"حروب الجوع"... ماذا يقول لنا التاريخ عن جدوى العقوبات الاقتصادية؟

السبت 23 يوليو 202211:25 ص

"العقوبات" ممارسة مألوفة في العالم. التاريخ يشهد على الحروب الاقتصادية وعمليات الحصار البحري أو ما يُعرَف بـ"حروب الجوع". صفحاته تروي كيف تلجأ الإمبراطوريات والدول العظمى إلى هذه الوسائل العقابية من أجل إخضاع دول وشعوب أخرى لسلطتها أو فرْض الإملاءات عليها.

"الحصار القاري" الذي فرضه نابليون بونابارت على بريطانيا، مطلع القرن التاسع عشر، لم يكن أولى الممارسات العقابية. أما التدابير الواسعة النطاق التي يفرضها الغرب على روسيا بسبب حربها في أوكرانيا، فلن تكون مسك ختامها.

وفي مختلف فصوله، يُظهر التاريخ أنه بقدر ما تُحَقِّق العقوبات غاياتها في بعض الحالات، بقدر ما تفشل وتظهر محدوديتها أو نتائجها العكسية في حالات أخرى.

حصار... وحرب

من شأن الحصار المُحْكَم، وما يعنيه من قطع تام لخطوط الإمداد والتجارة، أن يحرم الدولة أو المدينة المستهدَفة من استيراد الحاجات الأساسية، لا سيما المواد الغذائية، ومن تصدير منتجاتها. ومع مرور الوقت، يصبح الاستسلام خياراً ممكناً، أو قد يكون الحصار بمثابة عامل مساعد على اندلاع الحرب، لأن الجوع والأرض المحروقة والنكسات الاقتصادية، كلها أمور تتداخل مع بعضها لتساهم في إضعاف إمكانات الدولة المحاصَرَة وتحد من قدرتها على إطعام جيشها، لتواجه بالتالي هزيمة لا مفر منها.

ليبيا 1802

من الأمثلة التي تُعْتَبر ناجحة في التاريخ، هناك حصار طرابلس الغرب الذي فرضته القوات البحرية الأمريكية عليها، بين عامي 1802 و1804، من أجل وضع حد لعمليات القرصنة التي كانت تستهدف التجار الأمريكيين في البحر المتوسط وقبالة السواحل الليبية.

هذا الحصار وما رافقه من عمليات عسكرية، جعل ميزان القوى يميل لصالح الولايات المتحدة، فانتهى الصراع بخضوع حاكم ليبيا آنذاك، يوسف كرمنلي، لشروط أعدائه، وبتسوية ملائمة في المحصّلة للمصالح التجارية الأمريكية، على حد ما تظهره دراسة للباحثة Paule Arnaud-Ameller، عن حالات نجاح وفشل بعض عمليات الحصار في القرنين التاسع عشر والعشرين، نُشِرَت سنة 2004.

خسائر بيونيس آيرس

الحصار الذي فرضته إمبراطورية البرازيل على بيونيس آيرس خلال ما يعرف بـ"حرب السيزبلاتين" مع الأرجنتين، في عشرينيات القرن التاسع عشر، يُعتَبَر كذلك من التجارب الناجحة نسبياً.

في مساهمة لها بعنوان "حرب الجوع"، في كتاب "قصة الحرب، من القرن التاسع عشر حتى أيامنا" Une histoire de la guerre, du XIXe siècle à nos jours، الصادر في باريس سنة 2018، تؤكد الباحثة هيذر جونزHeather Jones، أن هذا الفعل العقابي أدى إلى عواقب اقتصادية قاسية على الحركة التجارية للمدينة الأرجنتينية، بغض النظر عن نتائج تلك الحرب على الطرفين معاً وعن مخرجاتها.

حصار ألمانيا وحرب الغواصات

خلال الحرب العالمية الأولى، أثبتت الحرب الاقتصادية وعمليات الحصار خطورتها في أكثر من مكان: كانت وسيلة معتمدة من المعسكرَيْن المتحاربَيْن.

وكانت بريطانيا وفرنسا سبّاقتيْن في إلحاق الضرر بالاقتصاد الألماني لأن الحصار البحري الذي فرضتاه عليها بدأ يساهم اعتباراً من عام 1915 في عزل ألمانيا وحرمانها من استيراد المواد الغذائية والأوليّة.

في المقابل، أتى الرد موجعاً عندما فرض الألمان حصاراً على بريطانيا بواسطة "حرب الغواصات" في السنة نفسها. المعاناة كانت متبادلة ومفصّلة على قياس حاجة كل منهما للاستيراد والتصدير، لكن تبيّن، بحسب ما ورد في كتاب كتبه لانس دايفيس Lance E. Davis وستانلي إنغرمانStanley L. Engerman، بعنوان "الحصار البحري في السلم والحرب: تاريخ اقتصادي منذ عام 1750" Naval Blockades in Peace and War: An Economic History since 1750، وصدر عن جامعة كامبردج سنة 2006، أن تأثير حصار الغواصات على بريطانيا لم يكن على نفس القدر من تأثير الحصار التقليدي الذي فرضته بريطانيا وفرنسا على ألمانيا.

فالأخيرة عانت من أوضاع اقتصادية "مأساوية" اعتباراً من نهاية 1916، في حين أن البريطانيين اتخذوا مع حلفائهم تدابير حماية ساهمت في الحد نسبياً من هجمات الغواصات، كما ورد في كتاب "تاريخ القرن العشرين، 1900-1939" Histoire du vintième siècle, 1900-1939، الصادر في باريس سنة 1986، لكل من سيرج برستاين Serge Berstein، وبيار ميلزا Pierre Milza.

ولم تنحصر عواقب حصار ألمانيا في الوضع الاقتصادي والإنساني وحسب، بل شملت إمكانات الجيش الألماني الذي عجِز عن توفير قطع غيار ضرورية لآلياته وعرباته، مما أدى إلى تباطؤ خطوط إمداده حتى بالغذاء، حسبما أوضحت هيذر جونز.

الحرب الأهلية الأميركية

ليست كل عمليات الحصار البحري فعّالة في تاريخ العلاقات الدولية المعاصر. أو بالأحرى، ثمة تجارب تُعْتَبر فعاليتها موضع سجال بين المؤرخين، على غرار تجربة الحصار البحري خلال الحرب الأهلية الأمريكية بين عامي 1861 و1865.

ذلك الحصار فرضته الولايات المتحدة (الشمالية) على الولايات الجنوبية الـ11 التي أعلنت الانفصال، مُشَكِّلةً ما عرِفَ بـ"الولايات الكونفدرالية الأمريكية". ثمة سردية تؤكد على إسهام الحصار البحري الإستراتيجي لولايات الجنوب في "خنقها" اقتصادياً وهلاك جيوشها إلى درجة أن جنودها اضطروا لخوض الحرب وهم "حفاة"، وفق ما جاء في كتاب دايفيس وإنغرمان.

"‘العقوبات’ ممارسة مألوفة في العالم. التاريخ يشهد على الحروب الاقتصادية وعمليات الحصار البحري أو ما يُعرَف بـ"حروب الجوع". صفحاته تروي كيف تلجأ الإمبراطوريات والدول العظمى إلى هذه الوسائل العقابية من أجل إخضاع دول وشعوب أخرى لسلطتها"

لكن ثمة سردية مخالفة تقلل من تأثيره وتنفي أي دور له في هزيمة ولايات الجنوب، استناداً إلى معطيات تظهر أن نسبة غير بسيطة من السفن البخارية التابعة للانفصاليين كانت تتمكن من خرق الحصار، وفق ما ورد في بحث لكل من بريم بونر Brem Bonner وبيتر ماكورد Peter McCord، نشرته مجلة The North Carolina Historical Review، في تشرين الأول/ أكتوبر 2011، تحت "عنوان إعادة تقييم فعالية حصار الاتحاد في الحرب الأهلية"Reassessment of the Union Blockade's Effectiveness in the Civil War.

الالتفاف على الحصار

نجاحات التدابير العقابية هنا والسجالات بشأنها هناك، تقابلها محدودية مؤكدة لتجارب أخرى. فالطرف المستهدَف لا يمكنه تجنُّب الخسائر، إنما التخفيف من وقْعها فقط، كأنْ يتمكن من الالتفاف على الحصار بواسطة عمليات التهريب أو خطوط إمداد قد توفرها له دول حليفة ومجاورة عبر الحدود المشتركة أو من خلال فتح جسر جوي، ناهيك عن سيطرته المحتملة على شواطئ ومنافذ بحرية جديدة، في حالة الحرب، أي إذا وسّع نطاق احتلاله لأراضي الغير.

الأمثلة على ذلك عديدة. ولعل التجربة الأكثر دلالة على محدودية العقوبات، والتي تشبه بضخامتها تجربة العقوبات الغربية الراهنة على روسيا، هي تجربة "الحصار القاري" الذي فرضه الإمبراطور الفرنسي نابليون بونابارت على بريطانيا، رداً على الحصار البحري الذي فرضته الأخيرة على سواحل استراتيجية في غرب فرنسا، خصوصاً في بدايات القرن التاسع عشر.

يندرج ذلك في سياق ما يُسمّى بحروب الثورة الفرنسية والحروب النابليونية بين عامي 1792 و1815. أُعلن عن "الحصار القاري" من برلين في 21 تشرين الثاني/ نوفمبر 1806، بهدف منع أي تبادل تجاري بين بريطانيا وجميع الأراضي الخاضعة للسيطرة الفرنسية وأراضي حلفاء فرنسا. ولجأ نابوليون إلى هذا الخيار لأنه كان عاجزاً عن فرض حصار بحري على بريطانيا، كما يشير الباحث باتريس غينيفاي Patrice Gueniffey، في مساهمته عن "الحروب النابليونية" في "قاموس الحرب والسلم" الصادر بالفرنسية عام 2017.

كان الأمر يتعلق فعلياً بحرب اقتصادية شاملة ممتدة من نابولي الإيطالية مروراً بلشبونة البرتغالية وصولاً إلى سانت بطرسبورغ الروسية. أما الغاية النهائية فكانت تتمثل في خنق المملكة المتحدة اقتصادياً من أجل "تركيعها". لكن الأخيرة كانت تتحكم بالبحار، فلجأت إلى تدبير عقابي جديد، هو بمثابة رد على الرد. فقد قررت، اعتباراً من 11 تشرين الثاني/ نوفمبر 1807، منع جميع السفن غير البريطانية من أن ترسو في مرافئ القارة الأوروبية.

خطوة بريطانيا كانت تعني تحويل مناطق سيطرة فرنسا إلى "صحراء اقتصادية" وحرمان أوروبا من المواد الغذائية المستوردة من القارتين الأمريكيتين، كالقطن والسكر والبن...، بحسب ما ورد في مقالة كتبها بيار براندا Pierre Branda بعنوان "التداعيات الاقتصادية للحصار القاري".

هذا التصعيد قوبل بمزيد من التشديد للحصار القاري، إذ قرر نابليون في 17 كانون الأول/ ديسمبر 1807، أن أي سفينة أجنبية تواصلت مع سفن بريطانية أو رست على مرفأ بريطاني، تُعَامل بوصفها إنكليزية مع احتمال مصادرة حمولتها من قبل الجمارك الفرنسية.

تداعيات "الحصار القاري"

في النتيجة، أدى "الحصار القاري" إلى نتائج سلبية على الاقتصاد الفرنسي والأوروبي عموماً. كل هذه التدابير العقابية قلّصت من إمكانية استيراد المواد الغذائية والأولية معاً، مما عرّض القطاع الصناعي الفرنسي لأزمات، لا سيما صناعة النسيج. كما أدت إلى تراجع الصادرات الفرنسية خارج أسواق القارة الأوروبية.

بين عامي 1810 و1811، واجهت أوروبا أزمة اقتصادية حادة. في باريس وحدها، "أفلست 1400 شركة نسيج من أصل 1700، و40% من العمال عانوا من البطالة".

صحيح أن الحصار لم يؤدِّ إلى "دمار شامل" وأن الصناعة الفرنسية تميّزت نسبياً بالقدرة على الصمود، لكن نابليون لم يكن قادراً على تجاهل التداعيات السلبية للحصار. فقرر تخفيف القيود من خلال منح إجازات محددة لاستيراد المواد الغذائية والأولية فقط من الخارج، وليس المنتجات الصناعية التي ظلت موضع حظر مطلق، وفق ما يشرح براندا.

عمليات التهريب

الهدف الآخر من هذه الليونية كان يتمثل في محاولة احتواء عمليات التهريب التي انتشرت على نطاق واسع في كل مناطق السيطرة الفرنسية، من إيطاليا، مروراً بالأراضي الفرنسية نفسها، وصولاً إلى شمال ألمانيا.

لم يتمكن نابليون، رغم كل التدابير الأمنية والقضائية التي اتخذها، من وضع حد لعمليات التهريب، حتى عبر نقاط الجمارك الرسمية. في مساهمة بعنوان "نابليون وأوروبا والحصار القاري: التطبيق وردود الفعل انطلاقاً من دراسة عن ثلاث مدن ساحلية: بوردو وهامبورغ وليفورنو"، في كتاب "نابليون وأوروبا: مؤتمر لاروش سور يون" Napoléon et l'Europe: Colloque de La Roche-sur-Yon الصادر سنة 2002 عن المنشورات الجامعية في مدينة رين الفرنسية، تشرح الباحثة سيلفيا مارزاغالي Silvia Marzagalli، دينامية التهريب والتزوير بقولها إن "سدس السكان في هامبروغ وليفورنو" كانوا يعيشون بفضل مداخيل عمليات تهريب البضائع عن طريق الالتفاف على الجمارك.

"في مختلف فصوله، يُظهر التاريخ أنه بقدر ما تُحَقِّق العقوبات غاياتها في بعض الحالات، بقدر ما تفشل وتظهر محدوديتها أو نتائجها العكسية في حالات أخرى"

أما شبكات المهربين، فكانت تلجأ إما إلى ترهيب عناصر الجمارك، وصولاً إلى تصفيتهم أحياناً، أو إلى إغرائهم بواسطة الرشوة، خصوصاً أن رواتبهم كانت متدنية، الأمر الذي عزز نزعة الفساد لديهم. حتى القضاة كانوا يمتنعون عن إصدار أحكام من شأنها المس بكبار التجار المهربين، كونهم من الوجهاء، أو لأن هناك صلات عائلية بين القضاة وهؤلاء التجار.

لم تستهدف العقوبات إلا صغار المهربين أو مَن كانوا يضحّى بهم ككبش فداء. كذلك، كان ضبط عمليات التهريب على سواحل وشواطئ القارة الأوروبية بمثابة مهمة شاقة وشبه مستحيلة بسبب طولها. فلم يكن هناك عدد كاف من العناصر الأمنية للاضطلاع بهذه المهمة على أكمل وجه.

هذا التهريب لم يكن من طرف واحد، من داخل القارة الأوروبية. بل كان هناك تواطؤ بين التجار المحليين والبريطانيين الذين أرادوا تجنّب الخسائر الناتجة عن تراكم منتجاتهم، فتعمّدوا تنظيم عمليات تهريب من جانبهم أيضاً، مستخدمين مثلاً جزيرة هليغولاند الواقعة في بحر الشمال والقريبة من الدنمارك وألمانيا. الصفقة كانت تقضي باستخدام هذه الجزيرة للالتفاف على "الحصار القاري"، عبر إدخال البضائع والمواد الغذائية إلى الداخل الأوروبي، مقابل مدّ بريطانيا بمواد كانت تحتاجها، لا سيما الذهب والفضة، بحسب ما ورد في كتاب الباحث ماثيو دي أوليفيرا Matthieu De Oliveira، تحت عنوان "طرق المال: الشبكات والتدفقات المالية من باريس إلى هامبورغ: 1789-1815"Les routes de l’argent: Réseaux et flux financiers de Paris à Hambourg 1789-1815، الصادر في باريس سنة 2011.

ما هو أخطر من كل ذلك يتمثل في خروج روسيا القيصرية من "الحصار القاري" الذي فرضه نابليون على بريطانيا، لأنه لم يكن يلائمها، وأثر سلباً على مصالحها التجارية. وإصراراً منه على إقفال حدود أوروبا أمام "العدو" البريطاني، شن نابليون حملة عسكرية ضد روسيا عام 1812، في مجازفة مكلفة وفاشلة، أدت في إلى هزيمة فرنسا نهائياً عام 1815 أمام كل من روسيا والنمسا وبروسيا وبريطانيا.

الحرب العالمية الثانية

"سلاح الجوع" استُخدِم مجدداً خلال الحرب العالمية الثانية. أحد الميادين التي استُخدِم فيها، لا بل أهمها، كان في أوروبا، حين قررت بريطانيا فرض حصار شامل على ألمانيا النازية. لكن نجاح الألمان في احتلال هولندا وفرنسا والنرويج أتاح لهم الاستيلاء على مرافئ والاستفادة من طرق بحرية وهم بمنأى عن الألغام البحرية البريطانية في بحر المانش وبحر الشمال. بمعنى آخر، كان حصار ألمانيا بعد 1939، يفتقر للفعالية التي اتسم بها حصارها في الحرب العالمية الأولى، وفق ما تؤكد الباحثة هيذر جونز.

حصار برلين... والعقوبات على إيران

"الحصار القاري" لم يكن النموذج الوحيد في التاريخ الذي أظهر أن العقوبات قد لا تدفع الطرف الذي تستهدفه إلى الاستسلام، وأن سبل الالتفاف عليه ممكنة دوماً.

ثمة أمثلة أخرى في هذا الصدد، من بينها "حصار برلين" الذي فرضه الاتحاد السوفياتي، من 24 حزيران/ يونيو 1948 إلى 12 أيار/ مايو 1949. أراد السوفيات عزل مناطق سيطرتهم عن تلك التي كان يسيطر عليها الغربيون، لكن الأخيرين التفوا على الحصار بواسطة الجسر الجوي.

بالعودة إلى تحليل الباحثة Paule Arnaud-Ameller، يتبيّن أن الدول الغربية، نظمت أكثر من 277 ألف رحلة إمداد جوي إلى برلين التي تلقت في المحصلة أكثر من مليوني طن من الإمدادات.

ولعل التجربة الإيرانية ذات صلة أكثر بمسألة العقوبات على روسيا، ومليئة بالدروس والعِبَر. حتى الآن، لم تردع العقوبات إيران. فهي تواصل برنامجها النووي، كما تواصل تطوير صواريخها الباليستية وتمعن في سياستها التوسعية في الشرق الأوسط.

تستفيد طهران من شراكات مستمرة مع دول صديقة لها وقريبة جغرافياً من منها، مثل الهند والصين وروسيا، وحتى مع الاتحاد الأوروبي، من أجل التخفيف من حدة العقوبات الأميركية عليها.

وتَشْتَهِر إيران بقدرتها على الالتفاف على العقوبات الغربية بواسطة "نظام مالي سري" يوفر لها مليارات الدولارات وتديره شركات وهمية في الخارج. هذا "التحايل" على العقوبات المالية الأميركية يظهر "محدوديتها"، بحسب ما كشفته مؤخراً صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية.

وهناك مخاوف جدية في الغرب من إمكانية استفادة موسكو من خبرة طهران في احتواء التدابير التي تستهدفها.

الحصار الغربي ضد روسيا

رداً على الحرب في أوكرانيا، تفرض 35 دولة عقوبات على روسيا، تتجاوز في كميّتها تلك المفروضة على إيران أو على كوريا الشمالية وتتراوح بين تدابير فردية ودبلوماسية وأخرى اقتصادية وتجارية.

بدلاً من دخول الحرب مباشرةً، أو تمهيداً لإعلانها ربما، تواجه روسيا "حصاراً غربياً" يُراد منه "خنق" الاقتصاد الروسي. هي حرب اقتصادية يشنها الأوروبيون والأمريكيون ضد نظام فلاديمير بوتين، مع حرصهم على عدم تحويلها إلى "حرب جوع" ضد الشعب الروسي.

يطال الاستهداف القطاع المصرفي والحظر الجزئي على نظام "سويفت" (SWIFT). ويشمل قطاع النفط والغاز في ظل وجود إرادة فعلية لإنهاء الاعتماد الأوروبي على الغاز الروسي. ثمة أيضاً حظر للطيران المدني الروسي، ومنع لتصدير معدات صناعية ثقيلة ومواد تكنولوجية متطورة مفيدة لنمو الاقتصاد الروسي أو للصناعات العسكرية، ناهيك بوقف استيراد مواد روسية عديدة، كبعض المعادن والذهب.

الهدف يتمثل في حرمان نظام بوتين من الموارد وإضعاف إمكاناته، العسكرية خصوصاً، على أمل أن يدفعه ذلك إلى وقف غزوته الأوكرانية، وردعه عن توسيع نطاق الحرب أو القيام بمغامرات أخرى خارج حدود الاتحاد الروسي في المستقبل.

من المبكر التنبؤ بنتائج هذه الحرب الاقتصادية. يأمل الغربيون أنْ تَظْهَر عواقبها على روسيا في المدى المنظور، معتبرين أن الصمود الاقتصادي الذي تبديه موسكو مؤقت. لكن ماذا لو كرر التاريخ نفسه وأظهر محدودية العقوبات الغربية على نظام بوتين، ناهيك بنتائجها العكسية؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard