قمّة إيران الثلاثية في "ميزان المصالح"... ماذا تريد أنقرة وطهران وموسكو؟

الخميس 21 يوليو 202202:18 م

بُعيد أيام قليلة من انتهاء زيارة الرئيس الأمريكي جو بايدن، إلى الشرق الأوسط، ولقائه زعماء المنطقة في السعودية، عُقدت على مدى يومين في العاصمة الإيرانية طهران، قمة أخرى، جمعت رؤساء تركيا وإيران وروسيا في طهران، أمس الأول، في ظل ظروف معقدة يعيشها العالم عموماً، والبلدان الثلاثة خصوصاً، يُضاف إليهم البلد الرابع الغائب الحاضر عن هذه القمة، سوريا، التي كان مسار "أستانة الخاص بها"، أحد أسباب انعقادها، بالإضافة إلى انعقاد أعمال مجلس الأعمال التركي-الإيراني رفيع المستوى.

من جهة، تعيش تركيا ظرفاً داخلياً دقيقاً وحساساً يتعلق بشكل رئيسي بالملف السوري المتصل بالانتخابات الرئاسية والبرلمانية صيف العام المقبل، ومن جهة ثانية، تعيش إيران ظرفاً اقتصادياً صعباً، وعزلةً دوليةً جرّاء عدم التوصل إلى اتفاق في شأن أنشطتها النووية مع القوى الغربية. أما موسكو، فهي تواجه حصاراً دولياً جرّاء شنها الحرب على أوكرانيا منذ شباط/ فبراير الماضي، في معركة كانت تأمل موسكو بأن تحقق أهدافها في أسرع ما يمكن.

ولا يبدو أن الاجتماع الثلاثي جاء رداً على زيارة بايدن إلى الشرق الأوسط، خاصةً مع الجدولة المسبقة لهذه الاجتماعات، إلا أنها في المقابل ربما تشكل متنفساً للخروج من الأزمات الحالية للدول الثلاث.

لا يبدو أن الاجتماع الثلاثي جاء رداً على زيارة بايدن إلى الشرق الأوسط، إلا أنه في المقابل ربما يشكل متنفساً للخروج من الأزمات الحالية للدول الثلاث

ماذا تريد تركيا؟

يأتي حضور تركيا القمة، في ظرف دقيق، إذ إن أنقرة تهيّئ نفسها لعملية عسكرية في شمال سوريا ضد حزب العمال الكردستاني، الذي تضعه على قوائم الإرهاب، وهذه العملية وفق تصريحات المسؤولين الأتراك، تتصل (سواء بشكل مباشر أم غير مباشر)، بمشروع العودة الطوعية الذي أعلن عنه الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، في أيار/ مايو الماضي، وتالياً عودة لأكثر من مليون ونصف مليون سوري خلال الأشهر المقبلة إلى مناطق تسمّيها أنقرة "مناطق آمنةً".

وتدرك أنقرة أنها، بالرغم من قدرتها على استغلال الظروف الدولية الحالية، وامتلاكها القدرات العسكرية واللوجستية لشنّها، في حاجة إلى "عدم ممانعة" دولية وإقليمية للعملية العسكرية على الأقل، وهذا يدفعها إلى الحديث مع أكبر لاعبَين على الساحة السورية اليوم، روسيا وإيران، خاصةً أن أنقرة مصممة على المضي في العملية العسكرية تحت أي ظرف من الظروف، وهذا ما بدا جلياً من التصريحات المتكررة لأردوغان ومسؤولين أتراك.

فتوفير مناطق يعود إليها السوريون اللاجئون في تركيا، يعني سيطرةً أكبر على هذا الملف من قبل الحكومة التركية، وتالياً تخفيف الاحتقان الشعبي قبل الدخول في الانتخابات المقبلة صيف 2023، كما أن هذه العملية العسكرية، تعني تواجداً تركياً أكبر في الشمال السوري، وهو ما يعني تعزيز نفوذ أنقرة في تلك المنطقة، وتعزيز أمنها القومي كذلك.

ويرى الباحث أحمد حسن، في حديثه إلى رصيف22، أن "قرار العملية العسكرية التركية متَّخذ من المرجعيات التركية المعنية بها، سواء البرلمان أو الرئاسة، وما يتم العمل عليهما حالياً، هما الجاهزية والوقت المناسب للاستثمار الداخلي في الانتخابات القادمة".

ويضيف: "هذه الجاهزية تُنفَّذ حالياً وتشمل الجانب الميداني عبر المخابرات والجيش والدعم اللوجستي والتحالفات الداخلية مع الفصائل وتشمل الجانب السياسي مع الدول إذ يتم حشد أكبر نسبة من التوافق الدولي على العملية، وفي حال عدم التوافق، العمل على تحييد الرافضين، وفي حال عدم تحييدهم، العمل على منع الاصطدام بهم في سوريا، وهذا ما يتم حالياً في الاجتماعات التركية الدولية".

الموقف الإيراني

إلا أن المساعي التركية مع إيران في ملف العملية العسكرية لا تبدو سهلةً، إذ إن إيران أعربت عن رفضها للعملية منذ الإعلان عنها، وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، سعيد خطيب زاده، إن بلاده "تعارض أي عمل عسكري واستخدام القوة على أراضي سائر الدول بهدف تسوية الخلافات بين الجانبين وتعدّه انتهاكاً لوحدة أراضي هذه الدول وسيادتها الوطنية"، وذلك في أيار/ مايو الماضي.

تبدي إيران وروسيا والنظام اهتماماً بالعملية التركية في سوريا، لأنها وسيلة ضغط مهمة لإضعاف علاقة قسد بالتحالف الدولي، وتحوّل قسد نحو النظام، ولهذا معظم المشاورات مع تركيا هي لإقناعها بقبول النظام كخيار لاستبعاد قرار العملية

من جهته، يرى الباحث في الشؤون الإيرانية، ضياء قدور، أن "إيران لديها موقف واضح من العملية العسكرية التركية، لكن صدرت عنها تصريحات متناقضة، فمن جهة ترفض العملية العسكرية، ومن جهة أخرى تعلن عن تأييدها عودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم".

اللافت أن البيان الختامي للقمة، وبالرغم من الرفض الإيراني للعملية العسكرية، تضمّن فقرةً واضحةً تتصل بهذا الخصوص، إذ عبّرت الدول الثلاث عن رفضها "جميع المحاولات لإيجاد حقائق جديدة على الأرض السورية بذريعة مكافحة الإرهاب بما يشمل مبادرات الحكم الذاتي غير القانونية والتصميم على الوقوف في وجه الأجندات الانفصالية".

ويقول حسن لرصيف22، إن "إيران وروسيا والنظام يُظهرون اهتماماً بالعملية التركية، لأنها وسيلة ضغط مهمة لإضعاف علاقة قسد بالتحالف الدولي، وتحوّل قسد نحو النظام، ولهذا معظم المشاورات مع تركيا هي لإقناعها بقبول النظام كخيار لاستبعاد قرار العملية".

ويضيف: "لكن تركيا ترى أن هذا الخيار كان ممكناً خارج المنطقة الحدودية مع تركيا، لأن الأمم المتحدة واتفاقية أضنة، لا تتيحان لتركيا التدخل العسكري فيها، ولهذا وافقت على أستانة. أما المنطقة الحدودية، والتي تشمل شرق الفرات وتُعنى بها اتفاقية سوتشي، فلن تقبل تركيا بوصول النظام إليها لأنه خيار يضاعف موجات اللجوء ويمنع العودة وهنا نقطة الخلاف حالياً، إذ ترى تركيا أن إقناع إيران وروسيا بهذا التوجه ممكن للمصلحة المشتركة".

متنفّس إيراني وروسي

أعلن المصرف المركزي الإيراني، في 20 تموز/ يوليو الحالي، عن اعتماد عملتَي الروبل الروسي والتومان الإيراني في المعاملات التجارية بين البلدين

لا يبدو أن تركيا وحدها من تحتاج إلى هذه القمة، إذ إن المشكلات التي تعاني منها روسيا وإيران، تجعلهما مجبرتَين على التعاون مع بعضهما البعض، ويمكن التأكد من هذا الأمر من خلال التقارير الأمريكية الأخيرة التي تحدثت عن شراء موسكو طائرات عسكريةً إيرانيةً من دون طيار "درون"، كما أن التعاون بين الطرفين، يعني متنفساً إيرانياً روسياً في وجه العقوبات الغربية المفروضة عليهما.

وأعلن المصرف المركزي الإيراني، في 20 تموز/ يوليو الحالي، عن اعتماد عملتَي الروبل الروسي والتومان الإيراني في المعاملات التجارية بين البلدين، بدلاً من الدولار الأمريكي، كما أكد أن حجم التبادل التجاري بينهما ارتفع بنسبة 40%.

واللافت أن إيران روّجت، قبل أسابيع، للقمة الثلاثية عبر وسائل إعلامها المحلية، بشكل يوحي بأنه يوازي زيارة بايدن إلى المنطقة، وهو ما يرى الباحث في الشؤون الإيرانية، ضياء قدور، أنه أمر يستفيد منه الطرفان، روسيا وإيران، على حد سواء.

ويضيف: "روسيا تقول للعالم إن لديها مجموعةً من الحلفاء في الشرق الأوسط الذين يمكن أن تعتمد عليهم، وطهران تروّج أنها تحولت إلى مركز للمشاورات السياسية والاقتصادية والعسكرية في المنطقة، لتغطية العزلة التي تعيشها، خاصةً أن الرئيس الإيراني، إبراهيم رئيسي، يعيش في عزلة كبيرة، وهذه القمة متنفس لإرضاء غروره الداخلي وتغطية على فشله في تحقيق المطالب الداخلية التي وعد بها في أثناء الحملة الانتخابية، ولم ينفذها".

في المحصلة، وبالرغم من كل التصريحات الصادرة عن الزعماء الثلاثة، لم يكن الملف السوري حاضراً بقدر ما حضرت مصالح هذه الدول.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard