الأنف... البوصلة التي أضعناها في فوضى المرئي والمسموع

الجمعة 5 أغسطس 202211:00 ص

هل فقد الأنف حظوته لدى الكائن البشري عندما انتصب واقفاً، فتراجع نصيبه من الاهتمام مقابل الحواس الأخرى، حتى أنّنا نتكلّم عن الرائحة متناسين بأنّه لولا الأنف لكانت ثقافة الرائحة والعطور لا وجود لها؟ لقد ازدرى أفلاطون العطور ولم يذكر الأنف في هجائه، بينما أشاد بتفوّق البصر والسمع على الحواس الأخرى في مسيرة الإنسان التطورية، فهي الحواس الفاضلة وغيرها أقرب للحيوانية.

كان الإغريق يزدرون العمل وبالتالي اليد وحاسة اللمس، ومع أنّ الإنسان في لحظة احتضاره الأخيرة يزفر آخر أنفاسه، إلّا أنّ الإغريق كانوا يقولون: أطلق نظرته الأخيرة، كما يذكر ريجيس دوبريه في كتابه "حياة الصورة وموتها". وعلى الرغم من هذا التجاهل للأنف كدلالة على الحياة عند الإغريق، إلّا أنّهم أورثونا أسطورة أنوفهم، وعلى ما يبدو فقد أجروا عمليات تجميلية فنيّة على منحوتاتهم، حتى أصبحنا نتكلّم عن الأنف الإغريقي المستقيم مع أنّ الواقع لا يؤكّد انتشار هذا الأنف بينهم. هذه المفارقة الإغريقية تكشف لنا أهمية مضمرة للأنف، سواء أكانت جمالية أو ذات دلالات ثقافية اجتماعية أو مكاناً لتطبيق العقوبة الجزائية. 

إنّ نظرة عابرة على أكثر التماثيل القديمة تسمح لنا بملاحظة أنوفها المكسورة والمحطّمة، وليس السبب الرئيسي في ذلك عوامل الطبيعة، بل إنّ هناك أسباباً أخرى، منها التشويه المتعمّد. وقد جمعت في خزنة في متحف كوبنهاكن عشرات الأنوف المزيّفة التي أزيلت عن التماثيل من أجل أن تكون المنحوتات أكثر أصالة. كان للأنف نصيب الأسد من العقوبات الجسدية التي كانت تطبق في الأزمنة القديمة.

إنّ نظرة عابرة على أكثر التماثيل القديمة تسمح لنا بملاحظة أنوفها المكسورة والمحطّمة، وليس السبب الرئيسي في ذلك عوامل الطبيعة، بل إنّ هناك أسباباً أخرى، منها التشويه المتعمّد

تذكر لنا الإلياذة هذه العقوبة، حتى أنّ هرقل نال لقب قاطع الأنوف، لأنّه جدع أنوف من أخبروه بما لا يود سماعه. كانت عقوبة قطع الأنف تطبق على من يعترضون السفن وفق تشريع الفرعون حور محب. وفي الإمبراطورية البيزنطية جدع أنف الإمبراطور جوستنيان الثاني كيلا يعود إلى سدة الحكم، لأنّ الإمبراطور يجب أن يكون خاليّاً من أي تشوّه كوجه الله. وعلى الرغم من ذلك عاد واستلم الحكم، لكن بعد أن توسط وجهه أنف من ذهب.

كانت هذه العقوبة منتشرة في كل أنحاء العالم، فالقاعدة الشهيرة في التوراة؛ العين بالعين والسن بالسن ستقود إلى جدع أنف بأنف. كذلك لم يخلُ القرآن من النص على عقوبة تطال الأنف بالذات: "سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ"، والوسم الكي بالنار على الأنف، وقد استخدم القرآن كلمة الخرطوم وهو اسم أنف الفيل دلالة على التشهير الأقصى لمن ستناله العقوبة، حيث أنّ الأنف/ الخرطوم جاذب للنظر بشكل كبير. إنّ هذه العقوبات التي تطال أنف الإنسان الحقيقي ستجد طريقها إلى وجوه التماثيل المنحوتة، لأنّ التماثيل لم تكن قديماً مجرد نحت جمالي، بل كانت دلالة على سلطة ودين ومذهب وعقائد، وعندما تتبدل الدول تطبق العقوبات من السلطات الجديدة على ما كان يمثل السلطة القديمة مهما كان شكلها.

لأمر ما جدع قصير أنفه

هذا المثل يضرب بالمكر والحيلة، كان قصير تحت يد عمرو بن عدي، وهو ابن أخت جذيمة الأبرش الذي قتلته الزباء انتقاماً لمقتل أبيها على يده. قرّر عمرو الانتقام، فما كان من قصير إلّا أن طلب من الملك عمرو أن يجدع أنفه دلالة غضبه عليه، لكنّ الملك رفض، فقطع قصير أنفه، وذهب إلى الزباء مع دليل لا يقوض بأنّ الملك عمرو قد غضب عليه وأقصاه. صدّقت الزباء قصير، فالأنف المجدوع لا شك بعده وأسلمته أسرارها، وبعد أن استأمنته انتقم منها.

كان للأنف نصيب الأسد من العقوبات الجسدية التي كانت تطبق في الأزمنة القديمة. تذكر لنا الإلياذة هذه العقوبة، حتى أنّ هرقل نال لقب قاطع الأنوف، لأنّه جدع أنوف من أخبروه بما لا يود سماعه

لقد اختار قصير الأنف من بين جميع أعضائه، لربما لو سمل عيناً أو قطع أذناً لكان تحقق المطلوب، لكن قصير يعرف تماماً الدلالات العميقة المرتبطة بالأنف، والتي تجعل من الأنف رمزاً للعلو، وفي الوقت نفسه رمزاً للطاعة وأخيراً النفي من المجتمع البشري. اشترك الشعراء في إيراد صورة الأنف عند المدح، يقول البيت:

بِيضُ الوُجُوهِ، كَرِيمةٌ أَحْسابُهُم/ شُمُّ الأَنُوفِ من الطِّرازِ الأَوَّلِ

وعندما كان العرب يريدون وصف جمل طيع ولين وسهل القياد يقولون: جمل أنِف. هذا التناقض في المعنى بين الرفعة والانقياد يؤكّد خطورة الأنف، فقبيلة أنف الناقة كانت تستحي من لقبها. ذكر ابن عبد ربه في كتابه؛ العقد الفريد هذه القصة، فقال: "كان بنو حنظلة بن قريع بن عوف بن كعب يُقال لهم، أنف الناقة، وكانوا يسُبون بهذا الاسم في الجاهلية، والسبب  في ذلك، أنّ أباهم نحر جزوراً وقسم اللحم، فجاء ابنه حنظلة وقد فرغ اللحم و بقي الرأس، وكان صبياً، فجعل يجرّه من أنفه؛ فقيل له: ما هذا؟ فقال: أنف الناقة. فلقُبِ به"، وكانوا يغضبون من هذا اللقب، فلجأوا إلى الحطيئة ليمتدحهم حتى يتخلّصوا من هذا العيب:                                                                                    

قَوْمٌ هُمُ الأَنفُ، والأَذْنابُ غَيْرُهُمُ/ ومَنْ يُسَوِّي بأَنـْفِ الناقةِ الذَّنَبا؟

إنّ ازدواجية المعنى الذي يحمله الأنف يأتي من خطورة التعامل معه، فالجمل عندما لا يستجيب لصاحبه يشده من حلقة موضوعة في أنفه، فيخضع مباشرة. وفي الوقت نفسه نرى الأنفة والرفض عادة ما تكون برفع الذقن إلى الأعلى، فيأتي تعبير "شم الأنوف" مناسباً لهؤلاء الذين لا يروضون أو يقادون حيث أنوفهم عصية على الزمام.

كانت عقوبة قطع الأنف تطبق على من يعترضون السفن وفق تشريع الفرعون حور محب. وفي الإمبراطورية البيزنطية جدع أنف الإمبراطور جوستنيان الثاني كيلا يعود إلى سدة الحكم، لأنّ الإمبراطور يجب أن يكون خاليّاً من أي تشوّه كوجه الله

إنّ جدع الأنف يعني النفي، فمن طبقت عليه هذه العقوبة، لم يعد من أصحاب الأنوف الحرّة ولا من يرجى منهم الانقياد والطاعة، بالتالي يصبح خارج المجتمع الإنساني. ولن ينطبق عليه مقولة: مات حتف أنفه؛ والتي كانت تعني بأنّ الروح تخرج من حيث مقتلها، فإن أصيب في عنقه أو ظهره خرجت من مكان الإصابة، وإن مات الإنسان ميتة طبيعية خرجت روحه من أنفه، فهذه العقوبة تقصيه حتى عن الموت بشكل طبيعي.

الأكاذيب التي أنفها طويل

إنّ ما قدمناه أعلاه يكشف لنا المعاني المضمرة للأنف بحيث لا تتكشف الدلالات الحقيقية لبعض القصص التي كان موضوعها الحكائي عن الأنف. تعتبر مغامرات بينوكيو من أشهر ما كتبه الأديب الإيطالي كارلو كلودي، وفيها ينسج قصة على منوال قصة آدم. لقد ولد بينوكيو بلا أب وأم، إلا أنه مصنوع من خشب على يد النجار جيبيتو، وليس من طين. يتمرد بينوكيو على خالقه النجار الذي كان له بمثابة الأب، ومن ثمّ يخوض مغامرات كثيرة، تقف بجانبه جنية تكافئه أخيراً بأن تحوّله إلى إنسان بعد أن تتحقق من طيبة قلبه.

يتميز بينوكيو بأنه يملك أنفاً يطول عندما يكذب، وقد اكتشف بينوكيو هذه الحقيقة عندما رأى الجنية تضحك من كذباته، فسألها بينوكيو كيف علمت بأنه كاذب، فأخبرته أن السبب هو أنفه الذي ما فتئ يزداد طولاً. ومن ثم  أعلمته بوجود نوعين من الكذب: الكذب الذي حبله قصير، والكذب الذي أنفه طويل وأن كذبه من النوع الأخير. ربما يعود الشكل الخاص الذي يتجلى به كذب بينوكيو إلى أنّه في الأصل شجرة، ومن المعلوم لدى المشتغلين في الزراعة بأنّ تقليم الشجرة يزيد من إثمارها، ولا تصبح كشجرة التين التي لعنها المسيح لأنّه لم يجد فيها ثماراً بل أغصان خضراء متطاولة. تحوّل بينوكيو إلى إنسان بسبب صلاحه الذي ظهر من خلال أنفه، لكنّه لو كذب ثانية، فلن يطول أنفه هذه المرة بل سيكون حبل المشنقة القصير بانتظاره.  

لم يغب عن الروائي الروسي غوغول أن يستخدم الأنف في أحد قصصه مضمناً إياها الكثير من الرموز. يستيقظ الضابط كوفاليوف ليجد وجهه من دون أنف، فتبدأ مطاردة الضابط لأنفه لإعادته إلى وجهه. يهتم الضابط كثيراً بمنظره وخاصة بعد أن سنّ بطرس الأكبر قانوناً بمنح رتب اجتماعية تورث للعائلة جراء الخدمة في الدولة، وهذا ما سمح للكثيرين ممن لا يستحقون هذه الرتب أن ينالوها بسبب الفساد والرشاوي.

 "الملاحة في الأنف" مقولة عربية، ترى بأنّ جمال الوجه هو الأنف

يعيش أنف كوفاليوف حياته الخاصة حتى أنه يصبح مستشاراً في الحكومة بموجب قانون بطرس. قبل أن يعرف الضابط  كوفاليوف بفقدان أنفه، كان حلاقه يهم بتناول رغيف الخبز الذي أعدته له زوجته، لكنه يجد فيه أنف كوفاليوف. تطلب الزوجة منه أن يتخلص من هذا الأنف عبر رميه في النهر، وكأنّها بذلك ترفض مرسوم بطرس الأكبر الذي جعل من لا يستحق ينال الرتب الاجتماعية المميزة. يحاول الحلاق أن يرمي الأنف في النهر، إلا أن أحد رجال الشرطة يمنعه من ذلك. تنتهي القصة بعودة الأنف إلى كوفاليوف، ويحلق له صديقه الحلاق لحيته. لاريب أن غوغول ينتقد العادات الجديدة في المجتمع، والتي تعتمد على المظهر وتغفل المضمون. إن عودة الأنف إلى وجه كوفاليوف هو إعادة تقييم لحاسة الشم التي أغفلت لصالح حاستي البصر والسمع.

الملاحة في الأنف

هذه مقولة عربية، ترى بأنّ بيضة القبان في جمال الوجه هو الأنف، حيث نجد لها الآن تطبيقا كبيراً في عمليات التجميل. لكن مع هذا الاهتمام الكبير بالأنف جماليّاً في عصرنا، إلّا أنّه لم يعد للأنف دلالاته السابقة ويكاد أن ينحصر معنى الأنف في أنف المهرج الأحمر أو الأنف المكسور للملاكم. تقوم رياضة اليوغا على التنفس تارة من الفتحة اليمنى لتفعيل فصّ الدماغ الأيسر، وتارة أخرى من الفتحة اليسرى لتنشيط فصّ الدماغ الأيمن، لكن بعد أن يتقن تلميذ اليوغا فنّ التنفس يهمل الأنف، كما يحدث في الواقع، حيث لا نهتم للأنف إلا عندما نصاب بالزكام. هكذا تم استبعاد الأنف من النيرفانا.

هل علينا أن نرثي الأنف الذي قاد الإنسان من الكهف إلى حضارته، وذلك عندما كانت الرائحة حداً فاصلاً بين الموت والحياة، أم نمدح زمن الميتافيرس القادم الذي سيظل صناعيّاً مهما رأينا وسمعنا داخله، ما لم تنقذه الحواس الدنيا من ذوق ولمس بقيادة ملّاح سفينة الواقع، الأنف الأشم. مهما يكن من أمر الأنف في حضارتنا، سيظل الجبل الذي ارتفع فوق ماء الوجه، كما في أسطورة الخلق حيث ظهر الجبل من ماء العماء البدئي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard