رحلة سيد قطب من شاعر متوسط القيمة إلى المنظر الأول للإسلام السياسي

الأحد 24 يوليو 202210:07 ص

عاش سيد قطب 60 عاماً (1906-1966)، وظل حتى بلغ الخمسين يكافح كي يصير رقماً مرئيّاً في عالم الثقافة والشعر والنقد الأدبي، تنقل خلالها نقلات دراماتيكية بين عدة مواقع، من تقليد عباس محمود العقاد ومحاولته أن يكون محسوباً عليه كأحد أنجب وأخلص تلاميذه، إلى الارتداد عليه ومهاجمته، لأنه لم يحصل منه على ما يريد، إلى كتابة قصائد متوسطة القيمة لم تضعه على خريطة الشعر، ثم الذهاب إلى النقد الأدبي الذي لا يُذكر له فيه إلا أنه كتب مقالاً عن نجيب محفوظ وُضِعَ تحت المجهر بعدما ذهب هو للتطرف الديني ثم إلى المشنقة، فيما حصل محفوظ على نوبل للأدب.

إخفاق سيد قطب في أن يصنع لنفسه اسماً أدبيّاً معقولاً كان ناتجاً عن افتقاره لموهبة أصيلة ورؤية لدور الشعر ووظيفته، والأهم أنه افتقر إلى "الجموح" الذي هو أهم ما يمتلكه الشاعر... وكونه كتب مقالات متعددة في مجلات زمنه في موضوعات شتَّى، أدبية وسياسية واجتماعية، لا يمنحه تميزاً إلا عند الإحصائيين الذين أعدوا عنه دراسات ماجستير ودكتوراه، وتصوروا أن كثرة المقالات وتواترها كافيان للدلالة على التميز، في حين أن قلة عدد كُتَّاب تلك الفترة، وتعدد المنابر المتاحة للنشر، أعطى فرصاً لكثيرين لم تسلط عليهم الأضواء وذهبوا للنسيان الكلي أو الجزئي، لأنهم لم يذهبوا إلى التطرف الديني!

الذهاب إلى التطرف الديني

السنوات العشر الأخيرة من حياة سيد قطب كانت حاسمة في مسيرته، لأنه حين فشل في التنظير الأدبي والثقافي والسياسي، ذهب إلى التنظير الديني، وهو مجال مضمون للانتشار بشكل واسع لعدة أسباب: أولها أن كتاباته المتطرفة لاقت مناخاً مواتياً واحتضاناً من كثيرين يبحثون عن هذا النوع من الكتابات ليبروزوه، والثاني أن الكتابة عن "المعلوم بالضرورة" لا يحتاج موهبة خاصة بقدر حاجته إلى قدرة على النقل من التراث، والثالث أن جمهور هذه الكتابات لا يناقِش، لأنها منطلقة في الأساس من فكرة التنزيل الإلهي غير القابل للنقاش...

لكن السبب الأهم لانتشار كتابات سيد قطب كالنار في الهشيم أنه أُعدم، فتحول إلى أيقونة الإسلام السياسي الذي يفتقر معظم مَن ينتسبون إليه إلى الموهبة، وبالتالي يحتاجون إلى هذا النوع من الكتابة. ولو تصوّرنا سيناريو مختلفاً، كأن يكون قد سجن لعدة سنوات حتى مات جمال عبد الناصر ثم حصل على عفو رئاسي، كما حدث لقادة الإخوان المسلمين في عهد أنور السادات، لما كانت أسطورته تضخمت.

مشكلة سيد قطب، في رأيي، أنه كاتب متوسط القيمة، كان يقيِّمُ نفسه بأكبر كثيراً جدّاً من حجم موهبته الحقيقي، ولذلك كان ناقماً طول الوقت على الوسط الأدبي، ككثيرين نراهم في كل زمن، ويتصور أن الشهرة ناتجة عن الشللية فقط، وأن الأدباء والشعراء الكبار لا يشغلهم إلا قتل الصغار ليعيشوا ويكبروا، وأن الجوائز توَزَّع بالعلاقات فقط، إلخ، هذا التصور الذي يؤدي إلى تراكم المرارات، ثم إلى التطرف غالباً، وليس بالضرورة التطرف الديني، ففي كل الأوساط متطرفون، لكن حين يذهب المتطرف إلى الشأن الديني سيجد حاضنة مهيَّأة وترحيباً كبيراً وتضخيماً هو ما كان ينقصه. وهذا ما حدث بالضبط مع سيد قطب.

إعادة المسلمين إلى الإسلام

اللافت في منهج سيد قطب، وكل "التكفيريين" الذين جاءوا بعده متأثرين بمنهجه، انشغاله بأسلمة المسلمين، أو مَنْ "يدَّعون أو يعتقدون" أنهم مسلمون (في رأيه طبعاً)، أكثر من انشغاله بهداية الذين لم يدخلوا الإسلام أصلاً! فالمسلم الذي لا يسلِّمْ له قيادَه، أو لشبيهه، باعتباره وباعتبارهم وكلاء الله والمتحدثين باسمه، ليسوا مسلمين وإنْ قالوا صادقين ألا إله إلا الله وأن محمَّداً رسول الله، بل هم عنده أشد خطراً من الكفار الذين هم صريحون مع أنفسهم. فالترجمة الصحيحة الوحيدة للشهادتين، في ظنه، هي أن يقبل المسلم أن يعيش تحت لواء "حكومة إسلامية"، لأن قبوله بشرائع البشر، وإنْ كانت جيدة، تجعله رافضاً لحكم الله منتهكاً لحدوده، ومعتدياً على حق أصيل من حقوقه وهو الحُكم تطبيقاً لقوله تعالى (حسب تفسيرهم الخاطئ): "وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ" و"الفاسقون" و"الظالمون" (المائدة: 44/ 45/ 47). هذه الفكرة تحديداً تقف وراء السجالات التي تدور من آن إلى آخر حول: هل مَن يفيد البشرية بعمل صالح أو اختراع مؤثر سيدخل الجنة جزاء ما نفع به، أم سيدخل النار لأنه لم يؤمن بالحاكمية؟ وأصلاً: نزع مسألة الإيمان عن أهل الكتاب لأنهم بالطبع لا يؤمنون بها.

من سمات شخصية سيّد قطب الانتقال الفجائي من النقيض إلى النقيض: من الدفاع عن العقاد إلى الهجوم عليه، من الانضمام إلى حزب السعديين ومدح قادته إلى الخروج عليه ، من مدح قادة يوليو إلى تكفيرهم، ومن العداء للإخوان إلى أن يصبح منظّرهم

لا ينكر سيد قطب، شكلاً، حق الفرد في أن يؤمن أو لا يؤمن امتثالاً لآية "مَن شاء فليؤمن ومَن شاء فليكفر" (الكهف: 29)، لكن هذا مشروط، في نظريته، بتطبيق ما يعتقد أنه قواعد الدولة الإسلامية أولاً، لكي تُزال الغمامة من على عين الفرد ليكون اختياره مبنيّاً على معرفة بهذه الدولة، وناتجاً عن رؤيته وتمتعه بحسناتها.

هذه النظرة تقابلها مشكلتان: الأولى أنها تعارض نص الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر أن النبي قال: "أُمرتُ أن أُقاتل الناسَ حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأنَّ محمداً رسول الله، ويُقيموا الصلاة، ويُؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقِّ الإسلام، وحسابهم على الله تعالى"، ونص الحديث الوارد في صحيح أبي داود وصححه الألباني عن أسامة بن زيد: أن النبي قال له (حين قتل رجلاً نطق الشهادتين): "من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة؟ فقلت: يا رسول الله، إنما قالها مخافة السلاح. قال: أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم من أجل ذلك قالها أم لا؟ من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة؟ فما زال يقولها حتى وددت أني لم أسلم إلا يومئذ". والمشكلة الثانية أن ثمة جدلاً حول "الارتداد" بعد هذا التطبيق المفترض لدولة الحاكمية: هل سيسمح سيد قطب لمَن يشاء الارتداد أن يرتد؟

صراع الإخوان وقادة يوليو

نظرية سيد قطب عن الحاكمية أُنتجت بتأثير علاقته هو شخصيّاً، وعلاقة جماعة الإخوان المسلمين بالطبع، بالناصرية التي كانت تجتهد لتطبيق قواعد للعدالة الاجتماعية وتقريب الفوارق بين الطبقات، المطلب الذي ظل سيد قطب نفسه ينادي به عشر سنوات، كما استحدثت مؤسسات تخدم "الإسلام" كدين من وجهة نظرها، مثل التوسع في إنشاء المعاهد، وإدخال العلوم المدنية في جامعة الأزهر، وإنشاء إذاعة القرآن الكريم، ومدينة البعوث الإسلامية.. إلخ.

أراد سيد قطب أن يهدم هذه الخطوات "الإيجابية" من وجهة نظر المتدينين ويقول إنها بلا قيمة ما دامت لم تصدر عن حكومة إسلامية، أي ما دام لم يسلِّم نظام عبد الناصر الحكم لجماعة الإخوان المسلمين، ظل الله على الأرض، وبالتالي لسيد قطب نفسه منظِّر الجماعة، وواضع منهج الحاكمية...

"إخفاق سيد قطب في أن يصنع لنفسه اسماً أدبيّاً معقولاً كان ناتجاً عن افتقاره لموهبة أصيلة ورؤية لدور الشعر ووظيفته، والأهم أنه افتقر إلى ‘الجموح’ الذي هو أهم ما يمتلكه الشاعر"

المسألة في الأخير، إذن، صراع على السلطة لا غير، والمدهش أنه ناتج عن موقف شخصي، فقد كان قطب يأمل أن يوليه الضباط وزارة التربية والتعليم لينفّذ أفكاره في تطويرها حسبما أوردها في مقالات سابقة له، قبل وبعد بعثته إلى أمريكا التي استمرت عامين (1949-1950) للحصول على دورة في تطوير التعليم والمناهج.

أثر تكوين قطب الشخصي على أفكاره

دارس منهج سيد قطب لا يجب أن تفوته سمة في بناء شخصيته أجدها في غاية الأهمية، تقف وراء ما ذهب إليه في كتابه المشكل "معالم في الطريق" الذي هو دستور كل الجماعات العنيفة على خلفية إسلامية، وهي أنه كان متسلطاً منحازاً لرأيه بالكامل باعتباره الصواب المطلق، ورافضاً أي رأي مخالف باعتباره خطأً مطلقاً، وهو في الخلاف ذهب إلى تكفير الآخر، سواء أكان فرداً أو مؤسسة أو أمة، بل إنه كفَّر العالم كله. هذا الشطط لم يأتِ من فراغ، فقد كان دائم الترديد في مقالاته أن "الشعب" مغيب وجاهل ومنقاد، ولا أمل فيه ولا حق له سوى الطاعة الكاملة، سواء في كتاباته المبكرة عن التعليم أو العدل الاجتماعي، حتى وصوله إلى وضع نظريته في الحكم الإسلامي.

السمة الثانية أنه كان ممروراً غاضباً كارهاً حيث يعتقد أنه مغبون، فمكانه الأصلي أن يقود ليطبّق بنفسه مفاهيمه التي يقتنع تماماً أنها الصواب المطلق، لدرجة أنه رفض أن يكون وكيلاً لوزارة التعليم بعد الثورة لأنه أراد أن يكون الوزير، المسؤول الأول المتحكم الآمر الناهي.

السمة الثانية ستقودنا إلى السمة الثالثة في بناء شخصيته، وهي الانتقال الفجائي من النقيض إلى النقيض: من الدفاع عن العقاد بقوة ضد كل خصومه إلى الهجوم عليه، من الانضمام إلى حزب السعديين ومدح قادته شعراً إلى الخروج عليه وذمهم، من مدح قادة "حركة" يوليو 1952 باعتبارهم يجسدون فكرته عن الحاكم العادل إلى الخروج عليهم وتكفيرهم، بل وقيادة جماعة خططت لاغتيال عبد الناصر، ومن العداء لجماعة الإخوان المسلمين باعتبارهم يتاجرون بالدين، إلى أن يصبح منظر الجماعة وواضع دستورها.

جماعة باهتة بلا دستور ولا هدف

سيظل سيد قطب في ظني مثيراً للخلاف وباعثاً على الجدال والنقاش لفترة طويلة، بالنظر إلى آرائه التي تغذي فكرة التفوق الكامل لدى المؤمنين برسالة الإسلام، باعتبار أنهم مختارون من الله، وأنهم على صواب وكل من دونهم على خطأ، وأيضاً لأنه وضع دستوراً لجماعة الإخوان المسلمين التي عانت طول تاريخها من كونها جماعة باهتة بلا دستور ولا هدف، كانت تتقلب بين السياسي والدعوي دون حسم، حتى جاءها سيد قطب الذي سيخلُدُ في ضميرها طالما ظلت باقية، وأخيراً لأن حاكماً مستبدّاً قتله شنقاً، حاكم لا يختلف عنه كثيراً في الاستئثار بالسلطة المطلقة، وتأميم الرأي باعتباره الفاهم الأوحد والمنظر الكبير، هذا الإعدام الذي رفضه خصوم سيد قطب أنفسهم، وتحول به وبعده إلى أيقونة، ووجعاً في الضمير الثقافي.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard