لكلّ منّا طرقه الخاصة للهروب من الواقع... إليك ما أفعله

الجمعة 5 أغسطس 202210:54 ص
أن تفكّر بالماضي دون أن ترغب بالعودة إلى محطات عديدة منه أمر لا يمكن حدوثه غالباً، إلّا إذا كان حاضرك مثالياً لدرجة الاكتفاء. الماضي أكبر من معناه الحرفي المرتبط بالزمن، فالماضي يمكن أن يكون وطناً، أو حباً، أو تجارب متفاوتة بين النجاح والفشل. ويمكنه أن يتقمّص وجوهاً وأماكن ومشاعر. وجميع هذه الذكريات لا يمكن أن نطوي صفحاتها مع المساء بمجرّد أن يشرق صباح يوم جديد، كما يقولون. هناك ألم عايشه الإنسان منذ الأزل في قطع العلاقة مع الماضي وتخطّيه. ولم نجد إلى اليوم، بحسب معرفتي، حلاً للتخلّص منه دون خسائر في الحاضر.

أن تفكّر بالماضي دون أن ترغب بالعودة إلى محطات عديدة منه أمر لا يمكن حدوثه غالباً، إلّا إذا كان حاضرك مثالياً لدرجة الاكتفاء

بدأت بالتعامل مع فكرة الرحيل عن الأماكن منذ أن كنت في الثالثة عشرة من عمري، فقد كانت مدينتي حلب السورية هي الماضي الأوّل بالنسبة لي. ولأكون أكثر تحديداً، منزلنا القابع في حي السليمانية، بذكرياته والأحداث الأولى واللحظات الأخيرة فيه. وبقدر سهولة استرجاع أيّ من ذكريات الرحيل عن الأماكن أو الأشخاص بعد مرور أعوام طويلة عليها، لم يكن يوماً تقبّل هذا الرحيل كنهاية لا عودة منها بالأمر السهل، وإن كان ما ندر بالممكن. خلال سنوات الحرب في سوريا، ومراقبتي للكثيرين في تعاملهم مع ماضي البلد قبل الحرب، وجدت أن لكلّ منّا طرقه الخاصة للهروب من الواقع. فكما يتعامل العديدون مع حكاياتهم المؤلمة في الحاضر بالسخرية والتنكيت، يحاول آخرون إعادة صنع الماضي بالأدب أو بالفنون، أو بخلق عالم موازٍ متخيّل داخل رؤوسهم يكون للماضي فيه حضور، كما يحلو لهم أن يكون. وتلك الأخيرة كانت طريقتي المفضلة لتخطّي الصدمات على الدوام.
الخيال أداة للهروب من الواقع والتعبير عن الرفض، وكثيرة هي الأشياء التي كنت أرفضها. من بين الثلاث دول والأربع مدن التي سبق وغادرتها، دائماً ما كان في كلّ منها زوايا مكانية لا أرغب بتركها، وعلاقات عاطفية أتمنّى استمرارها.
منذ مغادرتي حلب، طوّرت سلوكاً علاجياً للفقدان دون وعيٍ مني، فبدأت أتخيل مشاهد من الماضي بتفاصيل مختلفة، أو أصوّر مشاهد لعودتي إلى منزلي ومدرستي وأصدقائي لتهدئة شعور الغربة واليأس بداخلي. مع استمرار تدنّي الأوضاع، باتت جميع تلك التصوّرات غير ممكنة التحقّق. حينها، أصبحت لعبة الخيال أكثر تحرّراً من حدود الممكن، فإن كانت لقاءاتي لن تتحقّق على أيّ حال، لمَ لا أجمّلها وأصيغها ببراعةٍ ونظرةٍ خاصة؟

منذ مغادرتي حلب، طوّرت سلوكاً علاجياً للفقدان دون وعيٍ مني، فبدأت أتخيل مشاهد من الماضي بتفاصيل مختلفة، أو أصوّر مشاهد لعودتي إلى منزلي ومدرستي وأصدقائي لتهدئة شعور الغربة واليأس بداخلي

بعد أن جمعت في ذاكرتي عدداً من الأماكن المفضّلة لي في مدن مختلفة، وعدداً من الأشخاص المقربين الذين تفرّقوا في أماكن بعيدة كحال جميع السوريين، أصبح الماضي مشتّتاً وغير مترابط بصورته الحقيقية. ولأنني أتميّز بمخيّلة واسعة لا تتفق مع الواقع، كنت أصوّر فيها لقاءات مع أصدقاء الماضي. مرّةً في مسكني الجديد، ومرّةً في مسكنهم مصطحبة أصدقائي المقربين الجدد، ليغدو أصدقاء طفولتي وأصدقاء غربتي شلّة واحدة جمعتهم ظروف غير منطقية في مكان خارج حدود هذا العالم. 
أستكمل في أحلامي القصص غير المنتهية بما يليق بها من نهايات شوّهتها الحرب، وأعيد خلق فرص لفتح أبواب قد أغلقت في الماضي. مخيلتي هي المكان الوحيد الذي يجمع الأماكن والأشخاص والمشاعر دون الحاجة لتأشيرة دخول. لا تحتاج لتدخل عالمي المتخيّل إلّا لعاطفة الحب ورغبة شديدة باللقاء. الخيال سلاح قوة لا يملكه الجميع، سلاح لمقاومة بؤس الحياة، من غربة وانفصال وموت. إن استطعنا أن نبقي حدّاً فاصلاً بينه وبين الواقع لعدم جعله هاجساً يلاحقنا، وحلاً وحيداً لما نواجهه من صعوبات في التأقلم مع الحاضر، إذ تنقلب حينئذ هذه القوة لتصبح نقمة على صاحبها.

إن الحيوات التي نعيشها داخل رؤوسنا وفي مخيلاتنا لا تقلّ أهمية عمّا نعيشه في واقعنا، بل قد تكون أكثر أهمية بالنسبة لنا، وتعبّر عما عشناه وما نملكه من أهداف.

إن الحيوات التي نعيشها داخل رؤوسنا وفي مخيلاتنا لا تقلّ أهمية عمّا نعيشه في واقعنا، بل قد تكون أكثر أهمية بالنسبة لنا، وتعبّر عما عشناه وما نملكه من أهداف. قد تكون أحلام اليقظة انعكاساً لأفكار ومشاعر كثيرة غير واعية تطفو بطرق مختلفة في واقعنا. ولا يمكن أن نعيش حياتنا بدونها، ولا أن نصلح أنفسنا ونكون أكثر إحاطةً بنواقصنا لولاها. في حديث سابق عن أحلام اليقظة مع إحدى أهم الشخصيات في حياتي، التي غالباً ما أصابت في حديثها ونصائحها لي، عبّرت عن الأحلام بأنها يمكن أن تكون خريطة تحدّد ما أرغب وما لا أرغب به، ودليلاً على شكل علاقاتي وحياتي كما أحب أن تبدو عليه. ونصحتني قائلة: "دوّني ما تتخيلينه بدّقة وأوجدي خطوات واضحة للوصول إليه". لكنها في هذه المرة أخطأت، إذ تجاهلت حقيقة مهمة لا يمكن العبور من فوقها للوصول إلى تحقيق أحلام كهذه. تجاهلت أني فتاة سورية، ولا يمكن لأحلام السوريين المرتبطة بالماضي مهما بدت بسيطة أن تتحقّق.
مخيلتي هي المكان الوحيد الذي يجمع الأماكن والأشخاص والمشاعر دون الحاجة لتأشيرة دخول
كنت أجري قبل أسابيع مكالمة فيديو مع أحد أصدقائي المقيمين في بلد بعيد. وحين سألني في لحظة عاطفية عمّا أتمناه، أغمضت عينيّ لا إرادياً نحو دقيقة واحدة. سرح فيها خيالي في مشهد يجمع الكثير من التفاصيل التي لم أكن قادرة على وصفها بالكلمات. لكني كنت قادرة على الإحساس بها في كل خلايا جسدي. كلما تكرّرت لحظات كتلك، ازددت إدراكاً لقدرتنا على الشعور بالأشياء اللاواقعية واللامادّية، وازددت فهماً لجميع أشكال الإيمان، لأن صنع عوالم موازية وكيانات إلهيّة هو عمل يبدأ في مخيّلة الإنسان أوّلاً، وينتهي بجعله إما عبداً لها أو حرّاً بوعيه بها وبقدرته على إعادة تشكيلها بما يُخفّف وطأة الألم ويؤنس وحدة الواقع.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard