتضرر الأكبر والشريحة التي استغلت أكثر ضمن العمل وحملات النقد، وهي المرأة السورية في المخيمات، والتي قام الفيلم بطرق قضاياها بشكل مشوه، وقام بعض الذكوريين بالحديث بلسانها وهمومها، معززين حسهم التملكي للنساء.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard