أنا ممن يطلقون عليهم لقب "أبو البنات"، وقلقي يزداد عليهن كل ساعة

الأربعاء 3 أغسطس 202202:11 م
"مصر هي المكان الوحيد في العالم الذي كلما رجعت فيه إلى الماضي، تكتشف أنه كان أكثر تطوراً من الحاضر". عبارة سمعتها من مدرّس تاريخ، وأجد فيها اليوم تفسيراً للكثير من الألغاز التي تحيط بنا من كل جانب.
لا يمضي يوم دون أن نستيقظ على صدمة بسبب مسلسل العنف ضد النساء الذي فاق كل الحدود حتى وصل الحال إلى قيام فتى في الثالثة عشرة من العمر باغتصاب طفلة لم تتجاوز الخامسة من عمرها داخل الملاهي في الصعيد.
لم تعد الصغيرات كما الكبيرات في مأمن، سواء في المدارس أو الحضانات أو الشوارع. الرعب يقتل كل أم وأب في اليوم ألف مرة عندما تضطر ابنته سواء كانت شابة أو طفلة لمغادرة المنزل لأي سبب في مغامرة غير مأمونة العواقب.
أنا واحد ممن يطلقون عليهم هنا لقب "أبو البنات". لدي ثلاث صغيرات، لجين وإلين وتيا. قلقي يزداد عليهن كل ساعة مثل مئات الآباء والأمهات في ظل مجتمع ذكوري تزداد فيه الانتهاكات ضد المرأة بشعارات عن التمكين والمساواة لم تزل تفصلها هوة كبيرة عن الواقع.

لم تعد الصغيرات كما الكبيرات في مأمن، سواء في المدارس أو الحضانات أو الشوارع. الرعب يقتل كل أم وأب في اليوم ألف مرة عندما تضطر ابنته سواء كانت شابة أو طفلة لمغادرة المنزل لأي سبب في مغامرة غير مأمونة العواقب

محاولة تجميل فاشلة

يتبع المجتمع الذكوري طريقة حل مشاكل المرأة على طريقة "اضحك تطلع الصورة حلوة" حتى نبدو أمام العالم كمجتمع يعترف بحقوق النساء. ولكن، إسناد بعض المناصب هنا أو هناك لسيدات، ليس سوى محاولة تجميل فاشلة لواقع مرير.
من قال إن إخفاء النار المشتعلة تحت الرماد يمكن أن يحل مشكلة؟ الانتهاكات تزداد ساعة بعد أخرى، ووصلت إلى مشهد جامعة المنصورة الذي أفزعنا جميعاً. قُتلت نيرة أشرف مرتين. الأولى عندما ذبحها القاتل بدم بارد، والثانية عندما شاركه مواطنون في الجريمة، وحاولوا أن يسوقوا مبررات واهية دفاعاً عن الجاني ونيلاً من الضحية.

من قال إن إخفاء النار المشتعلة تحت الرماد يمكن أن يحل مشكلة؟

في آب/أغسطس عام 2021، صدر تقرير عن مؤسسة "إدراك للتنمية والمساواة" كشف عن زيادة هائلة في معدلات العنف ضد النساء في مصر خلال الربع الثاني من العام الماضي، ورصد 191 جريمة تم اقترافها ضد النساء خلال ثلاثة أشهر فقط. وبحسب التقرير، فإن العنف ضد المرأة توزعت أشكاله بين التحرش والاغتصاب والقتل والشروع في القتل والضرب المبرح. وكان من هذه الجرائم 76 جريمة قتل لفتيات ونساء.
تصاعد وتيرة العنف ضد المرأة سببه أن لثقافة المجتمع الذكورية الكلمة العليا رغم عشرات الأفلام والمسلسلات ومئات الخطب والعبارات الدعائية التي يتم ترديدها. الحقيقة المرة هي أن المرأة ما زالت تعاني داخل جدران المنازل وفي المواصلات العامة وأماكن العمل، حيث لا تزال تُرى من قبل العديدين على أنها كائن ضعيف ومواطنة من الدرجة الثانية. 
بلغة الأرقام، تعتبر مصر واحدة من أكثر دول العالم في معدلات العنف ضد المرأة. والكارثة هي أن الجاني قد لا ينال العقاب الذي يستحقه، إما لعيوب في التشريعات أو ثغرات يستغلها بعض المحامين. والكارثة الأكبر هي أن الضحية قد لا تقوم بالإبلاغ عن الجريمة من الأساس، خاصة إذا كانت ذات علاقة بالتحرش الجنسي. وذلك خوفاً من نظرة المجتمع.

تصاعد وتيرة العنف ضد المرأة سببه أن لثقافة المجتمع الذكورية الكلمة العليا رغم عشرات الأفلام والمسلسلات ومئات الخطب والعبارات الدعائية التي يتم ترديدها. الحقيقة المرة هي أن المرأة ما زالت تعاني داخل جدران المنازل وفي المواصلات العامة وأماكن العمل

في واقع كهذا، تزداد مخاوف كل أب وأم في مصر على بناتهما في ظل ردة حضارية تزداد بشاعةً يوماً بعد آخر، وتجعل المستقبل مسكوناً بعشرات المخاوف. فالمرء لا يأمن في مشهد كهذا على فتياته في حياته، فما بالك بعد موته؟

تدين شكلي وهوس جنسي

في الثلاثينات والأربعينات والخمسينات، كانت نساء مصر أفضل حالاً في مجتمع كان أكثر نضجاً وانفتاحاً وثقافةً وتمدناً بفعل العديد من المفاهيم التنويرية، إذ كانت النساء يتحركن في الشوارع وهن يرتدين أحدث الأزياء دون أن تقع حادثة تحرش واحدة.
المرأة المصرية اليوم أصبحت محاصرة بين تيارين، كل منهما يمارس العنف والتمييز ضدها بطريقته الخاصة. الأول هو ذلك الذي يضم أرباب التدين الشكلي فيصفها بالعورة ويأمرها بالستر عن الأعين ويتناسى الدور الذي لعبته السيدة عائشة في حياة النبي محمد والعدد  الكبير من الأحاديث التي روتها عنه.
أما التيار الثاني فهو أولئك المصابون بالهوس الجنسي بفعل أسباب كثيرة والذين لا يجدون في أي امرأة تمر بالقرب منهم إلا هدفاً يسعون للنيل منه سواء بالنظرات أو العبارات الخادشة للحياء أو غير ذلك من الأساليب المبتذلة.

نقطة البداية في طريق إنصاف المرأة تقوم على تفعيل المواطنة وفقاً للقانون والدستور كإطار حاكم لعلاقة الأفراد بعضهم ببعض وبالمجتمع، وبما يجعلهم متساوين في الحقوق والواجبات والمسؤوليات لا فضل لغني على فقير ولا لرجل على امرأة

نقطة البداية في طريق إنصاف المرأة تقوم على تفعيل المواطنة وفقاً للقانون والدستور كإطار حاكم لعلاقة الأفراد بعضهم ببعض وبالمجتمع، وبما يجعلهم متساوين في الحقوق والواجبات والمسؤوليات لا فضل لغني على فقير ولا لرجل على امرأة.
يجب أن نعترف بأن غياب مفهوم المواطنة وشيوع منطق "حقي بذراعي" الذي يرفعه البعض هو أصل الداء، وأن منطق "اخطف واجري" لم يعد مقبولاً في مجتمع يحكمه دستور مدني ويطمح إلى أن يكون له مستقبل أفضل.
ذُكر في الحديث الشريف: "إنما النساء شقائق الرجال"، أي أنهم متقاربون في الطباع والأخلاق والأحكام وفقا لتفسير العلماء، فمن يعي، ومن يتحرك لانتشالنا من المستنقع قبل فوات الأوان؟

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard