امرؤ القيس ونهايته الأسطورية... قصة إغريقية بحبر إسلامي

الخميس 4 أغسطس 202211:00 ص

يعدّ امرؤ القيس أشهر شعراء العرب وأشعرهم. هو أيضاً الملك "الضلّيل"، وريث المملكة العربية الأخيرة قبل الإسلام، السكّير الماجن الذي خالط الصعاليك وتحدّى سلطة أبيه. هو كذلك المحارب الشرس الذي أخذ بثأر أبيه وأفرط فيه.

بجمعه كلّ تلك الصفات والأدوار، حظيت سيرة حياة وممات امرئ القيس بأهمية تاريخية وسياسية خاصة تضعها في منزلة الأسطورة، تحديداً الأسطورة الإغريقية، بما تحويه من عناصر تراجيدية، تتفاوت بين البطولة والخطيئة، النَسب الرفيع والصراع مع السلطة يليه النفي، السفر والتجوال والانتقام، وأخيراً الموت التراجيدي. باختصار، إنها قصة بطل إغريقي مخطوطة بحبرٍ إسلامي.

تقول الأسطورة: بعد فرار امرئ القيس من شبه الجزيرة العربية إثر تخلي القبائل العربية عنه بعد أن أغار على بني أسد وتوعّدهم بإبادتهم ثأراً لمقتل أبيه، لجأ الشاعر إلى المملكة البيزنطية حيث أواه قيصر الروم جستينيان في قصره. لكن كما كان شعر امرئ القيس سبباً في إقصائه من قبل والده إلى حضرموت، وذلك بعد نظمه قصائد غزل بابنة عمه فاطمة، فقد جنت عليه الأبيات التي كتبها عن ابنة القيصر. وتخبّر الرواية عن انقلاب القيصر على امرئ القيس، إذ أرسل له حلّةً مسمومة ما إن ارتداها الشاعر حتى أصابه مرض جلدي واكتسب لقب "ذو القروح".

مات امرؤ القيس بعد فترةٍ وجيزة، تاركاً خلفه إرثاً شعرياً تمّ استخدامه لاحقاً في إعادة تركيب قصة حياته، بما فيه من قصائد وأبيات اعتبرها المؤرخون شاهداً على غدر القيصر به، وأبرزها:

وما خفت تبريح الحياة كما أرى... تضيق ذراعي أن أقوم فألبسا

وبدلت قرحاً دامياً بعد صحة... فيا لك من نعمى تحولن أبؤسا

لقد طمح الطماح من بعد أرضه... ليلبسني من دائه ما تلبسا

كان ذلك في القرن الخامس بعد الميلاد، والقرن الأخير قبل الإسلام، أما الروايات التي تتناول سيرة حياته فقد نسجت بعد موته بقرون.

"ذو القروح"/ الملك "الضلّيل" / وريث المملكة العربية الأخيرة قبل الإسلام/ الماجن الذي خالط الصعاليك وتحدّى سلطة أبيه / المحارب الشرس الذي أخذ بثأر أبيه وأفرط فيه... سيرة امرؤ القيس تشبه الأساطير

معصية وانتقام وعقاب

كثر لاحظوا التشابه بين موت امرئ القيس وموت هرقل، البطل الإغريقي ابن الإله زيوس، الذي قضى متسمماً بعد أن قتل القنطور نيسوس، ثم ارتدى سترته الملطخة بالدم والسمّ نفسه الذي استخدمه هرقل لقتل نيسوس. إلا أن قلة رأوا في هذا التماثل مادة تستحق الدراسة والتفكيك، في ظلّ الاعتقاد الشائع بأن أثر الميثولوجيا الإغريقية على الأساطير العربية يكاد يكون معدوماً، مع اقتباس الأخيرة من ثقافاتٍ أخرى كالفارسية والقبطة والسريانية، لكن ليس الإغريقية.

إلا أن لتيدي فاسبرغ، وهو باحث متخصص في الأدب الإغريقي، رأي مخالف يشير إلى أن العرب كانوا في احتكاك، وإن غير مباشر، مع الحضارة اليونانية، وذلك وصولاً إلى القرن السابع وخلال فترة حكم الإسلام. ومن هنا ينطلق فاسبرغ في ورقته البحثية التي تحمل عنوان "موت امرئ القيس الإغريقي"، للتحقيق في السردية الإسلامية التي تؤلف سيرة حياة وموت امرئ القيس، متقصياً العناصر الإغريقية التي تضعها في سياق سياسي يتخطى قصة الشاعر نفسه، ليرسم بورتريه عن التاريخ الوثني للشعر العربي السابق للإسلام.

ما سر التشابه بين التشابه بين موت امرئ القيس وموت هرقل، البطل الإغريقي ابن الإله زيوس؟

يستقي فاسبرغ معظم الروايات عن حياة الشاعر من ابن قتيبة، صاحب كتاب "الشعر والشعراء" الذي يضم أقدم سيرة ذاتية لإمرئ القيس، ومن أبي فرج الأصفهاني الذي قدّم في "كتاب الأغاني" أكثرسيرة ذاتية مفصلة وشاملة عن حياة امرئ القيس. ومع أن هذه السيرة تحتوي على الكثير من التناقضات والثغرات، وعلى تفاصيل مجهولة المصدر وغير مستندة إلى دلائل، إلا أن الباحث ليس معنياً هنا بالبحث عن "الحقيقة"، أو استشفاف الواقع التاريخي خلف الأسطورة. إن جلّ ما يهمّه هو الأسطورة بعينها، بما تحمله من دلالاتٍ سياسية وثقافية تحتمل التأويل والتفكيك.

بدايةً، ينصحنا المؤلف بعدم التعويل بكثرة على الأساس التاريخي للروايات المتناقلة عن امرئ القيس، خصوصاً وأنها من نمط التقاليد النثرية المصحوبة بالشعر، والتي تمنح أولويةً للشعر على التاريخ. والملفت في هذه السيرة أنها لا تبدأ مع ولادة الشاعر، بل تسبقها وتسترسل في تقديم تفاصيل عن حياة أسلافه الذين حكموا مملكة كندة. وهنا يطرح الباحث إشكاليةً جوهرية بالنسبة لبحثه: لماذا لا تمتثل سيرة حياة امرئ القيس لتقاليد صياغة السيرة؟ ولما كل ذلك التركيز على تفاصيل حياة أبيه وجدّه؟

انطلاقاً من ملاحظة فاسبرغ للمكون الخيالي الذي يسطّر هذه الروايات، فضلاً عن الثغرات الكرونولوجية والمنطقية التي قادت المؤرخين إلى خلاصات جامحة لا تتلاءم تماماً مع الحجج والوقائع التاريخية، يستنتج الباحث بأن تلك التقاليد لا تشكّل سيرة شخصية وإنما سردية من نوع آخر، تمّت لاحقاً صياغتها وتبنيها على شكل سيرة. لكن أي سردية هذه؟ وما علاقة أسلافه بها؟

إن السبيل لفكّ ألغاز أسطورة امرئ القيس، تجيب المادة البحثية، يكمن في تركيبها البنيوي. وتتميّز رواية امرئ القيس ببنيةٍ ثلاثية تتبع قصص ثلاثة أعضاء من سلالة كندة الملكية، بدءاً بجدّ امرئ القيس (الحارث) مروراً بأبيه (حجر) ووصولاً اليه.

إن كانت سيرة امرئ القيس رواية في صياغة إسلامية، فلم تمّ زج عناصر إغريقية في طياتها؟

كما نلحظ تناظراً بين الأركان الثلاثة: امرؤ القيس بن حُجر بن الحارث. فقد ارتبط اسم الحارث بالهرطقة الدينية والتمتّع الجنسي الذي "استورده" من الفرس ونشره في بلاد العرب، تحديداً عبر تبنيه العقيدة المزدكية. وقد مات الحارث قتلاً بعد أن أقاله الإمبراطور الساساني (خسرو الثاني) الذي تبوّأ السلطة بعد موت أبيه، فأعدم مزدك وأعاد سلف الحارث (منذر) إلى السلطة. أما حجر، فقد قتل هو الآخر على يد بني أسد بعد نفيهم من أرضهم. وتنتهي القصة الثلاثية بموت امرئ القيس بسبب تعهّده بالثأر لأبيه عبر سحق قبيلة بني أسد عن بكرة أبيها.

 تبدأ بالمعصية وتنتهي بالعقاب... سيرة امرئ القيس وأركانها الثلاثة 

نستخلص من سيرة امرئ القيس أنها تبدأ بالمعصية وتنتهي بالعقاب. فهرطقة الجدّ تجلب غضب الحاكم عليه، وفي النهاية على حفيده أيضاً الذي يطرَد خارج شبه الجزيرة العربية ونحو حتفه الإغريقي. أما هرطقة امرئ القيس، المغزولة بأبيات الشعر التي طالت نساء قبيلته كما نساء الروم، بالإضافة إلى نزعته الثأرية المتطرفة، فهما رديفا السمّ الذي أنهى حياة هرقل بعد أن قتل به عدوّه. إن السمّ هنا ليس سوى كناية عن قتل الذات وتدميرها، وكأن هرقل انتحر بسمّه وامرأ القيس بأبيات شعره وروحه الانتقامية.

تمجيد الشعر والتشهير بالشاعر

عوضاً عن التعامل مع روايات السلالة الكندية بوصفها قصصاً متشابهة ومنفصلة، يدعونا فاسبرغ إلى مقاربتها كسردية واحدة متماسكة، ليس موضوعها مصرع امرئ القيس ولا حتى زوال السلالة الكندية. فزوال كندة يجسّد أيضاً نهاية المرحلة الجاهلية، خصوصاً وأن هذه السلالة قد وحّدت القبائل العربية في القرنين الخامس والسادس وجلبت لهم الحياة الحضرية إضافةً إلى عبادة الأديان السماوية، وهي أدوار اتخذها الإسلام على عاتقه في الفترة التي نُسجت فيها روايات امرئ القيس والتي كان لا بدّ لها أن تتلاءم مع السردية العامة لهذه العقيدة الناشئة.

نقرأ من خلال سيرة امرئ القيس كيفية تجاوب المشروع الإسلامي، بشقه الثقافي، مع الضغوطات الداخلية والخارجية. إذ يجب إيلاء الاهتمام، ليس فقط للديون التي اعترف بها العرب تجاه الثقافة اليونانية- كالعلوم والرياضيات- بل أيضاً بدَينهم غير المعترف به، والذي حاولوا طمس آثاره، أي "أساطير الأولين" التي سعى القرآن لتحييد نفسه عنها 

ومن المجدي، في هذا الإطار، ذكر أنه إبان مغادرة امرئ القيس لشبه الجزيرة العربية اندلعت الحرب في "طي". هذا بالإضافة إلى الأهمية التي توليها الروايات لإقدام امرئ القيس على تخريب صنم "ذو الخلصة" الذي كان يعبده الوثنيون ويحجون إليه بقصد استطلاع الغيب. وتذكر هذه الروايات أن أحداً لم يزر "ذو الخلصة" إلى حين تدميره النهائي في عهد الإسلام، "وكأن نهاية الجاهلية جاءت على يديّ امرئ القيس"، تستخلص الدراسة بشيء من المغالاة التي ليست غريبة عن الأكاديميين.

تتموضع أسطورة امرئ القيس إذن في سياق محاولات الإسلام تدجين الشعر العربي وأسلمته، وذلك نظراً إلى أهميته الثقافية والهوياتية بالنسبة للعرب. لكن إن كانت سيرة امرئ القيس رواية من صنع إسلامي، فلم تمّ زج عناصر إغريقية في طياتها؟

إجابةً على هذا التساؤل، تشرح الدراسة بأنه يمكن لنا أن نقرأ من خلال سيرة امرئ القيس كيفية تجاوب المشروع الإسلامي، بشقه الثقافي، مع الضغوطات الداخلية والخارجية. كما أنه ينبغي إيلاء الاهتمام، ليس فقط للديون التي اعترف بها العرب تجاه الثقافة اليونانية- وهنا يقصد العلوم والرياضيات- بل أيضاً بدَينهم غير المعترف به، والذي حاولوا طمس آثاره، أي "أساطير الأولين" التي سعى القرآن لتحييد نفسه عنها وأخذ مسافة منها.

لعل أكثر ما يثير الاهتمام في طرح فاسبرغ هو تصويره للحذاقة التي تعامل بها الإسلام مع الشعر العربي، بل والهوية العربية عموماً. فترسيخ المشروع الإسلامي اقتضى تصوير الثقافة السابقة له بثوب الجهل. إلا أن الشعر الجاهلي كان شاهداً على ثراء هذه الثقافة، كما كان شديد الارتباط بالهوية العربية لدرجة لا يمكن تجاهلها أو نفيها. لذا قارب الإسلام الشعر بريبة وازدواجية، وظهرت محاولات ترويضه عوضاً عن إقصائه. وفي سبيل ذلك، تولّى الإسلام مهمة ثنائية، حرجة ومعقدة. من جهة، كان على المشروع الإسلامي منافسة الحضارات الأخرى عبر تكريس أهمية رموزه الثقافية- وامرؤ القيس أحدها- وقد وجد في الأسطورة الإغريقية خياراً مناسباً للدور الذي لعبته الهيلينية آنذاك كلغة ثقافية شائعة ومشتركة، أي الرديف السحيق للغة الإنكليزية.
ومن جهة أخرى، كان على الإسلام ترسيخ أسس ثقافته الوليدة وتعزيز روحيتها عبر تقويض ما جاء قبلها، وفي سبيل ذلك تمّت الاستعانة بحكاية تروي مخاطر الشعر والتدمير الذاتي الذي عانى منه الجاهليون، شعراءً ووثنيين. وهنا أيضاً بدا القالب الإغريقي أداة مناسبة لتجسيد الثقافة الوثنية. "من هنا الازدواجية في التعامل مع الأب المؤسس للشعر العربي"، كما يصفه فاسبرغ، "والذي تمّ تمجيد شعره فيما شُهِّر بأخلاقه".

لقد زوّدت رواية امرئ القيس المجتمع الإسلامي بشخصيةٍ ذات سيرة أسطورية ترقى لمستوى سير رموز ومؤسسي الحضارات المنافسة، كما تضفي شرعيةً على الشعر العربي في عيون الغرباء. وفي الوقت نفسه، تفسّر هذه الرواية سيرة صعود الإسلام عبر تضحية الوثنية بنفسها وتدميرها لذاتها. وإن كان الوحي قد نزِل بلغة غير شعرية، وبالتالي ليس باستطاعة الشعر أن يخدم كأداة لنشر الرسالة الإسلامية، فيمكن لقصة الأب المؤسس للشعر أن تشرح أسباب ذلك.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard