رحلة ظلمَها التاريخ... أبو العلاء المعرّي في بغداد

الأربعاء 19 يناير 202202:58 م

في سنة 145 هـ، شرع أمير المؤمنين المنصور العباسي في إقامة مدينة يتخذها حاضرة لملكه، بعدما ضاق ذرعاً من الهاشمية التي أقامها أخوه أبو العباس السفاح، وفي وقت كان أهل الكوفة يفسدون عليه جنده. فأراد فراقهم، وفقاً لما أورده ياقوت الحموي في "معجم البلدان". وبعد عام واحد شيدت بغداد وانتقل إليها المنصور، وبات العالم الإسلامي خاضعاً لبني العباس بالفعل والاسم، حتى سقطت في يد التتار سنة 656 هـ.

وما بين إقامة المنصور لبغداد وسقوطها على أيدي التتار، اختلفت عليها أطوار رقيّ وانحطاط، لكنها لم تخل يوماً من العِلم، فباتت كعبة "يقصد إليها الشعراء والعلماء من اللغويين والرواة، ومن الفقهاء والمحدثين، ومن الأطباء ومن المنجمين، ومن التراجمة والمعربين"، بحسب طه حسين في كتابه "تجديد ذكرى أبي العلاء".

من بين هؤلاء الفطاحل الذين زاروها، كان أبو العلاء المعرّي صاحب التجربة قليلة الأيام في بغداد، لكنها عظيمة الأثر.

ابن معرّة النعمان يتحسس خطاه

ولد أبو العلاء في يوم الجمعة الثامن والعشرين من شهر ربيع الأول سنة 363 للهجرة، في معرة النعمان بسوريا. ويعرّفه المؤرخون بأنه أحمد بن عبد الله بن سليمان بن محمد بن سليمان.

وتقول عنه عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ) في كتابها "أبو العلاء المعري": "كان من حقّ مثله أن تتهيأ له من بيئته ظروف مُسعفة على النبوغ، وأن يبدأ منذ الفطام خطوته الأولى على الطريق الذي سار عليه أبوه وأجداده كابراً عن كابر (...) لكنه ما لبث أن تلقى الصدمة الفادحة قبل أن تستقيم خطوته على درب الوجود: اعتلّ في سنته الرابعة علة الجدري، فما أبلّ منها إلا وقد شَوهت وجهه بندوب لا برء منها، وذهبت ببصره مُسدلة بينه وبين الدنيا حجاباً كثيفاً حالك السواد، فما انجاب عنه حتى آخر العمر".

وليس هناك أبلغ في التعبير عن فقده بصره صغيراً غير ما قاله عن نفسه في رسالته إلى داعي الدعاة المؤيد في الدين الشيرازي: "قُضي عليّ وأنا ابن أربع/لا أفرق بين البازل والرّبع"!

"سمعنا أن امرأ القيس قال حين بلغه مصرع أبيه: اليوم خمر وغداً أمر! أما أبو العلاء فليس في حياته خمر ولا ثأر، وإنما الذي فيها رحلة إلى بغداد، كانت بصريحِ عبارته وشهادة سلوكه وأقوال مؤرخيه: الحد الفاصل بين شطرين من حياته، إنساناً وأديباً"

ويروي الثعالبي في "يتيمة الدهر" برواية عن الشاعر أبي الرماح المصيصي، أنه قال: "رأيت بمَعرة النعمان عجباً من العجب. رأيت أعمى شاعراً ظريفاً يلعب بالشطرنج والنرد، ويدخل في كلّ فن من الجدّ والهزل، يكنى أبا العلاء. وسمعته يقول: أنا أحمد الله على العمى، كما يحمده غيري على البصر"!

ذلك العمى وصعوبة تحصيل العلم رصده طه حسين الذي عاش الحالة ذاتها فوصفها أدقّ وصف في كتابه "تجديد ذكرى أبي العلاء"، بقوله: "لو كنا نؤرخ مبصراً لاضطررنا إلى أن نصف ما يقع عليه بصره في أيام الصبا (...) لكننا نؤرخ مكفوفاً لم تبل عيناه في تربيته وتأديبه شيئاً من البلاء، وإنما الفضل في ذلك لسمعه الذي كان ينقل إلى نفسه الأصوات المختلفة، وما تدلّ عليه".

أما عن تحصيله العلوم، فقال ابن العديم الحلبي في كتابه "دفع الظلم والتحري عن أبي العلاء المعري": "إن الله عز وجل عُني بخلقته، فأحسن خلقه وخلقه، وعقله وذهنه وذكاءه، وجعل همته في العلوم ومعالي الأمور، فقرأ الأدب وأتقنه، ثم درس الفقه فأحسنه، ونظم القريض فجوده، وأنشأ النثر فزينه، وقرأ حديث الرسول فعرف علله ورجاله، وتأويله وفروعه وأصوله، وهو مع ذلك قلق البنان بما تحوي اليدان، وهو كاسمه كمال في كل فضيلة، لم يعتن بشيء إلا وكان فيه بارزاً، ولا تعاطى أمراً إلا جاء فيه مبرزاً، مشهور ذلك عنه، لا يخالف فيه صديق، ولا يستطيع دفاعه عدو".

المعرّي في بغداد... رحلة لم تعنِ المؤرخين!

لكل إنسان حادث يغير مجرى حياته، فما بالنا بأديب مرهف الحس كالمعري الذي مرّ بمفترق طرق جعل الطفل النابغة في معرة النعمان ملء السمع والبصر في مدينة العلم بغداد، حين رحل إليها عام 398 هـ، ودخلها في العام اللاحق، وفقاً لتوفيق ابن العديم بين آراء المؤرخين، وأقام بها سنة وسبعة أشهر فقط.

تقول بنت الشاطئ في كتابها عن المعري: "سمعنا أن امرأ القيس قال حين بلغه مصرع أبيه: اليوم خمر وغداً أمر! أما أبو العلاء فليس في حياته خمر ولا ثأر، وإنما الذي فيها رحلة إلى بغداد، كانت بصريحِ عبارته وشهادة سلوكه وأقوال مؤرخيه: الحد الفاصل بين شطرين من حياته، إنساناً وأديباً؛ شطرين مختلفين، شتان ما بينهما".

الغريب أنه رغم كثرة المترجمين عن أبي العلاء المعري، إلا أنهم لم يُعنوا كثيراً برحلته إلى بغداد، كأبي منصور الثعالبي والباخرزي، وكلاهما من عصره، والسمعاني وابن الجوزي، وقد عاشا في القرن السادس الهجري القريب من عصر المعري المتوفى سنة 449 للهجرة.

لماذا بغداد يا أبا العلاء؟!

سافر المعري إلى بغداد وهو في السادسة والثلاثين من عمره، لكن التراجم اليسيرة التي مرّت على سفر أبي العلاء إلى بغداد اختلفت في سبب الرحلة، فقيل: "إنه أوذي في وقفٍ له، فرحل إلى بغداد متظلماً من أمير حلب"، وفقاً لرواية علي بن يوسف القفطي في "إنباه الرواة على أنباه النحاة"، ويتفق معه أيضاً شمس الدين الذهبي في كتابه "تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام".

لا يُحدثنا التاريخ بشيء مفصل عن دخول المعري إلى بغداد، وعن استقبال الناس له "لكن الرجل قد كان له شيء من الشهرة سبقه إلى العراق، ولعل قصيدته التي ساقها إلى أبي حامد لفتت الناس إليه، وكان دخول رجل من أهل العلم مدينة بغداد خبراً لا يكاد يعلمه الناس"، بحسب طه حسين

لكن ابن العديم الحلبي في كتابه "دفع الظلم والتحري عن أبي العلاء المعري"، ينفي تماماً أن يكون سفر المعري لبغداد كان لأمر مادي، بقوله: "ولم يرحل لطلب دنيا ولا رفد"، واستدل على ذلك بأبيات لأبي العلاء في ديوان "سقط الزند" يقول فيها: "وإني تيممت العراق لغير ما/تيممه غيلان عند بلالِ/ فأصبحت محسوداً بفضليَ وحده/على بعد أنصاري وقلة مالِ"!

إذاً، ترجح الشواهد سفر المعري إلى بغداد لطلب العلم والتزود من مكتباتها العريقة، وهو الرأي الذي يتسق مع كبريائه وأنفته، أو كما تصفها عائشة عبد الرحمن بـ"معاندة القدر"!

رحلة تكشف كواليسها أبيات "سقط الزند"

شحت الأخبار عن رحلة أبي العلاء إلى بغداد، لكن سخاء أبيات قصيدته المطولة "سفقط الزند" تنبئ بالكثير، حين أرسلها إلى أبي حامد الإسفراييني (أحد أعلام بغداد) يطلب منه أن يكون دليله في متاهة العاصمة، فيقول المعري مثلاً: "سارت فزارت بنا الأنبار سالمة/تُزجى وتُدفع في موج ودُفّاع/والقادسية أدّتها إلى نفر/طافوا بها فأناخوها بجعجاعِ". فنفهم من الأبيات أنه أخذ طريق الأنبار والقادسية. وفي القادسية لقيَهُ عمال السلطان، فاغتصبوا سفينته، واضطروه إلى أن يسلك طريقاً أخرى إلى بغداد.

لا يُحدثنا التاريخ بشيء مفصل عن دخول المعري إلى بغداد، وعن استقبال الناس له "لكن الرجل قد كان له شيء من الشهرة سبقه إلى العراق، ولعل قصيدته التي ساقها إلى أبي حامد لفتت الناس إليه، وكان دخول رجل من أهل العلم مدينة بغداد خبراً لا يكاد يعلمه الناس"، بحسب طه حسين في "تجديد ذكرى أبي العلاء".

ويضيف طه حسين: "لن تظفر من التاريخ بشيء إن أردت أن تسأله: كيف كان أبو العلاء يدرس في بغداد؟ ولكن مما لا شك فيه، أنه لم يجلس مجلس التلميذ من أحدٍ، وإنما كان يسعى إلى دروس العلماء ومجالسهم، كما يسعى الندّ إلى الندّ، والنظير إلى النظير"!

لماذا 19 شهراً فقط؟!

رغم قلة الأخبار عما جرى للمعري في بغداد، فإن المتاح منها يؤكد أن أبي العلاء لم يلقَ حياةً رغدة في العراق، ففي غمرة ابتهاجه في بداية وصوله إليها وفي ذروة طموحه وانشراح صدره إلى آماله وأمانيه، نسيَ أن سبيل الجاه والسلطان والظهور والظفر، لا تكون إلا بالخضوع، ولا سيما لمن كان في حاله من الضعف والعلة.

عانى المعري بما يوصف بالتنمّر على يد أهل بغداد وعلمائها عند مكوثه فيها

عانى المعري بما يوصف بالتنمّر على يد أهل بغداد وعلمائها عند مكوثه فيها، ومن ذلك ما أورده عبد الله الطيب المجذوب في كتابه "المرشد إلى فهم أشعار العرب": "بحسبنا أن نشير إلى ما أصابه من علي بن عيسى الربعي (عالم نحوٍ شهير آنذاك)، حين هم بالصعود إليه، فاذا به يسمعه يقول: ليصعد الإسطيل. وقد كانت الإسطيل لفظة ذمّ جارح، أو كانت من اصطلاح الساسانيين يطلقونها على العميان"!

أما أشد حالات التعسف ضد المعري في بغداد على يد أدباء منافسين، ما رُويَ أن العالم المعروف الشريف المرتضى أمر بسحبه من رجله، وذلك بعدما طعن الشريف في شعر المتنبي، فدافع المعري عن صاحبه قائلاً: "لو لم يكن له إلا قوله: لك يا منازل في القلوب منازل لكفاه"، ففطن المرتضى أن المعري يقصد بذكر البيت إهانته ببيت المتنبي الشهير في القصيدة ذاتها: وإذا أتتك مذمتي من ناقص/فهي الشهادة لي بأني كامل"، فكان انتقام الشريف بأن جرّ المعري من رجله على ملأ من الناس، وهي الواقعة التي رجح المستشرق الإنكليزي ديفيد صمويل مرجليوث في مقدمته لترجمة "رسائل أبي العلاء"، أنها الإهانة التي كانت السبب المباشر في رجعة المعري من بغداد بعد تسعة عشر شهراً فقط قضاها على أرضها!

ويسرد المجذوب أيضاً حادثة أخرى للمعري كان طرفها الفقيه الشافعي أبو حامد الإسفراييني، حين لقي منه أبو العلاء "التجاهل والتجاوز وعدم الالتفات بعد أن حبر فيه عينيّته الرائعة".

عاد المعري إلى معرة النعمان محملاً باليأس، وفي طريقه بلغه نعي أمه، فكان لوقعه في نفسه شديد الألم، "وتمم لنفسه بناء هذا البيت المظلم من الحزن الذي لزمه بقية حياته. لزمه فمثّل له الأشياء كلها سيئة بشعة، وملأ قلبه صدوفاً عن الدنيا، وتزهداً في ملاذها، بل مقتاً لها، وسخطاً عليها"، بحسب أوصاف طه حسين في كتاب "تجديد ذكرى أبي العلاء".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard