"في ظلال الحاكمية"... شبح سيّد قطب الذي يثقل الجميع

الثلاثاء 26 يوليو 202210:26 ص

أشباحنا هي مخاوفنا التي صنعناها في الماضي، لكي تطاردنا في المستقبل. ولدى سيد قطب شبح ثقيل الحضور لدى الإسلاميين، ولدى خصومهم على السواء، ما يلبث أن يختفي قليلاً حتى يعاود الظهور أكثر ثقلاً وصخباً وجدلاً.

في كل مرة يعاود شبح قطب الظهور فيها، تحدث الحالة نفسها، فهو عبء كبير على الإسلاميين، لكنهم ملتزمون تماماً بالدفاع عنه، مرةً من خلال مغالطة اللغة المجازية، ومرةً من خلال المظلومية القائمة على فكرة موته الكربلائي، ومرةً بالهروب إلى الأمام، والتغاضي عن الانتقادات الموجهة إلى أفكاره بالدفاع عن حسّه الأدبي والفني.

محاولات للتأويل

فالإسلاميون الملتزمون بحرفية النص وكراهة التأويل، يتخلون عن هذه الكراهة للخروج من المأزق الذي يخلقه تراث سيد قطب المحمّل بألفاظ قاطعة بثبوت التكفير، وقاطعة بدلالة العنف والاستعلاء والعزلة. تقوم مغالطة اللغة المجازية على فكرة بسيطة، هي أن المنطوق على خلاف المدلول، واللفظ يتناقض مع معناه... فكل ما كتبه قطب وفقاً لهذه المغالطة، عبارات مجازية، وبلاغية، لا يدركها إلا العالمون ببواطن اللفظ وصحيح المعنى، وهي المغالطة نفسها التي يستخدمها الإسلاميون في الرد على خصومهم في أي اشتباك حول دلالات النصوص المقدسة، باستخدام حيلة اختطاف اللغة، واحتكار معناها، وضرب ستار من الغموض المقدس الذي يمنحهم حصانة المعرفة، وينزعها عن خصومهم. فكلما حوصر الإسلاميون منطقياً، هربوا إلى التأويل والاحتماء باللغة والمعاني.

وهنا جرى الدفاع عن أفكار قطب بصورة مراوِغة تحمل الكثير من قنابل الدخان اللغوية التي تُحدث ضجيجاً، لكنها لا تترك أثراً، وفي هذا يقول أحدهم: "وكلا الطرفين اعتمد على منهج خاطئ في تناول كتابات الأستاذ سيد قطب، وتفسيرها واستنباط المعاني والمفاهيم منها، شوّه به كتابات الكاتب الكريم، واستغلها استغلالاً سيئاً في خدمة أفكاره واتجاهه وأهدافه".

غير أن قطب نفسه لا يترك للمدافعين عنه الفرصة لكي يستخدموا مغالطة اللغة المجازية كثيراً، فكتابات الرجل قاطعة المعاني أكثر من كتاباته المراوغة، وما يتم إثباته في كتاباته أبقى أثراً مما يُثبَت في شهادات الأصدقاء حول الرجل. فالرجل قاطعٌ في غضبه، حادٌ في توصيفه، لا يترك فرصةً إلا ويدحض فيها كلام من أراد الدفاع عنه بحجة "التأويل".

يقول قطب: "إن الشرك بالله يتحقق بمجرد إعطاء حق التشريع لغير الله من عباده، ولو لم يصحبه شرك في الاعتقاد بألوهيته، ولا تقديم الشعائر التعبدية له. الأمر جدٌّ لا يقبل هذا التميع في اعتبار من يتبعون شرائع غير الله -دون إنكار منهم- مؤمنين بالله، مسلمين، لمجرد أنهم يعتقدون بألوهية الله سبحانه، ويقدّمون له وحده الشعائر!!".

لا يترك الرجل مساحةً لتفسير هذا الكلام. هو يقطع بكفر مَن يتقبل القوانين الوضعية أو التشريعات البشرية التي تقرّها الأمم والبرلمانات وأي دولة حديثة.

عالم سيد قطب مليء بالكفار الذين يشكلون أغلبيته الكاسحة، ويقبلون التشريع البشري، وأقلية من "العصبة المؤمنة" تتربص بهم. لا مجال إذاً لتلوين الصورة القاتمة التي يقدّمها الرجل. يحاول البعض خلق ضباب من الشك في المعاني التي يقدمها، فيزعم بعض الإسلاميين بأن حاكمية سيد قطب هي حاكمية رأي judgement، وليست حاكمية حكم وتشريع ruling، غير أن قطب نفسه يقطع شك المتشككين بيقين العارفين، ويجزم أنها حاكمية حكم وقوة وتشريع، وليست حاكمية رأي وتقييم واجتهاد، حين يقول: "تدخل في إطار ‘المجتمع الجاهلي’ جميع المجتمعات القائمة اليوم في الأرض فعلاً... تدخل في إطار المجتمع الجاهلي تلك المجتمعات التي تزعم لنفسها بأنها ‘مسلمة’، وهذه المجتمعات لا تدخل في هذا الإطار لأنها تعتقد بألوهية أحد غير الله، ولا لأنها تقدّم الشعائر التعبدية لغير الله أيضاً، ولكنها تدخل في هذا الإطار لأنها لا تدين بالعبودية لله وحده في نظام حياتها، فهي -وإن لم تعتقد بألوهية أحد إلا الله- تعطي أخص خصائص الألوهية لغير الله، فتدين بحاكمية غير الله".

"عالم سيد قطب مليء بالكفار الذين يشكلون أغلبيته الكاسحة، ويقبلون التشريع البشري، وأقلية من ‘العصبة المؤمنة’ تتربص بهم. لا مجال إذاً لتلوين الصورة القاتمة التي يقدّمها الرجل"

وحين يفشل تكتيك اللغة المجازية مع قطعية نصوص قطب ويقينيتها، يقدّم نفر آخر من الإسلاميين دفاعهم عن قطب على أنه تعرض لمظلومية، وأنه فنان وأديب أعاد تقديم تفسير أدبي وبلاغي للقرآن الكريم.

في محاولة للهروب إلى الأمام، تحاول صافيناز كاظم، أن تتجاهل ما كتبه قطب من تكفير وحاكمية وجاهلية، وتقدمه على أنه أديب له أسلوب أدبي يروق لذائقتها. تقول: "وأذكر حينما انتهيت من إتمام قراءة ‘في ظلال القرآن’، الذي أعود إليه كثيراً، أنني كنت متعجبةً من البشاشة والهدوء وأجواء السلام، التي تنبعث من سطور تلك المجلدات، كأنها لم تكن مكتوبةً من وراء قضبان، ولا في وقفات الاستراحة الخاطفة بين وجبات التعذيب، ودورات التحقيق وظلمات الظلم".

لكن لا يجدي الهروب إلى الأمام نفعاً في ظل الجدل حول المحتوى لا الطريقة، وحول المعنى لا اللغة، وحول الأثر لا المظلومية. فتظل الإجابات حول محتوى ما قدّمه قطب بلا إجابات قاطعة عند هؤلاء، ويبقى قطب شبحاً ثقيل الحضور على الإسلاميين، لا يستطيعون التخلص منه ولا يجيدون الدفاع عنه.

لماذا يحبّون سيد قطب؟

ويبقى السؤال: لماذا يحب بعض الإسلاميين سيد قطب إلى درجة الدفاع عنه بكل هذا الجهد المبذول في التلفيق والمراوغة أحياناً، وإطلاق قنابل الدخان والهروب إلى الأمام أحياناً أخرى؟

قطب يمثّل عبئاً حقيقياً على الإسلاميين الحركيين الذين يحاولون استخدام تكتيكات سياسية غير عنيفة في معظمها، للوصول إلى الأهداف الإستراتيجية.

تظهر أسباب عدة لذلك، منها:

1ـ قطب وكثيرون من الإسلاميين تجمعهم الرغبة في الاستعلاء على المجتمع. قطب لديه هوس التميّز الفردي والإنساني الذي يدعمه بالرغبة في التميز الأيديولوجي والدخول في معارك "نحن وهم"، وهي نفسها رغبة الإسلاميين في معركة الهوية المتعالية والأفضلية التطهرية. "نحن" يجب أن تكون أفضل من "هم"، حتى لو اضطر الأمر إلى خلق عالم خيالي من الضلالات أو التطهر الروحي للرد على الهزائم المادية. وللاستمرار في تلك النزعة، يجب تغذية "إيغو" الأفضلية والتعالي الفردي والجماعي. ببساطة، الـ"نحن" تقع إزاء حالة هوس جماعي بفكرة الأنا الجماعية التي تعوّض هزائمها بوهم العرق النقي، أو الجماعة المختارة والفرقة الناجية.

"عالم في حالة تصادم ومؤامرة وصراع صفري هو أفضل عالم للعقليات الراديكالية المحبوسة في فكرة المؤامرة المزمنة والمبالغة في الحب أو الكراهية. وسيد قطب يقدّم كل ما يحتاجه العقل البسيط: الأزمة والسؤال والإجابة وطريقة الحل"

2ـ قطب يقدّم غطاءً أيديولوجياً يبدو حداثياً للإسلاميين، ليظهروا بمظهر أكتر حداثةً مقارنةً بكل أدبياتهم التي يتحدر أغلبها من القرون الوسطى. قطب حداثي يبني حجته على أسس فلسفية يمكن تعقب جذورها في الفلسفة الألمانية المثالية المؤمنة بمسارات محددة للتاريخ لا مخرج منها. هو حالة حداثية (أقرب إلى ما بعد الحداثة)، في ظل تيار غارق في الماضي يحتاج إلى خطاب حديث ليعيد تقديم نفسه، وهو ما قدّمه المصري سيد قطب والباكستاني الهندي أبو الأعلى المودودي.

3ـ قطب كمفكر ينتمي إلى المدرسة المثالية، وهو سهل التناول لأنه يقدّم عالماً بسيطاً فيه صراع بين مؤمنين وكفار، يسير في مدار محدد يتصادم فيه الخير والشر، ليقدم نهايةً يوتوبيةً ينتصر فيها الخير. يبدو أن هذا التبسيط المخلّ أفضل للعقل البشري البسيط الذي يبحث عن إجابات واضحة سهلة غير معقدة، ولا تطلب المزيد من الأسئلة المركبة. عالم في حالة تصادم ومؤامرة وصراع صفري، هو أفضل عالم للعقليات الراديكالية المحبوسة في فكرة المؤامرة المزمنة والمبالغة في الحب أو الكراهية. قطب يقدّم كل ما يحتاجه العقل البسيط: الأزمة والسؤال والإجابة وطريقة الحل.

4ـ قطب يقدّم تفسيراً حديثاً للقرآن، وهو تفسير يضع فيه رؤيته الملحمية للعالم المتصادم المتصارع مع تشبيهات أدبية وصور فنية تجعله كما لو كان قد أعاد تقديم القديم، لكن بشكل جديد أكثر قرباً إلى لغة العصر... يمكن الزعم بأنه قدّم ترجمةً حديثةً للنصوص المقدسة. وبغض النظر عن جودة الترجمة، ففي الغالب، يحب المؤمنون منهج إعادة الاكتشاف في نصهم المقدس.

5ـ النهاية الدرامية لقطب، بإعدامه، أضفت مشهداً أيقونياً محبَّباً إلى أغلب الدوغمائيين الذين تنتعش أفكارهم في ظل خطابات المظلومية والتضحية. وجد إسلاميون في نهاية قطب حالةً كربلائيةً ملائمةً لتسويق قضيتهم. كانت فكرة "الاستشهاد" من أجل الفكرة، ضالة الإسلاميين، ووجدوها فيه. وبالرغم من أن قطب كان ضحية غضبه وعدوانيته، إلا أن ذلك الجزء كان يجب أن يُخفى، لكي يستفيد الإسلاميون من موت قطب الصدامي وتستمر الأسطورة وتجتذب أنصاراً جدداً.

في النهاية، قطب فعلاً عبء على الإسلاميين، ومن الأفضل لهم على المستوى الإستراتيجي التخلص من هذا العبء، لكن لا تزال جاذبيته أكثر قدرةً على استقطاب مزيد من الإسلاميين الغاضبين، حتى لو كان ذلك يضرّ بمصالحهم الكبرى. وهي أزمة الجماعات العقائدية الكبرى في تقديم ما هو أيديولوجي دوغمائي على ما هو مصلحي عقلاني.

نعم يظهر سيد قطب شبحاً قادراً على التجدد، لكنه يؤكد دوماً أن الأشباح لا تظهر إلا في لحظات الظلام.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard