"تشرب الأفاعي معنا"... تونسيون محرومون من حقهم في الماء

الجمعة 22 يوليو 202212:49 م

"أعيش وعائلتي منذ ثماني سنوات، في منطقة الحي الشمالي في معتمدية (حكم محلي) جلمة، في محافظة سيدي بوزيد (وسط غرب)، من دون التمتع بالماء الصالح للشرب الذي أحصل عليه بواسطة جرّار يأتي به من بئر عميقة تبعد عن جلمة نحو 4 كيلومترات، بثلاثين ديناراً للخزان الواحد"، يقول عثمان الجمالي لرصيف22.

يعمل عثمان (48 سنةً)، عامل بناء وهو أب لثلاثة أطفال، ويحاول بأجره اليومي الضعيف (30 ديناراً)، أن يوفر جميع احتياجات أسرته بما فيها الماء الصالح للشرب، فيضطر إلى تقسيم هذا الخزان بين الاستعمال المنزلي من طهي وشرب وغسل وتنظيف، وبين الري والحيوانات.

تسكن منطقة الحيّ الشمالي مئتا عائلة تقريباً، وهي تعاني من الحرمان التام من الماء، علماً أن الشركة التونسية لاستغلال وتوزيع المياه (حكومية)، بدأت قبل ثلاثة أعوام بأشغال مدّ المنطقة بشبكة المياه الصالح للشرب، وأقامت الأنابيب ولكنها لم تكمل المشروع بسبب إشكال مع البلدية حول استكمال إحداث طريق في المنطقة، يضيف عثمان.

"مضحكات مبكيات"

تلجأ كافة الأسر إلى شراء خزانات المياه لتلبية حاجاتها من الماء الصالح للشرب، وتتضاعف معاناتها مع حلول فصل الصيف ودرجات الحرارة القياسيّة، وتتفاقم معها معاناة الأطفال الذين يضطر عدد منهم إلى عدم الذهاب إلى المدارس عند انتهاء كميات المياه لدى عائلاتهم، ويرضخون للأمر الواقع الذي يعيشونه.

"لكن، ومن المفارقات المضحكة، أن أنبوباً كبيراً يشقّ منطقتنا (الحي الشمالي)، وينقل مياه الشرب إلى محافظة صفاقس (الوسط الشرقي)، بينما نُحرم منه نحن"، يختم.

نبقى في منطقة الحيّ الشمالي، ومع المواطن عبد المعز حبلاني (47 عاماً)، وهو الآخر عامل بناء وأبٌ لخمسة أبناء يسكن قبالة السكة الحديدية في جلمة حيث وصلت الشبكة التي لم تُستكمل، "إنها من المضحكات المبكيات"، يقول لرصيف22.

من المفارقات المضحكة، أن أنبوباً كبيراً يشقّ منطقتنا (الحي الشمالي)، وينقل مياه الشرب إلى محافظة صفاقس (الوسط الشرقي)، بينما نُحرم منه نحن

بدوره، يقتني عبد المعز خزّان مياهاً بثلاثين ديناراً تكفيهم لمدة تتراوح بين أسبوع وعشرة أيام، "ولأني عامل بسيط لا أتمكن أحياناً من شراء الماء، فيضطر أولادي إلى عدم الذهاب إلى المدرسة بثياب متسخة ومن دون اغتسال"، يضيف.

أوضاع معيشية صعبة

يُعدّ ثمن خزان المياه الواحد (30 ديناراً)، باهظاً جداً مقارنةً بأوضاع الناس المعيشية الصعبة وحرمانهم من مصدر رزق ودخل قارّيْن، وتقسم أسرته مياه الخزان كذلك بين الريّ والاستعمال المنزلي والحيوانات، "فبالكاد تكفينا".

"نضع مياه الخزان في ماجل (حوض مياه)، ما يؤثر على جودته، كما نتعرض، خاصةً في فصل الصيف وتسجيل درجات حرارة قصوى، لهجوم أفاعٍ تشتمّ رائحة الماء وتبحث عن أماكن باردة تركن إليها. للأسف هذا واقعنا"، يؤكد حبلاني.

"نعيش في مجتمع يصمت عن الحقوق المشروعة من ماء وكهرباء وسكن، بالرغم من أنها ليست امتيازاً. بالنسبة لي، الأهم أن يوفروا لنا الأكل والشرب والسلام. أجري اليوميّ ثلاثون ديناراً، فهل أعمل وأكدّ لأوفر قوت صغاري أو أتوقف عن العمل وأعتصم؟ لقد جوَّعُونا بالفعل وربّي يقدّر الخير فقط"، يختم.

يعاني أكثر من 300 ألف مواطن تونسي من غياب الرّبط بالمياه الصالح للشُّرب، وعدم ربط 1،415 مدرسةً بشبكة الشركة التونسية لاستغلال وتوزيع المياه، أي ما يقارب ثلث العدد الإجمالي للمؤسسات التربوية في البلاد

تعمل منظمات تونسية غير حكومية مستقلة عدة، في مجال الدفاع عن الحق في المياه الصالحة للشرب في مختلف مناطق البلاد، ومن بينها المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية الذي تأسّس سنة 2011، ويُعنى بالدفاع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية على المستويين الوطني والدولي.

وفق آخر أرقام المنتدى، يُحدَّد نصيب الفرد الواحد من الماء في تونس اليوم بأقل من 400 متر مكعب في السنة، وهي "نسبة مرشحة للنقصان في الأعوام المقبلة إلى 350 متراً مكعباً سنوياً، أي أقل بـ50 في المئة من الكمية التي توصي بها منظمة الصحة العالمية، والمتراوحة بين 750 و900 متراً مكعباً سنوياً".

سجل المصدر ذاته معاناة أكثر من 300 ألف مواطن تونسي من غياب الرّبط بالمياه الصالح للشُّرب، وعدم ربط 1،415 مدرسةً بشبكة الشركة التونسية لاستغلال وتوزيع المياه، أي ما يقارب ثلث العدد الإجمالي للمؤسسات التربوية في البلاد.

كما تتفاوت نسب الربط بالشبكة بين مناطق البلاد، فتتراوح بين 28% و44% في محافظات الوسط الغربي، بينما تصل إلى 100% في العاصمة والمحافظات الساحلية.

خريطة العطش

توضح الممثلة عن قسم العدالة البيئية في المنتدى، رحاب مبروكي، أن القسم يقوم بحملات مناصرة من أجل الدفاع عن حق جميع التونسيين في الماء الصالح للشرب، وبالجودة المطلوبة، "وهو ما نعدّه واجباً على الدولة التونسية، فهي المسؤول الوحيد عن توفير هذا الحق". كما يتولى هذا القسم، عبر الزيارات الميدانية، رصد التحركات الاحتجاجية للسكان للمطالبة بحقهم في الماء.

"نضع مياه الخزان في ماجل (حوض مياه)، ما يؤثر على جودته، كما نتعرض، خاصةً في فصل الصيف وتسجيل درجات حرارة قصوى، لهجوم أفاعٍ تشتمّ رائحة الماء وتبحث عن أماكن باردة تركن إليها. للأسف هذا واقعنا"

تقول مبروكي لرصيف22، إن أشكال التحركات الاحتجاجية تختلف حسب خصوصية كل منطقة، فهناك مناطق تحتج على الانقطاع المتكرر للماء، مثل الحوض المنجمي في محافظة قفصة (جنوب غرب)، بسبب الربط العشوائي وسرقة الماء من قبل بعض المواطنين وشركة فوسفات قفصة "التي تستنزف بشكل كبير ثروات المنطقة المائية"، وبسبب قِدم الشبكات المائية التي يعود إحداثها إلى ثمانينيات القرن الماضي، واهترائها.

كما ثمة أوساط ريفية يحتجّ سكانها بسبب حرمانهم الكلي من الحق في الماء، مثل أرياف القيروان (وسط غرب)، ونابل (الشمال الشرقي)، "التي يشرب بعض سكانها الذين زرناهم من الجمعيات المائية التي تعاني بدورها من إشكالية المديونية الدائمة لدى الشركة التونسية للكهرباء والغاز (حكومية)، والتي تُقطع عن آبارها الكهرباء فيُحرم بذلك السكان من الماء، تضيف.

حرمان تام من الماء

وتشير مبروكي إلى مناطق ريفية عدة في محافظة جندوبة (شمال غرب)، يعاني سكانها من حرمان تام من الماء، ما اضطر كثيرين منهم إلى الشرب من حنفية عمومية وحيدة بعيدة، واستغلالها في كافة احتياجاتهم من طهي وشرب وغسل بالإضافة إلى توفير الماء للحيوانات، بينما لجأ آخرون إلى الشرب من بحيرة بعيدة عنهم ما تسبب في إصابتهم بأمراض جلدية وسرطانية خطيرة.

في تشخيصه للوضعية المائية لتونس، يقول الباحث في المرصد التونسي للمياه رامي بن علي، إن مناخ تونس جاف وكميات الأمطار في الجنوب تكون أقل من 100 ملمتر، بينما تصل إلى 1،500 ملمتر في الشمال، خاصةً في الشمال الغربي، "ما يعني أن إجمالي الموارد المائية السطحية لتونس تُقدَّر بنحو 2.7 ملايين متر مكعب، فيما تناهز المياه الجوفية 2.1 مليون متر مكعب".

والمرصد التونسي للمياه منظمة غير حكومية مستقلة أنشأتها سنة 2016، "جمعية نوماد 08"، وتتولى متابعة السياسات المائية داخل البلاد وبعض المشاريع التي تنجزها الدولة وإصدار خريطة العطش في البلاد، شهرياً وسنوياً.

يوضح بن علي، لرصيف22، أن البلاد التونسية تعاني منذ الماضي البعيد من شح المياه والفقر المائي، "ولكن الشعوب التي مرت تاريخياً عليها نجحت في التكيف مع الوضعية المائية لتونس، ولعل منشأة الحنايا (شبكة قنوات لنقل مياه الشرب والري شيّدها الرومان قديماً في محافظة زغوان شمال شرق تونس)، تقف شاهداً على ذلك، ثم تأتي السدود في مرحلة ثانية".

مسؤولية الدولة

يرى المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، أن الدولة ممثلةً في وزارة الزراعة والشركة التونسية لاستغلال وتوزيع المياه، هي المسؤولة الأولى عن توفير الحق في الماء، ويدعوها "مجدّداً" إلى ضرورة اتخاذ إجراءات جدية وتبنّي إستراتيجيات تراعي حق الجميع في بيئة سليمة وصحية، تؤكد رحاب مبروكي.

ووفق الباحث رامي بن علي، المشكلة تكمن "في السياسات المتبعة في قطاع المياه وعلى رأسها عدم امتلاك الدولة إستراتيجيةً وطنيةً للتصرف في الموارد المائية تأخذ بعين الاعتبار وضعية الشح المائي لتونس، ما أدى إلى تشكل أزمة هيكلية لقطاع المياه، لأن كافة محافظات البلاد تقريباً لديها إشكاليات في الانقطاع المتكرر من الماء".

أما عن المناطق التي تشكو من انعدام تام للمياه الصالحة للشرب، خاصةً الريفية منها، فهذا يدخل في إطار سياسة الدولة في التعامل مع المواطنين في ما يخص مسألة إيصال المياه وتوزيعها، بحسب بن علي.

لوضع حدٍ لأزمة الحرمان من الحق في الماء في البلاد، يقترح المنتدى سعي الدولة إلى ضمان المساواة وتحقيقها بين جميع المواطنين في ما يخص سبل الحصول على الماء الصالح للشرب

ويتابع، "ففي الوسط الحضري لا توجد عموماً إشكاليات كبيرة نظراً إلى قرب التجمعات السكنية وسهولة إيصال الخدمات إليها من قبل الشركة التونسية لاستغلال وتوزيع المياه (حكومية)، التي لديها بالرغم من معاناة شبكتها من مشكلات عدة كالقِدم وعدم الرقمنة".

أما الوسط الريفي، فهو في نظر الشركة الحكومية "مكلِف لأن التجمعات السكنية مشتتة، لذا منحت التصرف للجمعيات المائية ولدينا في تونس نحو 2،500 جمعية مائية منقسمة بين جمعيات مختصة بمياه الشرب وثانية بمياه الري وأخرى تجمع الاثنتين"، يوضح.

والجمعيات المائية منظومة تتولى توزيع المياه وُجدت منذ عهد الاستعمار الفرنسي لتونس، وتمت مواصلة العمل بها حتى ما بعد الاستقلال، وتم سنة 1989 إصدار قانون يتعلق بها، ولكنه يحتوي على ضبابية كبيرة إذ لا يوضح الطرف الذي تخضع له ولا الجهة التي تراقبها، حسب المصدر نفسه.

يشير رامي بن علي، إلى أن المعلوم عن هذه الجمعيات هو طريقة تأسيسها فقط، إذ تتولى مجموعة من الأشخاص في منطقة ريفية معيّنة، بصورة تطوعية، إحداث جمعية، وتمنحهم الدولة حرية التصرف في الموارد المائية الموجودة في منطقتهم.

يقول إنه في الماضي، كان الحزب الحاكم يستعملها كخزّان انتخابي "الماء مقابل أصوات الناخبين"، بينما يوجد في الحاضر إجماع على أن هذه الجمعيات تشكو من مديونية كبيرة جداً لدى الشركة التونسية للكهرباء والغاز، بسبب تخلّف عدد كبير من المواطنين عن دفع ثمن المياه لهذه للجمعيات.

متى تتحقق المساواة؟

لوضع حدٍ لأزمة الحرمان من الحق في الماء في البلاد، يقترح المنتدى سعي الدولة إلى ضمان المساواة وتحقيقها بين جميع المواطنين في ما يخص سبل الحصول على الماء الصالح للشرب، "وهي مساواة تقوم على أساسها مبادئ حقوق الإنسان"، وفق ممثلته رحاب مبروكي.

كما يقترح تطبيق مبدأ العهدة على الملوّث، لحث الشركات الصناعية التي تستنزف كميّات كبيرةً من الماء على الاقتصاد في عملية الاستهلاك وتطبيق العقوبات الردعية على المستوى الجهوي، خاصةً في حالات الربط العشوائي للمياه.    

ويدعو أيضاً إلى عدم إسناد المزيد من الرخص إلى شركات تعليب المياه التي ارتفعت من 6 وحدات سنة 1989، إلى 29 وحدةً سنة 2020، "إذ إن جزءاً كبيراً من المياه المعلَّبة يتم تصديره، ما يُعدّ خرقاً للفصل الدستوري الذي ينص على أن الثروات الطبيعية ملك للشعب التونسي".

يطالب المنتدى بإلغاء منظومة الجمعيات المائية وتعويضها بالشركة التونسية لاستغلال وتوزيع المياه الريفية، نظراً لوجود إشكاليات مالية بخصوص هذه الجمعيات، مثل عدم خلاص ديونها لدى الشركة التونسية للكهرباء والغاز.

ومن الحلول المناسبة التي يقترحها المرصد التونسي للمياه، إرساء وكالة وطنية للتصرف في مياه الري والشرب في الوسط الريفي، بدلاً من الجمعيات المائية، "لأن قطاع المياه في تونس منقسم إلى مؤسسات عدة، وجب توحيدها"، وفق الباحث رامي بن علي.

خريطة وطنية

يدعو بن علي، إلى ضرورة ترتيب الاستعمال في قطاع المياه على مستوى قطاعيّ، وتحديد الأولوية في مجالات الشرب والصناعة والزراعة والسياحة، فـ"على كل قطاع تحديد استعمالات المياه، خاصةً في مجال الزراعة، ولذلك نطالب بخريطة وطنية للإنتاج الزراعي؛ ماذا نزرع؟ وأين؟ وما هي الزراعات التي لا تستغل مياهنا بشكل كبير؟".  

يستشهد المتحدث بوجود مناطق في محافظة نابل والوطن القبلي يعمد مستثمرون فيها إلى زراعات موجهة أساساً نحو التصدير، كالبرتقال، وهي المنتجات التي تستهلك موارد مائيةً كبيرةً لا تكفي لمثل هذه المزارع، خاصةً أن الموارد المائية في هذه الأماكن شبه مستنزَفة بنسبة 120 في المئة، كما يؤكد.

وشدد على ضرورة خلق بديل لوضعية السدود الموجودة، لأنها تمتلك عمراً افتراضياً "وغالبية السدود في تونس انتهى عمرها".

يشار إلى أن رئيس الجمهورية قيس سعيّد، دعا خلال لقائه يوم 18 تموز/ يوليو 2022، وزير الزراعة والموارد المائية والصيد البحري محمود إلياس حمزة، إلى "ضرورة اختيار التوقيت الأفضل للقيام بأشغال تقتضي قطع الماء لمدة محدودة، كما اطّلع على إعادة العمل بمنظومة الجمعيات المائية حتى يتوفر الماء الصالح للشرب لكل المواطنين في كافة مناطق الجمهورية".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard