شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
إعلانات مهرجان جرش... لماذا كل هذا الاستهتار؟

إعلانات مهرجان جرش... لماذا كل هذا الاستهتار؟

رأي

الاثنين 18 يوليو 202206:39 م

اختار الأردنيون أن يضحكوا بدلاً من أن يبكوا على مستوى الرداءة الذي وصل إليه مهرجان جرش للثقافة والفنون، الذي "يحتفل" بعامه الـ36 بعدما ظلّ لسنوات طويلة أهم حدث فني وثقافي في العالم العربي. المهرجان تحوّل اليوم إلى ترند يثير السخرية والضحك بسبب رداءة بوسترات الترويج، الرداءة التي تعدت ردود الفعل عليها الاستغراب والغضب والخجل لتصل إلى الكوميديا الهستيرية.

من الفخر إلى الخجل

الأدق أن نقول إن الأصغر عمراً هم من اختاروا أن يضحكوا لأنهم لم يشهدوا تلك المرحلة الذهبية العظيمة حين كانت أصوات فيروز وماجدة الرومي ونجاة الصغيرة وملحم بركات وصباح فخري تملأ المدرجات بأصداء الأغنيات والسعادة، أمّا جيلي الأربعيني ومن هم أكبر فقد شعروا بمرارة فرضتها الذاكرة السابقة، إذ اضطررنا للمقارنة بين زمنين. والأسوأ أننا شعرنا بالتوجس من مستقبل يسير من سيىء إلى أسوأ، وحاضر يكاد يخلو من المعايير الجمالية لدى الترويج لحدث فني يُفترض به أن يحتفي بالجمال.
الانتقال من الشعور بالفخر إلى الشعور بالخجل ليس مضحكاً، هذا ما عاناه من عرفوا مهرجان جرش بنسخته الحقيقية لا المزيفة.

البطاقة الذهبية في السنوات الذهبية


أذكر في صغري أن كل الأردن كان ينتظر الافتتاح، ينتظر الإعلان عمن سيأتي هذا العام، وعمّا إذا كانت طائرة الملك الراحل الحسين بن طلال ستحط هناك ليفتتح هو المهرجان، وعمّا إذا كانت فرقة باليه موسكو ستأتي، وعمّا إذا كان محمود درويش سيشارك.
لاحقاً، خلال بدء عملي في الصحافة في مطلع الألفية الثانية، تم تكليفي بتغطية المهرجان، لسنوات طويلة كنت أحمل ما هو أثمن من الذهب، بطاقة "صحافي" تخولني الدخول إلى كل الحفلات مجاناً، وكاميرا صغيرة تحسباً في حال أردت التقاط صورة فورية أهم من أن تنتظر وصول المصوّر، فلم تكن الموبايلات تحتوي كاميرات في حينها.

الانتقال من الشعور بالفخر إلى الشعور بالخجل ليس مضحكاً، هذا ما عاناه من عرفوا مهرجان جرش بنسخته الحقيقية لا المزيفة

أذكر تلك السنوات لأنني أريد القول إن الاختيار بين المسرح الجنوبي وبين المسرح الشمالي أو بين الأمسيات الشعرية على مسرح أرتيمس أو بين الفعاليات المجانية في الساحة الرئيسية أو بين الفرق الفنية المشاركة بإرادتها في سبيل الحوريات كان تعباً محبباً إلى القلب، هو أشبه بالاختيار بين علبة حلويات. جميع الفعاليات كانت ممتازة، ومختارة بذائقة عالية، لدرجة أن تفويت واحدة منها قد يشعرك بالخسارة.

الحق على الناس والفنانين، لا على الإدارة والنقابة


أما اليوم فيبدو أن التخريب الذي تعرض له مهرجاننا الأجمل وصل إلى نهايته، إعلانات كالتي ظهرت للترويج لجرش تقول الكثير عن سنوات من تخريبه وتهميشه، عن عدم وجود رقابة جودة، عن غياب الذائقة الجمالية لدى المنظمين، عن محاباة من نوع غريب لمن هم دون الكفاءة المطلوبة.
بمجرد ظهور الإعلان بدأ الناس بتبادل اللينك مع كثير من الضحكات والاستهجان، البوسترات التي ظهر بها المشاركون "قص ولزق" مع خلفية معتمة للمدرج يعرف أي مصمم مبتدئ في المهنة أنها لا تمت بصلة لأبجديات البوسترات. فلا الإضاءة متقنة ولا الألوان ولا الأبعاد مناسبة، ناهيك بأن حجم المغني نسبة إلى الخلفية ضخم بشكل مضحك، والتموضعات الغريبة وغير الموحدة لها زادت الطين بلة.

الحالة وصلت إلى أن كثيراً من خفاف الظل بدأوا بتقليد البوسترات ووضع صورهم أو صور مشاهير عليها، وللأمانة فإن البوسترات المقلدة سببت ضحكاً أكثر بكثير من الأصلية.

رسمياً، نشهد تراشقاً للتهم بين المشاركين في التنظيم، فمن جهة عكس تصريح المدير التنفيذي لمهرجان جرش حالة من إنكار لحق الجمهور بأن يقول رأيه. فقال: "المصمم يعمل موظفاً في وزارة الثقافة منذ حوالي ست سنوات، ومشهود بخبرته بين زملاء المهنة". يمكن ترجمة هذا التصريح بالعامية: "إنتو ما بتفهموا في التصميم ومش رح تعلموا الزلمة شغله".
التصريح لم يأت مقنعاً للجمهور الذي استكمل تعليقاته الساخرة في كل مكان ورد فيه اسم مهرجان جرش، بل يمكن القول إن السخرية صارت تطال كل تصريح جديد.
ثم في تصريح آخر رمى المدير التنفيذي نفسه المسؤولية كاملة على نقابة الفنانين حين قال إن للمهرجان شركاء يتحملون المسؤولية في إشارة إلى النقابة. أما النقابة فألقت اللوم على الفنانين حين صرّحت بأن "الفنانين أنفسهم هم من قاموا بإرسال الصور وبعضهم لم يلتزم بإرسال صور ذات جودة مقبولة".
ثم عادت إدارة المهرجان لتصرح بأن الفنانين المشاركين يتعرضون للتنمر بسبب البوسترات، واضعةً اللوم على الناس بدلاً من تحمل المسؤولية. ولا بد هنا من تسجيل اعتراض على استخدام مصطلح تنمر من الطرف الأقوى تجاه الأضعف.

لعلها المرة الأولى في التاريخ التي تتّهم بها جهة رسمية الشعب بالتنمر عليها! وهي سابقة تُشهد للأردنيين لا لحكومتهم.

الخلاصة أن الإدارة تعهدت بتغيير البوسترات خلال 48 ساعة، وقد مرّت هذه الساعات مع كتابة هذا المقال.
إلى جانب حملة السخرية أو قبلها بأيام جاء انسحاب أهم الفنانين الأردنيين  كمقدمة للرداءة التي ستحدث، وعلى رأسهم الفنان عمر العبدلات الذي اعتذر بسبب "سوء التنظيم" بحسبه، والفنانة ديانا كرزون التي انسحبت بسبب "تهميش الفنان الأردني وغياب الاستقرار عن التنظيم" على حد تعبيرها.

الخراب قديم

الخراب ليس جديداً، فمنذ سنوات هنالك شكاوى من سوء التنظيم لم يتم أخذها بجدية، وشكاوى من التحرش خلال المهرجان لم يتم التعامل معها، وهنالك شكاوى من أهل جرش أنفسهم وعدم استفادتهم كسكان بلدية من المهرجان، ومن احتكار رابطة الكتاب الأردنيين دعوات الشعر التي ظلت لسنوات سابقة تذهب حصراً لمؤيدي النظام السوري من الشعراء سواء المعروفين أو غير المعروفين.
هنالك أيضاً شكاوى قديمة جداً من تهميش الفنان الأردني، ومن فارق شاسع في الأجور بينه وبين زميله العربي.  
مشاركة أسماء عربية بارزة مثل عاصي الحلاني وتامر حسني ومروان خوري ووجود رعاة مهمين من شركات الاتصال والبنوك وسلاسل المطاعم العالمية، كل هذا لم يشفع لإدارة المهرجان في سقطاتها، إذ يبدو أن الجهد الذي تم وضعه في استقطاب التمويل لم يقابله جهد مساوٍ في التنظيم والترويج.

الإدارة تعهدت بتغيير البوسترات خلال 48 ساعة، وقد مرّت هذه الساعات لدى كتابة هذا المقال

خصوصية حدث كمهرجان جرش تأتي بسبب انكشاف أثر سوء الإدارة الفوري للناس وبأن النتائج مفهومة لديهم، على عكس سوء الإدارة الذي يظل مخفياً وغامضاً ولا ندرك تأثيره على حياتنا بشكل مفهوم، أو حين يعجز الناس عن الربط بين القرار والأثر كما في الجوانب الاقتصادية والخدماتية في الأردن.
منذ سنوات، والأصوات تنادي بإصلاح المهرجان وإعادة اعتباره ووزنه العربيين، ومنذ سنوات والأمور تسوء وتتدهور. إذا كان الأردن عاجزاً عن إصلاح مهرجان جرش وهو الأسهل من حيث البنية  الإدارية فهل سنتمكن من إصلاح الملفات الكبرى؟ كالاقتصاد  والمواصلات العامة والصحة والتعليم؟
سؤال برسم الخوف.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

Website by WhiteBeard