شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ساهم/ ي في صياغة المستقبل!
عندما تفسد السياسة صنعة الأدب...

عندما تفسد السياسة صنعة الأدب... "الملك فاروق" شخصية روائية تنتظر الإنصاف السردي

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

ثقافة

السبت 23 يوليو 202205:25 م

في العام 1936، كان العالم القديم يشهد حركة متسارعة من الأحداث المصيرية. في بريطانيا، كان الملك إدوارد الثامن يتنازل عن العرش لأخيه الأصغر كي يستطيع الزواج بحبيبته الأمريكية، وخدمة الإذاعة البريطانية BBC تطلق بثها التلفزيوني الأول الذي سشكل عماد أرشيف الحرب المنتظرة، وأدولف هتلر يعد سلاح الجو الألماني للحرب الموشكة، وعلى مرمى حجر في القارة القديمة نفسها تبدأ الحرب الأهلية في أسبانيا، فيما يسيطر الديكتاتور الفاشي فرانكو على مقاليد الحكم في البلاد. أما في القاهرة التي تمور بأحلام الاستقلال، فكان العرش يستقر أخيراً في يد فتى لم يتجاوز السابعة عشرة من العمر، وسيم نحيف ورث الملامح البلقانية لأجداده ويسعى لإثبات مصريته للرعية، واعداً بمستقبل مختلف، إنه فاروق الأول، ملك مصر الأخير.  

جلس فاروق على العرش تحت الوصاية، وقد آل إليه الحكم بعد وفاة أبيه بطبيعة الحال. وفي الوقت الذي كان ينحني له كبار رجال الدولة، ويتملقه الجميع، كان فاروق الصغير يحمل ميراث قهر الأب والخلافات الأسرية والمرض، ثم وقع فريسة لمستشاري السوء وطالبي المناصب، وانتهى به الحال إلى فقدان عرشه نتيجة وصوله إلى الملك "وهو في طراوة الصبا وضحالة العلم"، وهي الصورة التي تقدمها له رواية "فاروق الأخير"  للمحامي والأديب منتصر أمين.

في قاهرة 1936 التي تمور بأحلام الاستقلال، كان العرش يستقر أخيراً في يد فتى لم يتجاوز السابعة عشرة من العمر، وسيم نحيف، ورث الملامح البلقانية لأجداده ويسعى لإثبات مصريته للرعية، واعداً بمستقبل مختلف، إنه فاروق الأول، ملك مصر الأخير

الرواية تجعل من فاروق، الملك الذي أطيح في مثل هذا اليوم، 23 يوليو/ حزيران من العام 1952، محور انطلاق لتناول الأحداث السياسية والاجتماعية التي ماجت بها مصر قبل في ذلك العام، وانتهت إلى فرض الحكم العسكري المستمر بموجب حركة الضباط، بدعوى التخلص من فساد الطبقة الحاكمة والساسة إبان الحقبة الملكية.

السياسة تحكم الأدب

ارتبط تطور الأدب المصري، مثل غيره، بالظروف السياسية والاجتماعية التي مرت بها مصر، وشهدت سنوات الأربعينيات والخمسينيات التي استمرت فيها مقاومة المصريين للاحتلال الإنجليزي ومساعيهم لحصول على الاستقلال بذور التمرد على حكم أسرة محمد علي بعد أن فقد المصريون الأمل في أن يكون فاروق قادراً على إحداث التغيير وتحقيق الاستقلال الذي يأملون فيه، خاصة مع تعاظم الفقر الناتج عن غياب العدالة والأزمات الاقتصادية العالمية التي ترافقت مع الحرب العالمية الثانية. وكان لتلك الظروف جميعها انعكاسها على الأدب المنتج في تلك الفترة.

وعلى عكس التصورات الذاهبة إلى تشدد الرقابة في سنوات ما قبل 1952، يرصد الكاتب الكبير بهاء طاهر بروز ما يعتبره تياراً واقعياً في كتابة الرواية لم يغفل "فساد النظام الملكي الإقطاعي الذي كان الملك فاروق رمزاً لكل انحلاله"، كما جاء في كتاب طاهر "في مديح الرواية". يقول طاهر المعروف بتوجهاته القومية الناصرية: "كان من الطبيعي أن يزدهر في هذه الفترة الأدب الواقعي، أو أدب الواقعية الإشتراكية بسماته المصرية الخاصة، فظهرت روايات مثل القاهرة الجديدة وبداية ونهاية وزقاق المدق، لكاتب شاب هو نجيب محفوظ، الذي سيحصل بعد نصف قرن تقريبا على جائزة نوبل، ورواية الأرض لعبد الرحمن الشرقاوي التي جسدها يوسف شاهين في أفضل أفلامه من وجهة نظري، ومجموعة القصص القصيرة أرخص ليالي، ورواية حكاية حب [وكلتاهما] للمبدع الكبير يوسف إدريس، وفي هذه الأعمال وغيرها، كانت تتمثل بدرجة أو بأخرى سمات المنهج: أي الاهتمام بالمؤثرات الاجتماعية والاقتصادية في تكوين الشخصيات وفي سلوكها، والوصف الدقيق للبيئة الاجتماعية التي يتحرك الأشخاص في نطاقها والتي تساهم في صنعهم، بقدر ما يساهم الأبطال الإيجابيون في صنعها وإعادة تكوينها، واللغة الوصفية المحددة والواضحة الدلالة، والرسالة التبشيرية التي لا تخفى على القارئ، أي أن الصراع الذي يخوضه هؤلاء الأبطال ضد القوى الأجنبية والاستعمارية، وضد الاستبداد الداخلي والاقطاع سينتهي - رغم قسوته- بهزيمة كل ذلك الشر، وتحرر الوطن والإنسان. وكان هذا الأدب الواقعي نقلة جديدة في مسار الأدب المصري، واستجابة طبيعية للمرحلة التي ظهر فيها".

على عكس التصورات الذاهبة إلى تشدد الرقابة في سنوات ما قبل 1952، يرصد الكاتب الكبير بهاء طاهر بروز ما يعتبره تياراً واقعياً في كتابة الرواية، لم يغفل "فساد النظام الملكي الإقطاعي الذي كان الملك فاروق رمزاً لكل انحلاله"

لكن هذا "التبشير" لم يكن يتصل بشخص الملك نفسه أو يعرض له. كان فاروق غائباً عن المشهد الأدبي نفسه. أما عقب 1952، فكان حضوره سواء بالرمز أو الإشارة المباشرة، مختزلاً فيما أملته طبقة الحكم الجديدة من قواعد ومحاذير استهدفت من خلالها إعادة تشكيل صورة مصر في المرحلة السابقة على حكمها، كما ترصد مجموعة من الدراسات الصادرة عن الجامعة الأمريكية في مصر تحت عنوان "إعادة تصور مصر في الفترة الممتدة من 1919 إلى 1952".  

البداية: جثة

بالعودة إلى "فاروق الأخير"، أحدث الروايات الصادرة حول شخص الملك، نجد أنها لا تبتعد كثيراً عن الروايات التي سبقتها وتعرضت ترميزاً أو صراحة إلى شخصية الملك الذي تولى الحكم شاباً وسيماً وغادره كهلاً مترهلاً مريضاً، إذ كانت عقيدة الكاتب السياسية ورؤيته للسياسة قبل 1952 هي محور التأسيس الذي تناول من خلاله شخصية فاروق.

تفتتح الرواية بمشهد يصور عودة الملك فاروق لمصر جثماناً ينتظر مواراته الثرى. ويبدأ الكاتب بصياغة خبر حول موافقة السُّلطات المسؤولة في "الجمهورية العربية المتحدة" على طلبٍ تقدمت به أسرة فاروق ملك مصر السابق لكي يُدفَن فيها، وقد صدرت هذه الموافقة "تعبيراً عن سماحة الشعب في الجمهورية العربية المتحدة، ورحابة نظرته الإنسانية". إن أرض مصر التي ضاقت بفاروق ورفضته ملكاً تتسع له أمام خالقهم الذي يملك وحده بعد الموت حساب خطاياهم.

تعود الرواية بعد هذا المشهد الافتتاحي إلى روما، إيطاليا، حيث تمر ساعات فاروق الأخيرة في منفاه. "الطقس لم يكن جيداً هذه الليلة، رغم اقتراب موسم الربيع. اكتمال القمر بدراً لم يشفع للسماء التي كانت مظلمة، مثقَلة بسحبٍ كثيفة تنذر باحتمال سقوط أمطار، تيارٌ قويٌّ من الهواء تحرك من جهة مبنى الفاتيكان شرقاً، اخترق شارع أوريلا أنتيكا، مسبباً صوتاً أقرب لعاصفة خفيفة، مؤكِّداً على تلك البرودة السارية في أوصال المدينة الإيطالية العريقة، رغم ذلك كان الزحام واضحاً أمام القطعة رقم 270، تحديداً أمام المطعم الشهير الذي يحمل لافتة فخمة مكتوب عليها بخط لاتيني أنيق: إيل دي فرانس. شرع فاروق في تناول الكعكة حتى نصفها، ثم تناول خمس موزات أعقبها خمس تفاحات، وجرع كأس البرتقال على دفعتين. أسند ظهره على المقعد وهو يتنهد بصوت مسموع، كأنه أنهى للتو سباق ماراثون طويلاً، ثم مات فاروق وهو يحاول أن يجمع أنفاسه".

تطرح الرواية هنا الصورة التي راجت عن موت فاروق، عن شراهته للطعام التي أدت إلى حتفه، ثم تنتقل منها إلى تناول الشائعة التي تفيد بإقدام النظام المصري الحاكم بقيادة جمال عبد الناصر بقتل فاروق عن طريق دس السم في طعامه، وتتخذ من التشكيك في حقيقة الادعاءات الخاصة بوفاة فاروق بطريقة طبيعية محوراً لحبكتها، إذ تواصل العودة من تلك اللحظة لتناول رحلة فاروق في حكم مصر، ثم تعود إلى تناول صباه، فطفولته "العامرة بالصراعات".

يقول الكاتب منتصر أمين لرصيف22: "هناك ميزة كبيرة للرواية التي تتكىء على حوادث تاريخية؛ وهي أن المصائر قد تقررت والحيوات انتهت والتاريخ قد حكم. حينها يمكن للفنان أن يجد الأرض ممهدة أمامه ليصوغ وجهة نظره، كون التاريخ قد وضع البداية والنهاية في معظم الأحيان. فعلى الكاتب أن يجوس في تلطف وعمق بل تلصص في أحيان أخرى خلال العلاقات البشرية في التاريخ. وهذا ما حاولت فعله في "فاروق الأخير". حاولت التوغل في نفسية الفتى الصغير الذي ورث عرش أكبر دولة في الشرق والتغيرات التي أصابته خلال فترة حكمه من خلال تأثره بمن حوله من أشخاص وحاشية".

ويواصل: "ما دفعني للكتابة عن فاروق هو أهمية الفترة التاريخية التي عاصرها؛ هي فترة مفصلية فارقة في تاريخ مصر المعاصر بل والمنطقة بأسرها. قبل فاروق كانت مصر مملكة وبعده صارت جمهورية، المنطقة أيضاً تغيرت بشكل ضخم فظهر الكيان الصهيوني في فلسطين وتغيرت الحدود بين الدول، الخلاصة كانت فترة تحولات هائلة ما زلنا نعاني من آثارها حتى الآن".

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard