دروس عن نفسي تعلّمني إياها ابنتي

الخميس 28 يوليو 202211:33 ص

في صالون التجميل، تجلس ابنتي ذات العشرة أعوام، أمام مصفّف الشعر بثقة وابتسامة واسعة، وتخبره بوضوح الطول الذي ترغب فيه لشعرها، وشكل غرّتها وتسريحة شعرها المتخيلة، وتصدح في الخلفية أغنية "في عشق البنات"، لمحمد منير، الأغنية التي صدرت عام 2000، عندما كنت في الخامسة عشر من عمري، أي أكبر من صغيرتي اليوم بخمسة أعوام.

توقفت بعدها عن الإشارة إلى أي من عيوبي الجسدية أمامها. عندما أمارس الرياضة أخبرها بأني أفعل ذلك من أجل صحتي وليس للتخلص من وزن زائد.

في المرآة التي أراقبها من خلالها، بدأت صورتي تختلط بصورتها، واكتشفت أن اليوم لا يشبه البارحة، فلم أكن في عمري بهذه الثقة بمظهري والقدرة على التعبير بهذه الطريقة عما أريد عندما كنت في سنّها، ولم تعرف هي -وأتمنى ألا تعرف أبداً- هذا النوع من الكبت والقلق تجاه المظهر الذي اختبرته أنا حتى عامي الثلاثين.

في العالم الخاص بأمهات البنات، نحيا ونحن نظن أن هدفنا الأكبر في الحياة تعليم فتياتنا كيف يعشن، والبعض منا يحاولن خلق نسخ مصغرة منهن، وقولبة أفكار نساء المستقبل في القوالب نفسها التي نمَون هن في داخلها، وبعضهن -وأنا منهن- يحاولن هدم أي عائق كان في ماضيهن حتى لا يلوث مستقبل الصغيرات. وفي محاولة الهرب من فخاخ الماضي قد نقع في أخرى جديدة.

لكن في حالتي أنا، تعلمت الكثير عن نفسي خلال تربيتي لابنتي. في كل خطوة كنت أخطوها لجعل مستقبلها أفضل، حسّنت من حياتي، وعندما كنت أقنعها بقيمة ما أو بمثل عليا وجدت أني حتى لا أكون منافقةً يجب أن أؤمن بها شخصياً، ومن هنا بدأت رحلة تربيتي على يد صغيرتي.

 تعلمت الكثير عن نفسي خلال تربيتي لابنتي. في كل خطوة كنت أخطوها لجعل مستقبلها أفضل، حسّنت من حياتي، وعندما كنت أقنعها بقيمة ما أو بمثل عليا وجدت أني حتى لا أكون منافقةً يجب أن أؤمن بها شخصياً، ومن هنا بدأت رحلة تربيتي على يد صغيرتي

أنا جميلة لأنها تشبهني

منذ وُلِدت ابنتي، يخبرني الجميع بأنها تشبهني، بل يصرخون على مواقع التواصل الاجتماعي مع كل صورة جديدة لها، بأنها نسخة أخرى مني، لكن أصغر حجماً، مؤكدين على أن ذلك غير طبيعي، بينما الأقارب الأكبر عمراً يحلفون بأن ذلك كان شكلي بالضبط عندما كنت صغيرةً. في بعض الأحيان أضحك، وفي أحيان أخرى أردّ بشكل مرتبك بأي رد مناسب. لسنوات ظننت أن تلك ليست سوى مجاملة شائعة لأم أي طفلة، أو محاولة استذكاء من الشخص الآخر، لأن الصغيرة لا تشبه زوجي تماماً، فمن الطبيعي أن تشبهني.

كنت لا أصدقهم لأنه لا يمكن أن أشبه في أي حال من الأحوال هذا الجمال التام. يشيع أنه لا يوجد كمال في هذا العالم الأرضي، لكن لا أصدقهم، فابنتي كاملة الأوصاف كما غنّى العندليب الأسمر. كيف أقارنها بملامحي التي بقيت لسنوات لا أرى فيها غير عيوب وعدم تناسق؟

مصادفةً، وجدت يوماً صورةً قديمةً لي. نظرت إلى ظهرها فوجدت تاريخاً يخبرني بأني فيها كنت في العمر نفسه الذي فيه الصغيرة الآن. نظرت بفضول أكبر، حتى صدمني بالفعل مقدار الشبه بيني وبينها في العينين، والأنف، والفم، وحتى لون الشعر. حاولت أن أخرِج الاختلافات بيننا ووجدت أنها في النظرة. افتقدت في صورتي نظرة الحيوية والذكاء المختلط بالشقاوة في عينَي ابنتي. كنت أبدو أكبر من عمري، وأرصن وأكثر هماً. كانت طفولتي بالتأكيد مختلفةً، لكن لماذا أنا كئيبة إلى هذه الدرجة بحق الله؟ منذ هذا اليوم وصورتي عن نفسي بدأت تتغير: كيف أكون قبيحةً وأنا أشبه هذا الجمال كله؟ّ!

واحدة من أهم القيم التي أحاول أن أربّي عليها ابنتي، أن تحب جسدها كما هو، وألا ترى عيباً بسيطاً فيه يكون أكبر أزماتها التي تعرقل رضاها عن حياتها. وقفنا معاً أمام المرآة لتجرّب ملابسها الجديدة، ثم وضعت يدها على بطنها الطفولية المستديرة قائلةً: كل شيء جميل ما عدا هذا الكرش!

برئتُ من كراهية أردافي

واحدة من أهم القيم التي أحاول أن أربّي عليها ابنتي، أن تحب جسدها كما هو، وألا ترى عيباً بسيطاً فيه يكون أكبر أزماتها التي تعرقل رضاها عن حياتها. وقفنا معاً أمام المرآة لتجرّب ملابسها الجديدة، ثم وضعت يدها على بطنها الطفولية المستديرة قائلةً: كل شيء جميل ما عدا هذا الكرش!

حاولت أن أقنعها بأن بطنها طبيعية بالنسبة إلى سنّها ومرحلة ما قبل البلوغ التي تمر بها. مع كل ترهاتي حول تقبّل صورة الجسد كما هي، إلا أنها نظرت مباشرةً إلى أردافي التي دوماً ما أقول بصوت عالٍ إني أتمنى الخلاص منها. كانت نظرتها تعرّي رياء مبادئي، بأسلوبها المباشر والصريح.

لا أعلم كيف تكتسب ابنتي هذه الشجاعة أحياناً، وتصبح هشةً للغاية أحياناً أخرى، لكن أؤمن بأني بالتأكيد جزء من رحلتها هذه، كما هي جزء من رحلتي الخاصة.

توقفت بعدها عن الإشارة إلى أي من عيوبي الجسدية أمامها. عندما أمارس الرياضة أخبرها بأني أفعل ذلك من أجل صحتي وليس للتخلص من وزن زائد. تحولت كلمة حِمية إلى نظام غذائي صحي مفيد. في البداية كان الأمر بناءً على إرادة حرة. أردد الكلمات التي يجب أن أقولها، لكن كما يقول مثل باللغة الإنكليزية Fake It Till You Make It، ومعناه زيّفها حتى تتقنها. بالتدريج بدأت أؤمن بهذه الكلمات التي أقولها بصوت عالٍ. لم تعد أردافي تزعجني إلى هذه الدرجة على الأقل ولم أعد أرغب في تفجيرها.

أنا لا أقبل الهراء

أطفالاً وبالغين، نقبل الكثير من الهراء بصورة يومية. النظريات العلمية العجيبة التي يخترعها البالغون ويخبرونها للأطفال ما هي إلا هراء. الأوامر غير المنطقية التي يجب تطبيقها بلا تفكير، هراء مصفّى. الأفكار السلبية، والنصائح غير المجدية وتصدير صورة جسدية محددة... كل ذلك ما هو إلا هراء.

تعودت أن أقبله، لكنه يغيظني كثيراً. قد لا أنام ليلةً كاملةً بسبب كلمة سمعتها قبل عشر سنوات ولم أردّ عليها الرد المثالي في حينها. لكن عندما توضَع ابنتي في الموقف نفسه، يكون ردها الطبيعي بلا كلمات: "لا أقبل هذا الهراء". تخبرها والدتي بالنصائح نفسها التي كانت تجبرني على الاستماع إليها سابقاً، فتنظر إليها مبتسمةً، ثم لا تنفّذ أياً منها بمنتهى الهدوء. يأمرها والدي بطريقته الصارمة، فترد بكلمة واحدة: "لا"، من دون أي رد إضافي. عندما أحاول أن أقنعها بنظرياتي غير المنطقية تفنّدها بسهولة، وتأخذ منها ما تقتنع به وتترك البقية من دون اعتذارات.

قد لا أنام ليلةً كاملةً بسبب كلمة سمعتها قبل عشر سنوات ولم أردّ عليها الرد المثالي في حينها. لكن عندما توضَع ابنتي في الموقف نفسه، يكون ردها الطبيعي بلا كلمات: "لا أقبل هذا الهراء"

تفعل ذلك معي، ومع أبيها، ومع مدرّسيها. أتمنى أن تستمر في ذلك طوال الوقت، وألا تلوّث فطرتها السليمة لحماية نفسها وسلامها النفسي من القواعد الاجتماعية الخانقة، فهي لا تحمل أعباء الطاقة السلبية التي تتكدس بسبب الهراء الذي نضطر إلى التفاعل معه.

بدأت أستخدم أسلوبها، فلست في حاجة إلى اتخاذ ردود الأفعال اللحظية، أو مناقشة كل فكرة غبية أسمعها. لا أقبل هذا الهراء، ولا أتفاعل معه، وهو ليس موجوداً ولا مهماً، وما يهم هو ما أؤمن به وما لا أحتاج إلى إثباته وإقناع الآخرين به.

لا أعلم كيف تكتسب ابنتي هذه الشجاعة أحياناً، وتصبح هشةً للغاية أحياناً أخرى، لكن أؤمن بأني بالتأكيد جزء من رحلتها هذه، كما هي جزء من رحلتي الخاصة، في علاقة تفاعلية؛ تربّيني وأربّيها وأربّي نفسي معها، بلا بحث عن مرفأ أمان، المهم أن نحيا يوماً هادئاً تلو الآخر.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard