شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ضمّ/ ي صوتك إلينا!

"والله يا عمي ما بصير ننطر الفَرَج، نحنا لازم نجيبه"

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مدونة

الجمعة 15 يوليو 202201:29 م

استيقظت دَهشاً، وعلامات الاستفهام والحماسة على وجهي. أحاول تذكر ما قاله لي الرجل ذو الوجه الحاد أثناء نومي. كنا عند شاطئ خليج جونيه في لبنان في ليلٍ حافل بنشاط حانات المدينة. في هذه الليلة، كنا نسمع أصوات الضحك والموسيقى الصاخبة من خلفنا، إلا أننا كنا ننصت إلى هدير أمواج البحر، إلى الرسائل التي يرسلها من مات على هذا الشاطئ منذ مئات وآلاف السنين في الحملات الصليبية وحملات الاحتلال وحملات الانتداب وجميع الحملات التي راح فيها ضحايا من أجانب يريدون أرضنا، وشهداء دافعوا عن سيادة بلادنا.

فجأة، نظر إليّ الرجل وصار يتحدث عن الثورة. لم يتحدث عن ثورة معيّنة، بل الثورة كفكرة. لا أذكر من حوارنا إلا جملة واحدة قالها: "لازم نثور بالوقت الصح، وإلا ما رح تزبط". بعدما قال هذه الجملة، نظرت في عينيه المملؤتين بالخبرة التي لا أعرف عنها شيئاً، ثم نظر للأمام، ومشى. في هذه اللحظات، أسقطتُ عينيّ للأسفل ودُرت للوراء. أفكر بينما أمشي، لم أفكر بالرجل أو بشيء آخر، بل بالثورة، ووقتها الصحيح.

أشمئز من الثبات، أشمئز ممّن لا يتحرك، أشمئز ممّن لا يثور.

منذ عام تقريباً كنا نتحدث أنا وصديقي الذي يدرس في الجامعة اللبنانية عن أحوال الوطن وكيفية إصلاحه. فقلت له إن الثورة هي الحل للانقلاب على طبقة السياسيين السارقين لأموالنا، وحيواتنا، وحريتنا، وأحلامنا. رد ضاحكاً مستهزئاً بكلامي: "عادي تحكي هيك، هاد اسمه حماس الشباب، يلا اسا العمر طويل، بكرا بتكبر وبتعرف." لم يعجبني بروده في هذا الطرح، وهو الذي يستمر بنشر منشورات على فيسبوك يعلّق فيها على سوء الأحوال المعيشية وخاصة الطلابية في جامعته الحكومية. فأجبته بحماس من جديد، ولو كان حماساً يدعو للضحك والاستهزاء: "اي معلش خليني متحمس وخلي القصة طايرة بعقلي ومطيرتني معها للسما، أحسن ما ضل عم قول تفه على هيك بلد وسياسيين، وقاعد! بكل الأحوال صديقي خليك بخير، بوسات." في هذه المحادثة، اكتشفته وتوقفت عن الإعجاب بمنشوراته "الثورجية"، بل صرت أقرف منها، أشمئز من الثبات، أشمئز ممّن لا يتحرك، أشمئز ممّن لا يثور.

وبحديثٍ مشابه مع صديق آخر من العائلة، سألته: "كيف حالك؟"، فقال لي: "صابرين إلى حين الفرج وناطرين". فقلت هذه الجملة مدفوعاً مرة أخرى "بحماس الشباب" ذاك: "والله يا عمي ما بصير ننطر الفرج، نحنا لازم نجيب الفرج." ترك هذا الرجل المحادثة ولم يرد عليّ. لا أعرف إذا ترك المحادثة خوفاً من الرقابة، أو لعدم صحة كلامي. لم يهمني كلا الأمرين بصراحة.

"من المستحيل التنبؤ بوقت وقيام الثورة، إنما تحكمها قوانينها الغامضة" قال فلاديمير لينين. لا أعتقد أن معرفة هذه القوانين هي بأهمية معرفة وجود ثورة داخلنا، ثورة على المجتمع، ثورة على العصر، على الزمان والمكان. وبحسب الفيلسوف الألماني كارل ماركس: "كل الثورات أثبتت شيئاً واحداً حتى الآن، ألا وهو أن كل شيء يتغير إلا الإنسان". أي أن الإنسان بطبيعته حر، وإن أحس هذا الإنسان بشيءٍ يحد من حريته، فإن الثورة هي المفتاح. وإن كان يسعى للحرية دائماً وأبداً بشتى الظروف والأحوال، فهو ثوري غير قابل للترويض، بعكس الحيوانات.

 الإنسان بطبيعته حر، وإن أحس هذا الإنسان بشيءٍ يحد من حريته، فإن الثورة هي المفتاح. وإن كان يسعى للحرية دائماً وأبداً بشتى الظروف والأحوال، فهو ثوري غير قابل للترويض، بعكس الحيوانات

في قصة "النمور في اليوم العاشر" للكاتب زكريا تامر، نقرأ عن مراحل ترويض النمر الشرس على يد مروضه الذي اتبع أسلوب التجويع إلى أن بات النمر ينفذ أوامره، إذ قال المروض للنمر بعد تسعة أيام من الترويض: "عندما أخطب أمام الجماهير بعد قليل، يجب أن تصفق لي كي تأكل." لم يفهم النمر ما قاله المروّض في خطبته فلم يصفق، ولم يأكل حينها. ولما أدرك أن تصفيقه مرتبط بالطعام، صفق بقوة. ولكن الجماهير قد عادت إلى بيوتها وفات الأوان، فلم يأكل اللحمة في هذا اليوم، بل الحشائش التي اشمئز منها أولاً، إلا أنه اضطر إلى أكلها حتى تعوّد طعمها.

في اليوم العاشر، اختفى المروّض. وبات النمر مواطناً والقفص مدينة. في المحادثتين السابقتين، اكتشفت معدن هذين الشخصين، فأهلاً وسهلاً بالنمور. لم أكن أدري أن الإنسان قد يتحول إلى نمر في زماننا هذا. في أفلام ديزني وغيرها التي تتحدث عن وجود حيوان يُسجن لدى البشر لخدمتهم، يكون هذا الحيوان هو البطل في القصة ومحبوب الجماهير بفعله الثوري على مروضه وحاكمه، إذ يحصد دهشة جميع البشر والحيوانات من حوله ودعم البعض. أي أن الثورة والثوري هما الفكرة والفعل الساميان للوصول للمبدأ الأساسي: الحرية. فكلما بحثنا عن حريتنا بشراسة أكبر -لا أقصد الثورة المسلحة، بل الإرادة الصلبة- ارتقينا للأعلى.

للوقوف بوجه أي شيء لا نحتاج أرجلنا للنهوض، بل شجاعتنا. ومع الإرادة والإصرار نكون قد ثُرنا

قال المناضل ناجي العلي: "الطريق إلى فلسطين ليست بالبعيدة ولا بالقريبة، إنها بمسافة الثورة." فما هي مسافة الثورة؟ لنجيب عن هذا السؤال نذكر ما قاله السياسي الفرنسي نابليون بونابرت: "الإرادة القوية تقصّر المسافات" أي أن الإرادة والإصرار ضروريتان لتقصير المسافات.

أتذكر أيضاً كتاب "السيكولوجية المبسطة"¹ الذي تحدث عن أهمية الشجاعة فقط للوقوف في وجه المرض والعجز والوهن. فللوقوف بوجه أي شيء لا نحتاج أرجلنا للنهوض، بل شجاعتنا. ومع الإرادة والإصرار نكون قد ثُرنا. مسافة طريق فلسطين هي مسافة الثورة، ومسافة الثورة هي الشجاعة، فيا أيها المناضلون والثوار، ألا ينبغي لنا أن نتشجع ونثور؟ فمن الثورة تُخلق الشجاعة مجدداً، لخلق ثورةٍ تعيد لنا حريتنا، وسعادتنا.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

Website by WhiteBeard