"قمت بتحويل أعمال مكتوبة ضد الناس، لتصبح مع الناس"... مسيرة مآسي خيري بشارة

الأربعاء 27 يوليو 202211:00 ص

"قمت بتحويل أعمال مكتوبة بشكل غير جيد ومكتوبة ضد الناس، لتصبح أفضل ومع الناس، وأضحك على المنتج وأقدم فيلماً آخر غير الذي وافق عليه، وهذا يكلفني جهداً كبيراً لم أصل منه للكمال، فأنا أعمل في ظروف سوق ومجتمع ومناخ عام، لذلك أندهش عندما يُقال لي بعد فيلم (كابوريا) عد إلى (الطوق والأسورة)، ما الذي سأقدمه ثانية في هذا الطريق؟ في (كابوريا) أخاطب الناس العادية لأني لم أفقد إيماني يوماً بأن السينما ظاهرة شعبية خُلقت للناس، أقطع تذكرة لأجلس وسط الناس لا أعرفهم في مكان مظلم وأشاهد الفيلم واستمتع".

هكذا يرى خيري بشارة تجربته السينمائية، ذلك المخرج الذي قدم مجموعة من المآسي في أفلامه، حاول بها دائماً أن يصل لكافة أنواع المتلقين، لذا وكما ذكر في المقطع السابق أن أفلامه قد تبدو أحياناً منقسمة إلى جزأين، بين أسلوب "الطوق والأسورة" و"كابوريا"، حيث تتغير طريقة طرح الحكاية وفقاً لنوعية الجمهور بين كل فترة وأخرى، ولكن بالنظر بدقة سنجد مقدماً أن بشارة في بداياته سعى بكل ما في وسعه، بتعاونه مع عدد متنوع من كّتاب سيناريو أمثلة: فايز غالي، على محرز وعصام الشماع وغيرهم... للتعبير عن همومه وهموم جيله.

فبدأ بمزيج بين الشكل الروائي والتسجيلي المأخوذ في الأصل عن نص أدبي، في تجربة فيلمية شديدة الخصوصية وهي "الأقدار الدامية" عام 1982، حيث محاولة لمعالجة النص المسرحي "الحداد يليق بإلكترا" ليوجين أونيل، للتحايل على الرقابة برصد فترة بعد هزيمة 1948، وهو في الأصل مهموم بقضية عصره وأبناء جيله وهزيمة عام 1967، وهو السؤال نفسه نحو الهزيمة المدوية التي شعر بها أحمد الشاذلي، ذلك الشاب، مخرج الأفلام التسجيلية، بطل فيلمه الثاني "العوامة 70"، الذي قدمه أحمد زكي عام 1982.

المخرج خيري بشارة: لم أفقد إيماني يوماً بأن السينما ظاهرة شعبية خُلقت للناس، أقطع تذكرة لأجلس وسط الناس لا أعرفهم في مكان مظلم وأشاهد الفيلم واستمتع

وعلى الرغم من اشتراك كل من الفيلمين في قضية واحدة، إلا أن للثاني نصيباً أكبر في زيادة خبرة بشارة السينمائية، نحو محاولاته المجدية بالتعبير عن أطروحات عدة عن طريق صورته السينمائية، وتوظيف الكيان السينمائي داخل الفيلم، لخدمة هدفه في التعبير عن حلم البطل المفقود، والبحث وراء الحقيقة بالسينما ومن خلالها، والتمسك بالسينما حتى اللحظة الأخيرة، رغم ضياع الحقيقة التي قرر أن يقدمها ملخصة في "فساد قائم داخل محلج قطن"، بينما ما أراده بين المحلج وكاميرا السينما كان أبعد من ذلك بكثير، نحو هزائم وانكسارات جيل كامل، لمس الفساد وشم رائحته في كل شيء، ومنها بقيت السينما في عين البطل هي الحقيقة الوحيدة رغم تذبذب باقي الأشياء والأشخاص من حوله.

وعلى الرغم من أن هذه الأفلام كانت محملة بأفكار شخصية تجاه العدالة الاجتماعية والحريات وخلافه، إلا أنها لم تصل للقدر الكافي من الجمهور الذي طمح مخرجها أن تصل إليهم، ومن هنا بدأ النظر نحو شكل الأطروحة، رغم تشابه القضايا، ومنها أخذ اتجاهاً مغايراً يحمل طابعاً شعبياً أكثر مما سبقه من تجارب، وأدب يحيى الطاهر عبدالله والرواية الشهيرة "الطوق والأسورة"، ذلك الفيلم، ورغم كل ما يحمله من تداعيات وإسقاطات، إلا أن جوهره الأصيل يعتبر ذا فنية أعلى من أي تأويلات خارج حدود بيئته وزمانه، تلك البيئة التي جنت على فرحانة بالإعدام، وتسيّد الفكر الذكوري الذي طاح بأنوثة لم تتفتح بعد، ومنها لتسيّد ذكوري بشكل آخر يعتبر نقطة حراك جديدة في مسيرة بشارة بأكملها، وهو "يوم مر ويوم حل".

ولكن هذه المرة التسيّد كان في اتجاه العشوائيات والبحث عن الأمل من داخل قمقم الفقر، في انتظار جائزة، وفقدان الرجل الذي يولد سيطرة جديدة، ومحاولات كل شخصية بالفيلم على حدة البحث عن طريق حريتها كيفما تراه، وهو بذاته منطلق بحث بشارة، الذي أراد أن يبحث عن حريته والخروج من بين كل عمل وآخر بشكل مختلف لينطلق نحو ما هو أبعد مما قدمه من قبل، وعلى الرغم من سيطرة ثيمة الفقر على أفلامه ومناجاة حياة البسطاء، إلا أنه ظل باحثاً عن طرق الطرح المختلفة حتى يصل للناس كما أراد دائماً، ليقدم من بعدها الفيلم الذي حقق له التوازن في سوق السينما المصرية.

وفي الوقت ذاته لم يبتعد كثيراً عن الهموم التي لم يتخلّ عنها أبداً، وهو فيلم "كابوريا" في بداية التسعينيات، وقضية الفقر ذاتها، لكنها مُغلفة في طريقة طرحها ببعض من الفقرات الفاصلة الجاذبة للجمهور، من أغان ورسم لتفاصيل الشخصية من طريقة تصفيف الشعر والملابس، ليخلق صورة غير معتادة التقديم حينها، بداخلها ثنائية لم تتوقف على التطور أبداً لديه، بداية من ذلك الفيلم تحديداً، وهي ثنائية (الفقر/ الغنى)، ومواجهة الطبقة الفقيرة للأغنياء، وسيطرة الرأسمالية على المجتمع، وعلى الرغم من الفصل الذي أحدثه بشارة بتقديمه لفيلم "رغبة متوحشة" عام 1992، والذي يعود فيه ليأخذ من الأدب حبكته الرئيسية، من خلال مسرحية "جريمة في جزيرة الماعز" تأليف الإيطالي أوجو بتي، إلا أن ذلك الفيلم تحديداً يؤكد على أن الامتداد لم ينقطع بما قُدم من قبل كله.

المخرج خيري بشارة: قمت بتحويل أعمال مكتوبة بشكل غير جيد ومكتوبة ضد الناس، لتصبح أفضل ومع الناس، وأضحك على المنتج وأقدم فيلماً آخر غير الذي وافق عليه

فحياة النسوة بدون رجل، ومدى تحكم الرجل في مصيرهن، والاحتياج بأشكاله كافة، والمصائر التعسة لأبطاله، لم تختلف كثيراً عما قدمه في "الطوق والأسورة"، بالاتفاق أيضاً في سيران أحداث كل منهما داخل بيئات منغلقة، فمثلما كان الأمل في عودة مصطفى في الفيلم الأول، كان الأمل ذاته في وجود سيد غزال في الفيلم الثاني، وكذلك هي النهايات على يد كل منهما حتى وإن كانت بشكل غير مباشر، لكنهما هما من تسببا في كتابة كلمة النهاية على كل "حدوتة".

وبقى بشارة على ذلك المنوال، نحو محاولات للتجديد، في الوقت ذاته متمسك ببعض الثيمات التي لم يستطع التخلي عنها، إلى أن جاء دور الاشتراك مع مدحت العدل، ككاتب سيناريو، وهي مرحلة تعتبر مفصلية في مسيرته الإخراجية، تقسمها نصفين، كطريقة في طرح القضية رغم اشتراك كل من المرحلتين في مجموعة السمات العامة نحو قضايا متشابهة، إلا أنه يمكن الوصف بأن هذه الفترة من التعاون كانت بمثابة لقاء خيري واجهة فترة التسعينيات، لقاء جعله قادراً بشكل أكبر على مواكبة تلك الفترة وجيل تلك الحقبة الباحث عن ذاته.

"آيس كريم في جليم"... مأساة جيل في مهب الريح

بداية من الجملة الأولى في الأغنية الدعائية للفيلم "آيس كريم في ديسمبر" التي تعبر عن التحدي الذي قرر خوضه الجيل الذي كان يحيا في فترة التسعينيات، وهو في عمر العشرين تقريباً، ذلك الجيل الذي أراد بشارة هذه المرة أن يعبر عنه وعما أصابه من تخبطات لا تختلف كثيراً عن تلك التخبطات التي أصابت جيله هو بذاته.

بطل آيس كريم في جليم مطرب مغمور يقطن جراشًا، حالم بفتاة لا يعرفها ويقيم علاقة مع أخرى تمثل الواقع بحذافيره، فهي لم تكن رحلة صعود بقدر كونها رحلة رصد تخبطات ومحاولات تحرر وتمرد لأبناء الجيل

وحاول التعبير عنها في بداية مشواره السينمائي بـ "الأقدار الدامية" و"العوامة 70" رغم اختلاف الظروف، إلا أن التخبط الذي طاح بالأجيال يبقى ذا أثر ملازم ومشابه، وكأن جيل بشارة وما أصابه من يأس بسبب حروب عقبها تحولات اقتصادية وسياسية واجتماعية، يحاول أن يدرك آلام وصراعات جيل الثمانينيات والتسعينيات، وما طاله من ظروف اقتصادية كالبطالة وأزمة السكن وسياسية كسيطرة أمريكا واحتلال الكويت والعراق وغيرها من التفاصيل التي جعلت ذلك الجيل تحديداً يقف في مواجهة تلاقى صدمات الجيل السابق له، ومحاولة فهم ما يلاحقه في عصره الذي يحيا بداخله، ومنها نحو تذبذب حقيقي أدركه مدحت العدل في الشخصيات التي قرر أن يرسمها.

سيف (عمرو دياب)، ذلك المطرب المغمور الذي يقطن كراج، الحالم بفتاة أحلام لا يعرفها ويقيم علاقة مع أخرى تمثل الواقع بحذافيره، بين حلم بات يحلمه وواقع مؤلم متمثل في تلك الشخصية التي قدمتها سيمون، فتاة عانت من الفقر والتخبط، تقرر أن تقيم علاقة مع سيف، في الوقت ذاته تتطلع نحو حياة الغنى، وتلك الثنائية التي لم يتخل عنها بشارة أبداً داخل أفلامه بين (الفقر/ الغنى)، الذي لم يرد في هذا الفيلم تحديداً أن ينتصر أي طرف منهما على الآخر، ومعاونة العدل في صياغة عناصر جميعها لم ترد الانتصار لأي طرف، بقدر الهم الحقيقي بطريقة طرح ذلك التقابل وأثره على شخصيات الفيلم، ومحاولات التحرر من قمع الرأس مالية.

وعلى نفس النهج قدم تناقض شخصية البطل الحالم بأشياء وواقعه يحتم عليه أشياء أخرى، فهي لم تكن رحلة صعود بقدر كونها رحلة رصد تخبطات ومحاولات تحرر وتمرد، وعلى الرغم من مباشرة الحوار بعض الشيء، إلا أن ذكاء بشارة كمخرج كان قادراً على إنقاذ الموقف بما قدمه من شريط صوت مميز، به من الموسيقى ما ينم عن الاضطراب والاختلاط ذاته بين موسيقى غربية وعربية، وأغنيات لأكثر من شخصية تحمل بين طيات كلماتها العديد من المفاهيم التي أراد الفيلم التوجه إليها، وما بها من نبرة متحدية وثائرة على كافة الأوضاع التي كادت أن تكبل هذا الجيل، بين "لو شمس الدنيا دي غابت، أنا شمسي تشق الغيم، والناس حاسين بالبرد وفي قلبي دا شم نسيم".

ولم يغفل أيضاً في تفاصيله الإخراجية أن يقدم القاهرة بكافة تفاصيلها المائلة نحو التغيير، حيث ارتكز على تقديم شكل شوارع القاهرة والاهتمام بالتصوير الخارجي أكثر، نقلاً عن حالة البراح الباحث عنها هذا الجيل، في الوقت ذاته محاولاً توثيق شكل القاهرة الجديدة، وما آلت إليه من معالم لم تكن بها من قبل، مثل محلات الأكل السريع، محلات شرائط الكاسيت والفيديو، الإعلانات المعلقة في الشوارع وغيرها من المعالم الواردة إليها في هذه الفترة، وتلك الأجواء الشتوية التي اختارها المخرج بعناية، والتي رغم احتياج الناس فيها في الأغلب للملابس الثقيلة والمعاطف، إلا أن أبناء ذلك الجيل قرروا أن يأكلوا الآيس كريم، ويعيشوا أجواء الربيع وشم النسيم رغماً عن أنف الشتاء بكافة تفاصيله، وهو التحدي ذاته الذي قرروا خوضه في هذه الحقبة على كافة مستوياته.

"حرب الفراولة" امتداد لـ"كابوريا"

بداية من اسم الفيلم الذي يطرح لفظتين تبدوان متضادتين بين الحرب والفراولة، تلك الحرب التي تنم عن وجود جبهتين متقابلتين، أي تكون ثنائية أولية قبل المشاهدة من الأساس، ومن بعدها فاكهة الفراولة التي تعرف بفاكهة الرشاقة، ومنها إلى الفيلم ذاته ورحلة بحث طبقة الأغنياء عن السعادة واستغلال الفقير لتحقيق هذه السعادة، وهي الثيمة نفسها التي سبق وقدمها بشارة في فيلمه "كابوريا".

واللافت للنظر أيضاً أنه في كل من الفيلمين استخدم أسماء أكلات، والأكل، أياً كان نوعه، قابل للمضغ، ما يبرز وجود قوى قادرة على مضغ من هم أقل منها، ولكن اختيار الأسماء لم يكن اعتباطياً على الإطلاق.

وجود المطربين في أفلام خيري بشارة جاء للتخفيف من وطأة الأحداث لتحقيق توازن بين وجود المشكلة المطروحة ووجود سمة الغناء من جهة، ومن جهة أخرى للتخفيف من مباشرة الحوار ، وأخيرًا وجودهم كمطربي الساحة في هذه الفترة وما لهم من قاعدة جماهيرية استطاع أن يجلبها داخل سوق السينما

فالكابوريا كنوع من الأسماك يتميز بوجود قشرة خارجية صلبة في هيكله الخارجي، وذلك نحو تأكيد أن محاولة طهيه ومضغه ليست سهلة، وكذلك الفراولة كفاكهة مميزة ذُكر عنها داخل حوار الفيلم ذاته إنها "يتم زراعتها في أرض ناعمة، ولابد من لبس قفازات عند قطفها لأن عمرها قصير، وفي الوقت نفسه غالية كالماس، وإذا تم التعامل معها بعنف تفسد ويقل سعرها في الأسواق"، ليؤكد على مدى حساسية وندرة تلك الفاكهة، وهي الدقة نفسها في اختيار أسماء طرفي الحرب بين ثابت (سامي العدل) ذلك الشخص الغني وما في اسمه من دلالات نحو الثبات والجمود، مقابل حمامة (محمود حميدة) ذلك البائع السريح الفقير، وما في اسمه نحو دلالات للانطلاق والحرية، والحرب القائمة بينهما على "الفراولة" أو ما يعادلها داخل الفيلم "السعادة"، وهي شخصية البطلة يسرا.

وعلى الرغم من تلاقي الفيلمين في منطقة تقابل الثنائيات واستغلال الطبقة الأقل لتحقيق المتعة للطبقة الأعلى، إلا أن في حرب الفراولة تقرر ألا ينهزم أي من طرفي الحرب مثلما انهزم حسن هدهد في "كابوريا"، كل ما هنالك أن من فاز بالفراولة هو من وعى بها واعتنى، ولكن في المقابل الطرف الآخر فاز أيضاً وحدث نوع من أنواع تبادل الأدوار بين ثابت وحمامة، وحقق كل منهما مراده، فكلاهما تخلى عن شيء في مقابل الحصول على شيء آخر، فحتى وإن بدت شخصية حمامة خاسرة، لكنها في حقيقة الأمر ربحت ما تستحقه. بينما بالنظر لهدهد في "كابوريا"، فهو العائد لبيئته من تجربة استغلال كاملة مرة أخرى، محاولاً البدء من جديد دون أي مكاسب.

"أمريكا شيكا بيكا"، "إشارة مرور"، "قشر البندق"... ثلاثية الهجرة والاحتياج والفقر

استطاع مدحت العدل بثلاثية "أمريكا شيكا بيكا، إشارة مرور، وقشر البندق"، أن يجمع مجموعة من الشخصيات داخل فضاء واحد، ومن ثم يحاول تتبع أثر ذلك الاجتماع عليهم، بين حلم الهجرة الضائع وحادثة على الطريق تسبب في تعطل حركة مرور، ومسابقة أكل يجتمع فيها مجموعة متنافسة على جائزة، يبقى الهدف واحد وهو رصد أثر ذلك التجمع وملاحظة الفروق بين الشخصيات.

ومن اللافت للنظر سيطرة حلم الهجرة إلى أمريكا في أكثر من مرة بين هذه الأفلام المذكورة، أو الحلم الأمريكي كما هو معروف وتعثر تحقيقه على سبيل المثال في "أمريكا شيكا بيكا" على يد شخصية جابر (سامي العدل) المحتال، والذي صوره الكاتب في صورة النظام الأمريكي ذاته الذي تاجر بأحلام هؤلاء الطامحين البسطاء، بين الميكانيكي والدكتور وموظفة البنك والراقصة، وغيرهم من الشخصيات التي أدركت في النهاية أن كيانها الحقيقي سيتحقق داخل وطنها، وما جاء من أغنية شهيرة لمحمد فؤاد في نهاية الفيلم عن الوطن وما تحمله الكلمة من معان.

وهو الحال ذاته فيما تحمله "إشارة المرور" من دلالات بداية من اسم الفيلم نحو تعطل السير، أي وقفة خارج الزمن تحدث احتكاكاً بين أكثر من شخصية، ومن بعدها سيطرة ثيمة الاحتياج والتي ظهرت بقوة في "قشر البندق"، بداية من اسم الفيلم الذي اختار أن يستهدف ذلك القشر الذابل الذي لا قيمة له، بينما الأغنية الدعائية للفيلم تقول "لا قشر البندق لا، آه قلب البندق آه"، للتأكيد على تطلع هؤلاء المتسابقين نحو قلب البندق والتخلي عن موضع القشرة، وكما تم الذكر بين فراولة وكابوريا وحضور الأكل القوي والمؤثر في الحدث الدرامي.

فهو بذاته القائم عليه فكرة فيلم "قشر البندق" ككل، بداية من الاسم مروراً بالتجربة المطروحة درامياً، نحو الاحتياج المادي الذي يجعلهم يقدمون على فعل الأكل الشره، الذي ينم عن الجوع وما يحمله الأكل من دلالات تجاه باقي الاحتياجات البشرية الأخرى، ومنها ظهرت نماذج أخرى في الفيلم تحتاج لمناطق أمان، أو للحب، أو للشهرة والأضواء، لذا كان الأكل وتحقيق شروط المسابقة هو الغلاف الأكبر القادر على استحواذ كافة أنواع الاحتياج المختلفة.

من التراجيديا للكوميديا السوداء المأساة لا تنتهي

بعد النظر في تجربة خيري بشارة سواء ما قبل التعاون مع مدحت العدل أو ما بعد ذلك، يتضح أنه لا غنى عن طرح المآسي في أفلامه، ولكن ما يجعل أغلب إنتاجاته في فترة التسعينيات تتخلى عن التراجيديا الخالصة وتلجأ للكوميديا المغلفة في ظاهرها بأغنيات شبابية، وبداخلها تحمل إشكاليات عدة لا تختلف عن إشكاليات فترة الثمانينيات، إلا أن طريقة الطرح هي الاختلاف الحقيقي، حيث مراعاة خطاب العصر.

فمرحلة العدل ككاتب سيناريو عدلت من اتجاه بشارة التراجيدي وذهبت به للكوميديا السوداء، وكما تم الذكر أن هناك قضايا امتدت بين أفلام وأخرى، وهناك محاور عدة تداخلت وتشابكت، ولكن طريقة الطرح وحدها هي من ميزت تلك المرحلة في مسيرته، ومن أهم سماتها أيضا حضور الغناء وبطولة المطربين للأفلام.

فمحاولة تقديم محمد منير في "الطوق والأسورة" ومن بعده "يوم مر ويوم حلو" لم تكن هي بذاتها الطريقة التي قُدم بها كل من عمرو دياب ومحمد فؤاد وحميد الشاعري فيما بعد، حيث حضور منير كان حضوراً تمثيلياً أكثر، حاول فيه بشارة أن يظهر من منير جانب الممثل لا المطرب، بينما في أفلام فترة التسعينيات كان وجود المطربين هو الأساس، ولا يمكن الاستعانة بغيرهم، لأن الأفلام في أساسها تعتمد على الغناء، وحضورهم كمطربين بأغنياتهم يعتبر وجوداً للتخفيف من وطأة الأحداث، لتحقيق توازن بين وجود المشكلة المطروحة ووجود سمة الغناء والموسيقى من جهة، ومن جهة أخرى للتخفيف من مباشرة الحوار وحضور بعض الدلالات والإشارات داخل جمل غنائية بعينها.

وأخيراً وجودهم كمطربي الساحة في هذه الفترة وما لهم من قاعدة جماهيرية استطاع أن يجلبها داخل سوق السينما، للإلحاق بتجديد شكل الأغنية الشبابية واستغلالها في التأكيد على تجديد شكل الخطاب السينمائي ككل، فالجمهور المستهدف في هذه الأفلام تحديداً لم يكن إلا الشباب، وهكذا هي مسيرة بشارة في كل عصر تخاطب شبابها تداعب أحلامهم ورغباتهم التي لا تختلف عما سبقها في الماضي، ولكنها دائماً تحتاج لتجديد في طرق لطرح حتى يتسنى لها الوصول للمستهدف الحقيقي.


إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard